(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:
﷽
(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42))
الحمدُ لله مُكرمنا بأنوار الدَلالةِ عليه، بما أوحى وأنزل ونَبأ وأرسل، وصلى الله وسلم وبارِك وكَرَّم على من خَتَم به النبيين، وجَعَلهُ سَيد المُرسلين، عبده الأمين المُجتبى محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الغُر المَيامين، وعلى من والاهم في الله وتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلين، وآلهم وصحبهم والتابعين، وعلى الملائكة المُقربين وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،
تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33))
فإننا في تأمل كلام ربنا، وتَفَضُّلِه علينا بالتعريف والتبيين والتعليم والإرشاد والتوضيحِ والهِداية، مررنا على قوله -سبحانه وتعالى- في سورة يوسف:
(ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (35))، فَذَكرَ لنا سُبحانه دَعوَة سَيدنا الصِدّيق يوسف: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)، وقد هَدَدَتهُ امرأةُ العَزيز أن يُسجَن وأن تُعَرِضَهُ للذِلة والمَهانة إذا لم يَستَجِب لِمُرادِها مِن المُنكرِ والفَحشاء، فقال الحق -جلَّ جلاله- على لسان يوسف يخاطب الرَّب: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ ):
(قَالَ رَبِّ)! (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)، وكيف يكون السِجنُ مع ما فيه من الإذلالِ وتَقييد الحَركةِ وكراهة النَفس له أَحب؟!! وما يَدعونه إليه هؤلاء النِساء من الشَهوات المُستَحَبة للنُفوس واللذات مكروه!! كيف يَكره أمرا مُستَلَذًا؟! بِحُكمِ النَفسِ والطَبيعة، ويحب أمرا شديدا شنيعا متْعباً بحكم النفس والطبيعة؟!
فالموازين تَستَقيم بِحَسب المَعارف وبِحَسب مَدارك أَصحابها؛ فالذين أَدرَكوا الحَقيقة مِن أَجل ذلك استَلانوا ما استوعَرَهُ المُترَفون، واستَلَذوا ما تَشمَئِز مِنهُ النُفوس من أنواع المُجاهداتِ وتَرك الشَهوات.
وتَجِد الناس في عَالَم الدُنيا وعَالَم الحِس أيضًا والمادة، إذا طَلَبَ أمرًا فترتب أن لا يتحصَّلَ له إلا بمكابدة؛ أنه يَستَلِذ المُكابدة ويَستَلِذ المُجاهَدَة، ومِنهم من أجل البُلوغ إلى غايتهِ يُرهِق نَفسه ويَتعب وقد يَتَحَمل فِراق أهلِه ووَطَنه، من أجل أن يَصل إلى غَرض مُعَيَن من المال أو المَكانة بَين الناس أو السُلطة؛ فَبذلك يَتَحَمل أشياء كَثيرة.
(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ)، أنا في عُبودِيَتي وذِلَتي لَك مُعتَمِدٌ على ما يأتيني منك من حِفظٍ وعِصمَةٍ وكَلاءَةٍ وتوفيق، فَلَو تَخَلَّيتَ عَني؛ (إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ)، أَميلُ إليهن، يَميلُ إلَيهنَ نَفسي وقَلبي وأُخدَع بِشَهوة النَفسِ، (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33)) -والعياذُ بالله تَباركَ وتَعالى-؛ وفيه أن الإيثارَ لِهذه الشَهوات جَهَالة؛ لأنها قَناعَةٌ بالرَذالة المُوجِبة لشديد العقاب ولفضيحة الدارين، فلا يؤثِرُها إلا جاهل.
تفسير قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34))
(وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34))، وإلا حاوَلنا بِمُختَلف الحِيَل إلى أن جاء وقتُ السِجنِ، وأَرَدنَ من السِجن أن يُذلِلنَهُ؛ لِيَصِلنَ إلى غَرَضِهِن مِنهُ؛ (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ) [التوبة:32].
تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (35))
(ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ)، أي بَعدَ أن ظَهَرت الحَقائق ووَضَحَت بالدَلائل القَاطِعة، بَرَاءَة سَيِدنا يوسف عليه السلام وبُعدَه عن السوء وبُعد السوء عنهُ، رَأوا هذه الآيات كُلِها فَتَركوا يُوسف -عليه السلام-، وحَاولت امرأةُ العَزيز بَعدَ ذلك أن تَلفِتَهُ بِأَي وَسيلةٍ فَلَم تَستَطِع، وهَدَدَتهُ بالسِجنِ كَذلك ولَم يُبالِ، فَرَأت أَنها في مَوقفٍ حَرِج، وكان يُصغي لها العَزيز زوجُها، قالت: أتترك هذا العَبدُ العِبراني يَتَكَلم عَليك وعلى أُسرَتِك وبيتك وتُحبِسني أنا في البيت؟!! -منعها أن تَخرُج بعد ذلك- تَحبِسني في البيت ثم يَتَكَلم هذا، فإما أن تُطلِقني فَأُجيب عن نَفسي وأردُ كلام الناس، وإما أن تَحبِسه كما حَبَستني، فلما رأى الأمر هكذا واستشار أصحابه ومَن عنده من أهل الحَلِ والعَقدِ مِمَن يكونون معه، أشاروا عليه بالسجن.
(ثُمَّ بَدَا لَهُم)، يعني ما كان رَأيهم أن يَسجُنوه، وما كانوا يَرون أنه يَستَحِق السِجن، (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ) واضحة أمامهم، لكن اضطَرَّتهُم الظُروف والأوضاع وحال هذه المَرأة، (لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (35))، يَتركونه في السِجن مُدة.
(حِينٍ):
فلما رأى هذه تُؤذيه في البيت، وتقول له: فَعَل يوسف كذا وتصرفه هكذا، ولماذا؟ والناس يَتَكَلَمون؛ قال: (بَعْدِ مَا رَأَوُا) إبعاد اللوم عنها، وفي الوقت نفسه يهدأ بالهُ ويَهدأ كلام الناس، حتى لا يَرونه، وهي سيدها زوجها قد حَبَسها في البيت أَمَرَها ألا تَخرُج، وأدخل يوسف السجن، فما عاد الناس يَرَونَها ولا يَرون يوسف و يَهدأ الكلام عن القَضِية ويَسكُت الناس (لَيَسْجُنُنَّهُ)، (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ)، أي رَأوا أن يُسجَن أو سُجِنَ، (لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (35)).
تفسير قوله تعالى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36))
(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ)، ورَتبَ الحَق -تبارك وتعالى- عند دُخول يوسف إلى السِجن أن يَدخُلَ مَن كان وَكيلاً على طَعام المَلِك، ومَن كان وَكيلاً على شَراب المَلِك وسَقيِه، وذلك أنهم وَقَعوا في مُشكِلة من المُشكِلات التي تَتَكررُ عند الناس ويُتَحَدثُ عنها إلى اليوم، أنه تَكون نُفوسٌ مُناوِئَةٌ أوراغِبَةٌ في أمر السُلطة وحامِلةً حَسَداً على من مَلَكَ شَيئاً مِن هَذه السُلطَة، فَيَتَوَصَّلونَ بِمحاولاتٍ إلى تغيير نظامٍ كما يسمونه أو قِيام انقلابٍ أو قَتلِ زعيمٍ وما إلى ذلك، يحاولون أمثال ذلك.
فكان أيضًا أن قومًا في مِصرَ أرادوا أن يَتوَصَّلوا إلى إزاحة هذا المَلِك وإبعاده، فاتَفقوا مَع هذا الخَباز والمُتَوَلي طَعام المَلِك والساقي أن يَبُثُ له السُم في طَعامِه وفي شَرابه ووَعدوهم بِمال كَثير:
فَعَلِمَ أن هذا قَبِلَ الرَشوة وأعَدَ الطَعام ووَضَعَ فيه السُم فَقَدَمهُ، فلما قَدَّمه إلى المَلِك، قال الساقي: أيها المَلك لا تأكل من هذا الطعام فإنه مَسموم؛ فذاك غضب وقال: ما تَشَرب من شَراب هذا فإنه مَسموم، فقال: للِساقي: إِشرَب، شَرِب، قال: شَرِبَ من الشراب الذي قدمه للمَلِك، قال: أنت كُلْ، أبى أن يَأكل من هذا الطَعام، أخذ من الطعام وأعطاه دابة هَلَكَت وماتت، قال: احبسوهم.
فَحَبس الإثنين، حَتى يتأكد من الثاني، هل له ضِلع معه أم لا؟ وهو معه فأدخلوهم إلى السِجن وَقتَ دُخول يوسف، أيام دخول يوسف -عليه السلام -وهو سجن قريب مِن قصر الملك مُخَفَّفًا دون السجن الذي يكون فيه الإيلام والتَعذيب وما إلى ذلك؛ فدخَّلوا السجن.
(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ)، فقالا: (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36))، ذلك أنَهُما لمَّا دَخلا رَأَيا وَجهَاً عَلَيه نور، ورَأَيا سُلوكا شريفاً عزيزاً، ورأيا وقاراً وسكينة، ورأيا أدبًا وخُلقًا كريمًا، وبِمُجَرد ما رأياه، أَجَلَّتهُ قُلوبُهُما وأحبتهُ ومالت إليه.
ولم يَزل الدِّين المُنتَشِر عِندَهُم هو الشِرك وعبادة الأصنام في تلك الآونة وفي ذلك المكان، وهو على قَدَم التَوحيد كما نَشأَ على يَد أبيه يَعقوب -عليهم السلام-؛ وفي هذا بيانٌ أنه يجب على كُل مُؤمن صادق أن يكون من صَفاء السَريرة وصِدقِه مع الرَّب وتَشَبُثِه بالمَسلك القَويم أن يُرى الإحسان عليه مِن كُل مَن رَآهُ، مَن رَآه عَلِم أنه مُحسن، فكذلك شأن الصَادقين والمُخلِصين.
وجاء في صِفَة نَبِينا أَصدَق الصادِقين في الخَلق، وأخلَص المُخلِصين للحَق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:
ما هذا وَجه كَذاب؛ هذا وَجه صادق مُرسَل من عند الخالق -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه -.
وقال: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36))، وهَكذا يَظهر الإحسان، بل صِدقُ الباطنِ مع الرَحمٰن يُكسبُ المُؤمن مهما كانت صورَته ولونه وهيئته قَصيرة أو طويلة، أو أبيض أو أسود أو أحمر، بِصِدقِه مع الله يُكسبُ جمالاً، ويُكسبُ بَهاءاً مَعنَويا، تَنظُر إليه فَتَرى فيه معنى قُربٍ من الحَق، تَرى فيه مَعنى عِناية من الخَالق -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
وهكذا؛ يقال له:
(قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ..(36)):
(نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36))، هم في حَالة سِجن ويهَمَّهم أمرهم وماذا سيكون حالهم ويَرون أن الرُؤيا مُتَعَلِّقة بِشَأنِهم، وهم مُنزَعِجين لذلك، ومُهتَمين ويُريدون أن يَروا ما تدل عليه الرؤيا، ورأٓهم سيدنا يوسف -عليه السلام- وكان صاحب مُهمة؛ هي مهمة الأنبياء والمرسلين وأَتباعهم بالصِدق، أن يدعوَ الخلق إلى الله -جلَّ جلاله- فلما رأى إقبالهم وإدراكِهُم الإحسان:
تفسير قوله تعالى: (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37))
(إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36))، و سَيِدُنا يوسف حينَئِذٍ ابتدأ بِأداء مُهِمَته في إقبالهم ومَهّدَ لذلك تَمهيداً؛ لِيُنقِذَهُم من الشرك والكفر، ولِما عَرَف من الرؤيا وأن هذا مُقبل على الموت والقتل، فاجتهد قبل أن يموت، أن يؤمن بربه ويموت على الإسلام والإيمان خيرٌ له، حتى لا يُخَلَدَ في النار، فابتدأ بالدعوة، فلما أراد أن يدعوهم إلى الله أراد أن يَستَميلَ أنفسهم؛ لِتَثِقَ بما يقول وأنه لا يَتَكلم كلام عرَّافٍ ولا كاهنٍ ولا ساحرٍ ولا مشعوذٍ، وأنه أيضًا منحدرٌ من سُلالِة نُبوة -من بَيت نُبوة- ويُعطيهم عَلامات على صِدقِه وتَمَكُنِه فيما يقول وفي عِلمِه.
(قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ):
والخُلاصة أنه كَشَف لهم بِهذه العِبارة عن تَمَكُنه في العِلم وقُوَّته فيما يقول.
(لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا)، وقال لَهُم المَسألة لَيست كَهَانَة ولا سِحر ولا شَيء من هذا؛ (ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي):
وصاحب هذه الطريقة يُمَدُ بإرشاداتٍ ودلالاتٍ من الحَق -جَلَّ جَلاله-، وكشفٍ للحَقائق، وأنتم اسلُكوا هذه الطريق.
(إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، يعني اجتَنَبتُها وتَبَاعدتُ عَنها ،أهل الكفرِ بالله من أهل الإلحادِ وأهل الشِركِ به تَركتُهم (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ) اي: اجتَنَبتُ، (تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37))، بالمرجعِ إلى الله والحَياة بعد المَوت من هذه الدُنيا بِحَياة أكبر وأعظم، يَكفُرونَ بِها ويَكذِبون مع أن الذي أحياهُم أوّلًا لا يَعجِزه أن يُحييهم ثانياً، لو عَقَلوا ولو عَرَفوا، فما داعي التكذيب بالحياةِ بعد الموت، والحياةُ دلالة على أن الذي أحيا أولاً يُحيي ثانيًا، كافِيه:
(تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37))، اللهم جَنبنا ذلك وجَميع المَهالك والأسوأ والذنوب والمعاصي.
تفسير قوله تعالى: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38))
(وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ)، يَقول: أنا انحَدرت مِن هؤلاء؛ أبي يعقوب وجدي إسحاق وأبوه إبراهيم، أبوه ابراهيم مشهور بين الناس في تلك الآونة بعد حادثته مع النمرود، وقد جاء من بعد إسحاق، وقد ذهب إسحاق، والآن يعقوب -أبوه- موجود، حتى كان يُقال أنه معهم في السِجن غَيرُهم، فَكانوا يَرونَهُ يُواسيهم ويُخَفِف عَليهم ويَعِدهُم بَأجر من الله بِفَرَج يَحصُل لَهُم، يَقولون: مَن أَنت الذي فَرَّجَ الله كـَربَتَنا بِك؟ مَن أنت الذي جِئتَ لتُخَفِف عَلينا؟ يقول لهم: أنا يوسف ابن نَبي الله يَعقوب ابن صفي الله إسحاق ابن خليل الله إبراهيم؛ يَثِقون بِما يَقول أكثر، يَسمَعه القَائم على السِجن يَقول: لو كان الأمر بيدي لأطلقت سراحك واتركك، لكن سَأُحسِن جُوارك، ماذا تريد مني؟ خذ من الغرف ما شئت من السجن، أي بيت تريده من السجن خذ ما شئت، وما تريد مني أحضره لك وأنا خادمك في هذا السجن، يقول له المسؤول على المساجين.
وفي هذا مُسايرة ألطاف الله للصَادقين مَعه في كُل الأحوال:
لُطف الله يُسايِر الصَالِحين والصَادقين معه في مختلف أحوالهم، وعند الشدائد يَجِدون اللطيف الخبير -جلَّ جلاله-، فَسُخِر له السِجن وما فيه، وهكذا.
سُجِن مَرة الحبيب محمد الهدار في أيام الشيوعية عندنا في بدايتها قبل أن يتوسع سِجنُهم قبل اختِطافاتهم وقِيامِهم بالسَّحل لِكَثير من النَاس، فَدَخَل عِند جَماعة مِن السِجن في المكلا؛ ففرحوا به، حَوَّل لَهُم السِجن عِبادة وَطاعة وعِلم، فَصارت الهُموم راحت منهم والأحزان راحت، صاروا يَذكُرون الله يُصَلون؛ وجَاءت لهم بَهجة وفرح وهم في السجن، حتى جاء الأمر بإخراجه من السجن، قالوا: كيف ستخرج وتتركنا؟ يريدونه يجلس معهم على طول أو كيف؟!.
فهكذا السجن الذي دخله سيدنا يوسف حَوّلَهُ إلى محل دعوة وطاعة وعبادة؛ إنابة وأخلاق وفضائل تَحول إلى حياة ثانية وراحت الهُموم والغُموم عن أهل السِجن الذي هو عِندهم هؤلاء، حتى جَاء في رواية قالوا إننا لما رأيناك أحبَبناك، (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36))، لما وَقَعَت أعيُنَنا عليك أحبَبناك.
قال: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ..(38))، في مَراتب نُبوة، (مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ) ما يَحوم الشِرك حَولنا ولاحَول قُلوبِنا، بِعِصمَة الله لَنا، وكذلك نُعَلِّم الناس، فأخبرهم أنه من ذُريته هَؤلاء وإنه يَتَبِع مِلتَهُم؛ وفي هذا:
فما عابَ القرآن اتباع الآباء لِكَونهم آباء أو لِكَونه اتباع آباء:
وهكذا كما تقدم معنا في سورة البقرة سيدنا يعقوب يقول: (لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة:133]..
فَما هو عار أن نتبع الآباء الأخيار أهل الأنوار والصالحين، بل ذلك الشَرف والعِز، إنما إذا كان أحد من آبائنا خالف أمر الله وخَرَج عن شَرعه، فعيبٌ علينا أن نَتَبِعه فيما خالف أمر الله ولا تَبَعية له ولا لغيره.
يقول: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ) الفَضل والهداية والاختِصاص والنُبوة والإرشاد (مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا)، فهو رب الكُل وإليه المَرجِع والمِنَة له، (وَعَلَى النَّاسِ)، وفي أن الله إنما جَعل الأنبياء في مَصالح الناس، وفي خَير الناس، وفي هِداية الناس.
وكذلك الأولياء، وكذلك ما تَفَضَل بها على أحد من عِباده عامة ومن بني جنسك خاصة إلا ولك إذا قَبِلت ذلك وعَرفت مَكانَته نَصيبٌ من هذا الخَير، و من هذا الفَضل يعود الفضل عليك، فمهما بَرزَ فينا صادقٌ أو صالحٌ أو مُطيعٌ أو عارفٌ أو عالم أو مُذَكِر أو مرشد أو دالنا على الخير ومبين للهدى؛
(ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ ..(38))، وفيه أن الأنبياء ثم أتباعهم من الأصفياء:
وذلك على فهمهم، ونَبينا يُعَلِمنا يقول إذا أمسينا: "اللَّهمَّ ما أمسى بي من نِعمةٍ أو بأحدٍ من خلقِك فمنكَ وحدَك، لك، الحمدُ ولَك الشُّكرُ على ذلك"، أشكرك على هذه النعمة حتى تزيد النعم على عباد الله، ونشكره على النعمة التي أنعم بها على عباده.
وبِذلك يَقول؛ كَيف أُعلمكم أن تَشكُروا على النِعَم، ثم تَحسُدون أحداً على نِعمة؟ كَيف؟!
وإذا أنعم الله على أحد بِنِعمة:
وَكُنْ رَاَضي بِمَا قَدَّرَ المَوْلَى وَدَبَّرْ *** وَلاَ تَسْخَطْ قَضَاء اللهْ رَبِّ الْعَرِشْ الاَكْبرْ
ولا نِعَمَهُ على عِباده، (ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38)).
تفسير قوله تعالى: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39))
وتابع سيدنا يوسف- عليه السلام -دعوته إلى الله لهم، هَيأهم الآن نَفسيا وعَقليا وذَكَر مَكانَهُ ومن أين يتكلم معهم: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ)، يا المُصاحبين مَعي في السِجن، الذي أنا وإياكم معًا وسط مهمة واحدة، وسط خَندق واحد، في مكان واحد. (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ)، يعني يَا صَاحِبَيِ في السِّجْنِ: (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39))؟ ما قصة الخَلق هؤلاء الذين يَعبُدون الإله من دون الله وأصنام وأهوية وشَهوات، وبَعضهم بعض؟! لماذا؟ (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)).
تفسير قوله تعالى: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40))
إن واقع الأمر عَقلاً ومَنطقاً؛ (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ)، كيف صارت آلهة؟
(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)). وحاجتكم ليست هنا، خُذوا الجَواب الآن؛ أدى مُهمة دعوته إلى الله،.
فصاحب الصدق مع الله وسط السجن، وسط السيارة، وسط الطَيارة، في السُوق، في العَزومة، في البَيت، في المَسجد؛ يَحمِل همّ الدَعوة إلى الله، يَحمِل هَمّ إرشاد الخَلق، دعوة الخَلق تَبين الحَق للناس.
تفسير قوله تعالى: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42))
فهذا وسط السجن يقول: (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم ..(40))، ثم أخبِرهم بِنَبَأ المرائي التي رأوها، و كان كما كان يَقُص الله تعالى علينا هذا:
قال: (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41))، هذا حكم الله وهذا معنى الرؤيا فكان الأمر.
كما قال:
وذهب هذا -الناجي- وأُطلق من السِجن ورَجع إلى مِهنَته؛ لأنه تَبَين للمَلِك أنه لا يُوجد له دَخل في المُؤامَرة ولا شَيء عِنده، ولا سَاعد القَوم، ولا قَبِل الرشوة منهم، فأمر بقتل هذا الذي قَبِل الرشوة، وقال: ارجعوا لي السَاقي، إلى عندي، ورجع الساقي كما كان، وما عاد ذَكر يوسف.
وقعد؛ سنة .. سنتين .. ثلاث سنين .. أربع سنين .. خمس .. ست .. فوق ذلك، صار له مدة هو وإياه هناك، ثم مرت سبع سنين وما ذَكَر، فلما أراد الله أن يُذَكِّر، أرَسَل إلى قَلب المَلِك رُؤيا، وجَمَع القَوم عليها وعُلمائهم ومن يَفهم عِندهم، ليَقُصُّوا، ولكن ما جَاءوا عليها، اااه!، رُؤيا ذاك الرَجل الذي نَسيتُه في السجن -يوسف- ذَكَر.. (بَعْدَ أُمَّةٍ) بعد مُدة طَويلة مرت عليه (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42))، بِضْعَ سِنِينَ قَضاها في السجن بعدما خَرج ذاك، ولم يَذكُره للمَلك، حتى جاء الوقت الذي رتب الله، كما ستأتي لنا القصة بما فيها.
الحمد لله وما أحسن أن نستقبل رمضان بالإحسان، ونتعلق بالمحسنين ورأسُ الإحسان وحقيقته وأصله كما ذكره سيد المحسنين من الخلائق أن قال: "أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ"،
الآن استشعارك لقدوم رمضان ينبغي أن يكون، كأنك ترى الذي فرض عليك صيام رمضان، وخصك فيه بالمزايا وهو الله، ففرحك برمضان لأجل الله، فرح من يرى الله، كأنك ترى الله، ويرى سبحانه ماذا في قلبك عن هذا الشهر الذي فرض عليك صيامه.
فنحن على قدر تعظيمنا لرمضان ومحبتنا وفرحنا به يكون حظنا من جود الله فيه وكرم الله على أهْليه:
بذلك نتأهل لنظرة أول ليلة من رمضان، أول ليلة من رمضان ينظر الله إلى أمة محمد: وكل من نالته نظرة لم يعذب بعدها أبدا، يا ما أعجب نظرات رب العرش، سينظر إلى قوم على ظهر هذه الأرض في أول ليلة من رمضان هذا، لهذه السنة؛ فيفوز الذي يظفر بنظر مولاه ويدخل في دائرة تلك النظرة.
اللهم وفر حظنا من نظرك إلى المحبوبين من عبادك وخيار أمة نبيك محمد ﷺ، الله يقدمه علينا وعليكم بالصلاح والفلاح والنجاح والفرج للمسلمين والغياث ويهيئ لهم سبيل عمارته وقيامه وصيامه وإقامة شعائره بلا مشوشات ولا منغصات ولا مكدرات لا ظاهرة ولا باطنة علينا وعلى أهل لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّه.
اللهم أكرم المسلمين يا مولانا بجمال وكمال وجلال وهيبة وسناء وبهاء إقبالهم واجتماعهم على القيام والصيام والذكر والعلم والعمل وقراءة القرآن، مخلصين لوجهه، متأملين للمعاني عازمين عزيمة الصدق على العمل بما فيه. اللهم هيء للمسلمين هذا الحال والسبيل وادفع عنهم يا مولانا جميع الآفات والعاهات والتخذيل، وأصلح لنا ولهم النية والفعل والقيل، واجعله من أبرك الرمضانات علينا وعليهم أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين.
بسر الفاتحة
الى حضرة النبي محمد اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله
الفاتحة
24 شَعبان 1442