(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:
﷽
(وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) ۞ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (35))
الحمدُلله مُكرًمنا بالآيات البينات، وبيانها على لسان خير البريَّات، سيدنا محمد، سيد أهل الأرض والسماوات، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك أفضل الصلوات وأزكى التسليمات، وأعلى البركات على سيدنا عبدك وحبيبك محمد، وعلى آله المُطهَّرين وأصحابه القادات، وعلى من والاهم فيك، واتبعهم بإحسان إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه ممن خصَّصتهم بالنبوة والرسالات، وعلى آلهم وأصحابهم، وتابعيهم والملائكة المُقرَّبين، وجميع عبادك الصالحين والصالحات وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا مجيب الدعوات، ويا كاشف الغمات، وياجالي الظلمات، ويا مُبلِّغ الغايات من الخيرات في الحياة وعند الممات وبعد الممات. لا إلهَ إلاَّ اللَّه وحْدهُ لاَ شَرِيكَ لك، ختمتَ النبوة بسيدنا محمد فأدِمْ عليه صلواتك وأهل وصحبه وأنبيائك ورسلك وملائكتك و الصالحين وعلينا معهم وفيهم.
وبعد،،
تفسير قوله تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25))
فإنِّنا في تأمُّل ما يُعلِّمنا ربّنا ويُبيِّن لنا، ويُوضِّح ويفتح من الخير ويدل من الهُدى، مررنا على قوله جلّ جلاله -وتعالى في علاه- قصة سيدنا يوسف: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ)، أي يوسف وامرأة العزيز:
(وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا) أي: وجدا يوسف وامرأة العزيز (سَيِّدَهَا) أي: زوجها العزيز (لَدَى الْبَابِ).
وعلِمنا أن استِباقهما إلى الباب؛
(وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ)، وذلك أنه جاء لحاجةٍ في وقتٍ لم يكن يأتِ فيه إلى البيت، (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25))، فرمتْ سيدنا يوسف -عليه السلام- بسوئها وشرِّها، وأظهرت أنها البريئة التي لا التِفات لها إلى شيء من هذا السوء.
تفسير قوله تعالى: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26))
قال تعالى عندما قالت: (مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25))، من ضربٍ شديد ونحوه؛ تعزيرًا له، ومنعًا من أن يُفكِّر مثل هذا التفكير، أوأن يأتِ بمثل هذا العمل؛ وحينئذٍ توجَّه على يوسف أن يُبيِّن براءته وبراءة عِرْضِه: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي)، ولم يكن يذكر ذلك لا للعزيز ولا لغيره لو تركته ولم تتَّهمه، أو نسبت إليه شيئا آخر، فلمَّا تعلَّق الأمر بالعِرْض وجب عليه أن يُبيِّن الحقيقة للعزيز: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا).
قد تقدَّم معنا القول؛
وهذا القول الثاني يُؤيده ما جاء في رواية الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله في مسنده والإمام البيهقي في دلائل النبوة وغيرهما أنه ﷺ قال: "تَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ أو ثلاثة وهم صِغَارٍ"، يعني قبل وقت الكلام وقبل أوانه، قال ﷺ: "ابن ماشِطة فرعون، وشاهِدُ يوسف، وصاحب جُريج، وعيسى بن مريم"، فهؤلاء ممَّن تكلَّموا صِغارًا، ذكرهم ﷺ في حديث واحد؛ أربعة في المهدِ، قال: أنه لا مانع أن يكون غيرهم تكلَّم في المَهدِ، ولكنّه ﷺ ذكر في ذلك الوقت، وفي هذا الحديث أربعة ممن تكلَّموا وهم في المهدِ صِغار.
فذكر ماشطة ابنة فرعون، وماشطة ابنة فرعون كانت تُؤمن بالله تبارك وتعالى، وتأبى أن تشهد بالألوهية والربوبية لفرعون ولغيره من الكائنات والمخلوقات، ولما علمت ابنة فرعون وبلّغت أباها أَمرها أن ترجع إلى أن تتخذه إلهًا وتكفر بالله فأبتْ، فأمر بِطَستٍ فَحُمِّيَ بالزيت ووُضِع أولادها، قالت له: إن لي إليك طلب، قال: ما هو؟ قالت: تجمع عظامي وأولادي هؤلاء ونُدفن في مكان واحد، قال: ذلكِ لما لك علينا من حق،. فكان كلما رمى بولدٍ من أولادها انخلع جلده من عظمه من الزيت المغلي الذي يفور بالنار فَوَضع الأول، والثاني، والثالث، وكان الرابع الأخير ابنها - طفل صغير يرضع- فكانت تُرضِعه، فلما دنتْ من النار، من هذا الزيت المغلي أدركتها الرّقة على ابنها الصغير، فتقاعست ففكت ثديها وقال: يا أُماه قعي، فإنك على الحق لا تتقاعسي فإنك على الحق، ورموها فيه؛ فكانت لها المنزلة عند الله وأولادها هؤلاء حتى شمَّ ﷺ الرائحة الزكية ليلة الإسراء والمعراج، وسأل جبريل ماهذا؟ قال هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون -عليها رضوان الله تبارك وتعالى-.
تفسير قوله تعالى: (وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27))
وذكر شَاهِد يوسف، وهو هذا الطفل، تكلَّم في المهدِ: (إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ)، لأن الدليل أنه لو كان مُقبلًا عليها وهي لا تُريده، فقدَّت قميصه من أمامه، (وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26)). (وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ) -من وراء- (فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ)؛ دليل على أنه هارب منها ورجعت من ورائه؛ (فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27))، فتأمَّل القميص وإذا به قَد قُدَّ من الدُبر، والنُطق أيضًا لهذا الطفل آية ومُعجزة للنبي يوسف وكرامة أكرم الله بها النبي يوسف.
تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29))
قال: (فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28))؛ إن هذا الأمر والحال الذي حصل من كيدكن معاشِر النساء، (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا)، اسكت ولا تذكر شيئًا من هذا، وكذلك شأن العُقلاء والحُكماء في أنواع المساوئ والشُرور، يحذرون من ذِكرها، وخصوصًا هذه التي تُوقِع في السوء أو تُهيِّج الشهوات؛ فيؤمَر بالسكوت عنها وعدم إشاعتها وذِكْرها:
وبذلك جاءنا الشرع المصون والقرآن الكريم؛ وأنه:
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور:4] -والعياذ بالله تبارك وتعالى-[ (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النور:5].
فهكذا حتى قال الإمام أبو حنيفة عليه رضوان الله تعالى:
قال أبو حنيفة: إلا هذا الذي يرمي بالفاحشة، فلا تُقبل له شهادة لقول الله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النور:4].
يقول ﷺ: "وشاهد يوسف وصاحب جُريج"، وذلك ما روى الإمام البخاري في كتاب الأدب المُفرد، وغيره عن النبي ﷺ: أن جُريجا كان رجلًا عابدًا من بني إسرائيل من المؤمنين العُبَّاد، والأولياء الصالحين، كان رجلاً عابدًا وكان يُصلِّي يومًا ونادته أمه: يا جُريج، وأخذ يقول في نفسه: ربِّ؛ صلاتي، أو أمي؟ وقرر أن يستمر في الصلاة ويترك أمه تُنادي: يا جُريج، فلم يُجبها، فلما أطال السكوت، ولم يُجبها دعت وقالت: "لا أماتك الله حتى يُريَك وُجوهِ المومِساتِ" -أي النساء الزواني- "لا أماتك الله حتى يُريَك وُجوهِ المومِساتِ"؛ فكان في رؤية وجوهههِن عقوبة وشناعة يَحذر الناس منها، فكانت بالنسبة للفُجَّار والفُسَّاق أمر مُحبب يتطلَّعون إليه وينشرونه، وهذه عقوبة دعت على ابنها بها؛ "لا أماتك الله حتى يُريَك وُجوهِ المومِساتِ".
سمع منها الدعوة ثم بعد صلاته جاء يُجيب أمه، وكانت له صومعة يعبد الله فيها، فجاءت امرأة وقالت: "لأفْتننَّه"، فلم يلتفت إليها ولم يمِل إليها ولم يعبأ بها. فلما رأته لا يميل إليها وتعبت منه، جاءت إلى راعٍ كان يأوي إلى قريب الصومعة بغنمه، فَمكّنته من نفسها فحملت، فلمّا حملت وولدت جاوا بها إلى الملك، وقيل: كيف حملتِ وأنتِ غير متزوجة؟ من أين جئت بالولد؟ قالت: من جُريج. -كَذبتْ على جُريج- قالوا: جُريج؟! هذا الذي يُظِْهر نفسه عابداً بين الناس، اذهبوا فهدِّموا صومعته، وبدأوا يهدمون الصومعة، قال: ما لكم؟ قالوا: تقول ما لكم؟! تُظِهر العبادة، وأنت تفعل المصائب! تعال، قال: ما بالكم؟ ذهبَ معهم، فأدخلوه عند الملك، فإذا بجماعة من هؤلاء المومسات محبوسات، فوقع نظره عليهن فذكر دعوة أمه، وأن الذي أوصَّله إلى هنا دعوة أمه هذه لما قالت: "لا أماتك الله حتى يُريَك وُجوهِ المومِساتِ"، فضحك -تبسَّم- لمّا ذكر دعوة أمه ودخل.
قالوا للملك: أنظر أنه لما رأى وجوههن، تَبسَّم. قال: لأنهلذلك يعرفهن! فلمَّا دخل عنده قال: أنت تفعل كذا!! وأنت تزعم؟! قال: معاذ الله لا قربْتُ المرأة ولا دنَوتُ منها ولا كان مِنِّي شيء، قالوا: فهي تقول. قال: كَذَبتْ، قال: فكيف نعلم؟ قال: أين الطفل؟ فجِيئ بالطفل الذي ولدته، فوضع رأسه عليه، وقال: بالذي خلقك، قل من الذي فعل بأمِّك حتى جئت منها؟ قال: الرَّاعِي فلان، فنطق، فلما نطق الصبي عَلِموا إنه ولي، قاموا يتمسحون به. قال ﷺ: " فَأَقْبَلُوا عليه يَتَمَسَّحُونَ بِهِ"..
إذاً..
فالتمسُّح شُغل المؤمنين من الأمم السابقة، "يَتَمَسَّحُونَ"، أو هو شغل صوفية كما يقولون؟!
"فَأَقْبَلُوا عليه يَتَمَسَّحُونَ بِهِ" يقول ﷺ، وقالوا: هل نبني صومعتك من ذهب أو من فضة؟ -نردُّ لك الصومعة-، أنت إنسان طاهر ولي واتهمناك بالكذب، قال: رُدوها كما هي من حجارة وطين كما كانت، قالوا: لماذا تبسَّمتَ؟ قال: ذكرتُ دعوة أمي؛ كنت يوما أُصلي، ونادتني فأقبلتُ على الصلاة وتركتها فقالت: "لا أماتك الله حتى يُريَك وُجوهِ المومِساتِ"، فلما جئتم بي رأيتهن هنا فتذكَّرت أن الدعوة استُجيبت لي، فعظَّمواو شأنه وأظهر الله تعالى مكانه.
أرادت بأن تكذب عليه. وهكذا تُزيِّن النفوس من البشر أن يُلصِقوا العار والعيب والتُهم بالأبرياء كذِبًا وزورًا، ولكن الحق تعالى يُبرِّئ أهل البراءة في الدنيا والآخرة. وهكذا أرادت امرأة العزيز أن ترمي يوسف بالسوء، وبرَّأه الله تعالى وطهَّره، ثم كان أن أقرَّت واعترفت وتابت بعد ذلك، وقالت ليوسف بعد أن مات العزيز، وكَبُرت وصار يوسف هو عزيز مصر، وهو الكريم الذي يستأمِن عليه الملك ويرجع إليه في الرأي، قال: "سبحان من جَعَلَ المُلُوكَ عَبِيدًا بِمَعْصِيَتِهِ، وجَعَلَ العَبِيدَ مُلُوكًا بِطاعَتِهِ".
وذكرَ سيدنا عيسى بن مريم، ذكرهُ الله في الكتاب العزيز: (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) [مريم:29-30]، وعمل الخطبة التي قصََّّها وذكرها الله علينا في القرآن،، خطب وهو في المهدِ: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا) [مريم:30]:
هذا كلام القرآن: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ).
أي محل أنا أوجد فيه بركة، (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ)؛ هذه عقيدة توحيد أو شرك؟! -أستغفر الله العظيم- هذهه عقائد الأنبياء؛ (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم:31-33].
فمواقف الصالحين والمقربين تُذكر، ويُلقى عليهم السلام فيها: (السلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم:33]، ففي ذكريات ولادتهم وذكريات وفاتهم، كما أن لهم العز الأكبر والفخر يوم يُبعثون أحياء مُكرمين على الله -جلَّّ جلاله-، وتتلقاهم الملائكة: (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت:30]، (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا) [مريم:85]، وفد الى الرحمن، كيف حالهم؟ وهو يتولَّى حشرهم، (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا). والآخرين يُهينهم: (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا) [مريم:86].
قال سبحانه وتعالى في قول العزيز: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا)؛ فهكذا واجب الإعراض عن هذه الأشياء، فإن تمام الاستقامة مع الإيمان، بالإعراض عنها وعدم الالتفات إليها، وغض البصر؛ (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنّ)، إلى آخر الآية الكريمة، وحتى قال في آخر الآية: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) [النور:30-31]؛ فهذا منهج الله، ومسلك الصالحين.
فما يفعل هؤلاء الذين يتشدَّقون بالحريَّة وغيرها؟ لنشر الشهوات القاتِلة للقيم وللمجتمعات، الضارة والمُفرِّقة بين الجماعات، والموجبة للأمراض في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة، ماذا يصنعون؟ هل حقيقة هذا أن تُسمَّى حُريَّة؟ ولا يَدعون لأحد حُريَّة أمام قوانينهم وأنظمتهم، وهذا نظام الله يقول لك: حُريَّة؛ إلعب بنظام الله، -ويقولون على نظامهم-؛ ونظامنا ليس ليس فيه حرية، أمشِ على النظام، هكذاهكذا يفعلون.
فما هي هذه الحُريَّة عندهم؟ تقييدهم بأنظمتهم، واستِعداء على الاستخفاف بنظام الحق، هل هذه حُريَّة؟! هذا لعب على الناس، هذا استِعباد للخلق، هذا غشٌ لبني آدم، هذا إيصالٌ إلى النار -والعياذ بالله تبارك وتعالى- وليس بحُريَّة؛ والحُر من يملك نفسه عند الغضب، ويملك شهوته عند ثورانها، كحال هؤلاء الأنبياء والصادقين الأصفياء.
قال جلّ جلاله: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29))، واستغفري يا زليخة -يا امرأتي-، أنتِ التي فعلتي الخطأ، أنتِ التي غلَّقتِ الأبواب، وأنتِ التي دعيتيه، وأنتِ التي قدَّيتِ القميص، وكذبتِ عليه، وجئتِ أمامي تقولين: (مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلَّا أَن يُسْجَنَ ..(25))؛ (إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29))، قالوا واكتفى بذلك لحلمه -كان حليمًا- ورتّب الترتيب، وأمر يوسف أن يسكت.
تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ (30))
وإذا بالخبر يخرجُ من قْصرهم وبيتهم إلى النسوة؛ (وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ)، في القاهرة في مصر، أو في الفيوم. (قَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِ)، قال نسوة من نساء كبارهم وأعزَّ رؤسائهم ومسؤوليهم وأعيانهم،، -(قَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ) عزيز مصر- ( تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِ)، تُطالب الفتى المملوك لهم عن نفسه أن يَقرَب منها؛ (قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّا) يعني؛ وصل حبه إلى شِغاف قلبها فعشقته، وامتلأت به تعلُّقًا، (قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ (30))، هذه ضالَّة؛ واحدة تتابع مملوك لهم، ما هذهالآأي دمية؟! هذه تُهين نفسها؟! وكذا.
تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31))
(فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ)؛ لأنهن تكلمَّن بهذا الكلام ووراءه مقاصِد، ووراءه أغراض غير ما يظهرنَ، فهو مكر-قول منطوي- ومن جملة ذلك أنهن يردن أن يعرفن: من هذا الغلام؟! يردن أن يعرفنه، لمّا بلغهن حُسنه، فتكلَّمن عليها من أجل يتوصَّلن إليه، فصار الأمر مكر من عندهن، إلى غير ذلك من المقاصد السيئة. (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً )، بلغها الخبر بمكرهن..
حَدّدت السكاكين وأدخلتها إليهن من أجل أن يأكلن بها، (وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا)، على عادتهم في الإكرام من أجل أن يُقطِّعوا بها الطعام. (وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ)، أبرز عليهن يا يوسف، فخرج سيدنا يوسف عليه السلام:
(وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا) وهكذا، وجاء في قراءة شاذة: (مَا هَٰذَا بِشَريٍّ)، يعني ما هذا يُشترى ما هذا (بِشَريٍّ) أو ليس بمُشترى، ما هذا بشرًا، ليس من نوع البشر؛ (إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31))، قالت: أرجع؛ لينظرن إليه مُقبلاً ومُدبراً، قال تعالى: (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)).
تفسير قوله تعالى: (قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32))
ورجع سيدنا يوسف، (وقالت فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ)، في التعلُّق به، وأنتنَّ في ساعة واحدة، كيف قطَّعتنَّ أيديكن؟! لما ذهب يوسف نظرْن؛ فإذا بالدم يسيل من أصابعهن، قطعنهن، قالت: أنتنَّ تلومونني عليه! أنتنَّ في ساعة واحدة وصلتنَّ لهذا! تلومونني عليه! قلن: لا نلومك بعد هذا، ولا عليك لوم، للتعلُّق بمثل هذا، وإذا بالدماء تسيلُ من أصابعهن.
(وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ)، لمَّا اتَّفقن في أمر التعلُّق وأمر العِشق، -والمُتَّفقين في صنعه يخبر بعضهم بعضا بأخبارها وأحوالها- فبينهن البين، هي وهؤلاء النساء التي اختارتهن فضحتْ نفسها وتكلمت عن نفسها،، وإن كانت أمام الناس لا تقول ذلك،، قالت لهن: (وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) امتنع وتَغلَّب نهائياً ولم يلتفت إليّ، (وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32))، أُذِلَّهُ وأُهينهُ إلا أن يفعل ما آمره.
تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33))
سمع كلامها سيدنا يوسف؛ فالتجأ إلى ربه، قال: ياربّ -إلى من أذهب؟ وإلى من أقول؟ وهكذا عادة الأنبياء والصالحين والمؤمنين الصادقين، كلما نزلت بهم شدَّة أو حاجة ونزل بهم أمر، رجعوا إلى ربهم، فكفاهم سبحانه ووقاهم؛
(السِّجْنُ أَحَبُّ)، قال: إذا الأمر سجن أو هذا! فالسجن أحب إليّ؛ أحسن أُسجن. وهذا الشاب -يوسف- في اقتبال عمره وتمكّنه من قواه البشرية،، فتأتي قوة اليقين والإيمان، ورؤية البرهان والمعرفة بالرحمن، فتضمحل أمامها هذه القوى كلها، ويقول: (السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ)، والأمر لك، والشؤون كلها راجعة اليك. (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ)، تُنحِّي عني ِحيلهن ومكرهن؛ (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ)، أميل إليهن، وأزلّ وأزيغ. فلم يَصبُ .. لم يَمِل ولم يلتفت، قال: لكن إذا ما صرفتَ عني كيدهن وقعتُ في الميل إليهن؛ (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33))، أي فلا يميل إلى تلك المعاصي إلا جاهل، على قدر جهله يميل.
تفسير قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34))
(أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33))؛ قال الرحمن:
وهكذا، فصار في الأمة من أمثال هؤلاء الأخيار كثيرين، وفي الأمم السابقة كذلك مِمَن وفقهم الله -تبارك وتعالى- بصدق اللجأ إليه وقوة الإيمان واليقين، وقال ﷺ: في من يظله الله في ظله "ورجلٌ دعتْه امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ إلى نفسِها فقال: إنِّي أخافُ اللهَ"، وهذه امرأة العزيز والذي هو في بيتها ويمكن أن يفعل كل ذلك ولا يُناله أي مكروه، ولا يقدر يتكلَّم عليه أحد، وترك كل ذلك وأعرض عن كل ذلك؛ خوفًا من الله تعالى وتعظيمًا لأمره -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
فقد جاء أن رجلاً وأخاه كانا يمشيان إلى الحج، فمرَّا في الطريق، وأقاما خيمة وذهب أخوه يأتي بشيءٍ من الطعام، وإذا بإمرأة في رأس الجبل رأت الرجل فخرجت إليه -كانت من الراعيات- فدخلت إلى عنده الخيمة، وكشفت عن وجهها وكانت حسناء فظنَّ أنها تريد شيء، فأخذ ينظر في الكيس الذي معه، اذا باقي شي طعام ليُعطيها قالت: ما جئتك لهذا، وإنما جئتُ إليك لأجل ما يكون بين الرجال والنساء.
فبكى وقعد يبكي، يبكي، يبكي. وعندما رأته يبكي، قامت وخرجت من الخيمة، فجاء أخوه فوجده يبكي، مايُبكيك؟ قال: تذكرتُ صِبْيتي، فقال له: لنا ثلاثة أيام خرجنا في الطريق، ما يكون يحملك الآن الشوق إليهم. ما الذي يبكيك؟ فأخبره قال له: جاءت امرأة وقالت كذا وكذا، فقعد يبكي أخوه الثاني، قال: ما يُبكيك؟ قال: أبكي أن لو كنتُ في مكانك أخاف ألا أصبر وألا أقوم بصدقك مع الله تعالى؛ فأنا أبكي على نفسي.
وتوجها إلى الحج، فلما كان في أيام الحج جاء يومًا إلى الحِجر عند الكعبة ونعس؛ فإذا بسيدنا يوسف عليه السلام واقف قائم عليه، قال: أنت يوسف نبي الله؟ قال نعم، قال: إن في شأنك وامرأة العزيز العجب، قال: نعم وأنت في شأنك وصاحبة الخيمة أعجب! قال: لِم؟ قال: أنا نبي معصوم، وأنت إنسان غير نبي ولستَ بِمعصوم، ولكنك لم تلتفت إليها؛ حيث سَلكتَ مسالك الأنبياء من بعدهم ولسْتَ بنبي، لستَ من أهل العصمة. قال: شأنك مع صاحبة الأبواب عند الخيمة أعجب مني! قال: لماذا أعجب؟ قال: لأنني أنا نبي معصوم، وأنت غير نبي -صلوات الله على نبينا محمد والنبي يوسف وجميع الأنبياء والمرسلين-.
وهكذا،، وكان بعض الأخيار الصالحين يبيع بعض البضائع للناس، فتعلَّقت به امرأة بعض الملوك، فأمرتْ إذا جاء بذلك أن يرفعوه إليها، فرفعوه وأغلقوا عليه الأبواب، وقاله له: أنه سستشتري منك امرأة الملك،، فأغقلت الباب وقالت: الآن إنما قصدي منك أن تفعل ما يفعل الرجال مع النساء؛ قال لها: هذا طيب تمام احسنتِ، لكن الآن أحتاج إلى قضاء الحاجة، ألا يوجد عندكم حمام؟ قالت: اتفضل ادخل. فدخل فأخذ الرجل وسخ ولطّخ وجهه وثيابه وملأ نفسه وسخ؛ لكي يتخلَّص من شرَّها وخرج. قالت: ما هذا؟ قذِر أنت، وسِخ، فطردته، وخرج وذهب واغتسل فبقي فيه رائحة كريهة، قال: لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، اسْتعملَ ما عنده، فبقي أثر الرائحة فيه، نام فرأى سيدنا جبريل عليه السلام يقول: أمن خوف ربك لطَّخت جسدك بهذه القاذورات لتتخلَّص من شرِّها؛ -خُذ- فمسح على بدنه فثارت منه رائحة زكيَّة أزكى من المسك؛ فصار لا يَمُرُّ في شارع إلا شُمَّ منه رائحة المسك، طول عُمرِه إلى أن ما، وكان يفوح منه رائحة المسك حتى أدلوه في القبر، فكانت الرائحة تفوح وتغمر من حواليه؛ أظهرها الله له وهو في الدنيا لمّا صدق مع الله.
وهكذا ربكم ربُّ كل شيء، من أحسن مُعاملته أحسن إليه، وتولَّاه بما هو أهله، فنعم الربُّ ربُّكم فأصدقوا معه، وأقبلوا عليه، تروا من عجائب جودِه وإحسانه ما لا يوجد عند غيره وسواه، جلَّ جلاله وتعالى في علاه، الله، لآ اِلَهَ اِلّا اللّهُ.
وهكذا الأمر، وراق لبعض الملوك مرةً، أنه- كان سلطان- في تريم في أول القرن السادس الهجري، وقال لأهل البلدة: اجمعوا لي خياركم من العلماء والصالحين، فجمعوا له مائة. قال: اختاروا لي من المائة عشرة، اختاروا له عشرة. قال: من العشرة اختاروا لى واحد، أكبركم وأتقاكم، قالوا: هذا سالم بن بصري بن عبد الله بن بصري بن عبيد الله بن المهاجر-احمد بن عيسى- شيخ الفقيه المُقدمَّ. قالوا: هذا، قال: تمام. غرَّته نفسه وهواه -الملك- وقال لواحدة من النساء كان يعرف أن معه إبنة بارعة الجمال، قال: هل ترينإليكِ هذا؟ أِغريه بابنتك ولكِ ما تشائين عندي، قالت: سهل. فصلَّحتْ مَكر، مثلمثل مَكر هؤلاء.
كان نازلاً لبعض زياراته أودروسه فقالت له: أن عندي بنت مريضة وأريدك أن تقرأ عليها، قال: لا أنا الآن ذاهب إلى الدرس الفلاني، أو إلى الزيارة الفلانية، ثم على العود ان شاء الله. وكانت قد زيَّنتها وعلَّمتها إذا دخل عليها ما تصنع به، وأن تتعلّق به، فأدخلته من الباب، والباب الثاني، وغلّقت الأبواب كما هذا، إلى أن وصل الباب الثالث وفيه بنتها مُزيَّنة. ودَخل وجد البنت مُزيَّنة، قامت تتعلق به، فحمل نعلهُ مباشرةً من رجله، ولطمها في رأسها فثار جُذامٌ في وجهها، حيث ضربها فصاحت، جاءت أمها فتحت الباب قالت؛ ما لكِ؟ قالت: جئتُ أتعلق به وحمل نعله، وأنظريي الآن كيف حالي!! وبكت المرأة وقالت: هذا السلطان عمل لنا مصيبة فرجعتْ إليه، قالت: ماذا يفيدني ماتعطيني؟ وهذا الآن الرجل لاعمل كذا كذا، وحالنا كذا، والآنالآن بنتي، ماذا أفعل بها؟ كانت بنت من أجمل بنات البلد، قالت: والآن أصبحت مُشوَّهة، وحالتها حالة ومرض.
قال: حصل هذا؟! قالت: نعم. قال: صدقوا هؤلاء في اختيارهم وخيارهم، ما ظننت أنهم بهذه الصورة، الآن اسمعي، الطريقة إنه ارجعي إليه، قالت: ماذا؟! ارجع اليه! قد صلَّحنا الفضيحة بسببه وعمِلْنا، قال: لن لنيعالجها الله إلَّا إلا وأن هذا يدعو لها الذي بسببه ابتلاها الله، بسببه سيعافيها الله، قالت: كيف اقدر؟ قال: إنهم أهل حِلم و أهل عبودية لله، فإنه لن يرضى. فجاءت إليه فبكتْ وأقبلت إليه، وقالت: إنما أغراني ما أغراني، وأنا تبت إلى الله من هذا الفعلة وآمنت بكم، قال: آتي بالماء وسنقرأ، أتته بالماء فقرأ عليه وغسَّلتها به فذهب ما بها.
وعرف السلطان أن في البلد سلاطين فوقه، وفوق شهواته، وفوق مملكته، وفوق ما عنده من القوة المعنوية، -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى- وهؤلاء:
أولئك أبدال النبيين أُبرزوا *** لفضل رسول الله في خير أمةِ
يقول: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ)، مكرهن وحيلهن، (أَصْبُ) أميل إليهن. (وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ)، فلا يميل إلى ذلك إلاَّ جاهل؛ (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)).
تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (35))
(ثُمَّ بَدَا لَهُم)، أيّ العزيز ومن عنده من ذوي الحل والعُقد والنظر في الأمر، لما رأوا الكلام ينتشر في البلد، وامرأة العزيز تقول له: الآن سيفضحني هذا الغلام الذي أتيت به إلي، إليَّ وإلا تحبسهُ كما حبستني وإلَّا وإلّا. (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ)، السابق إلى الباب هو، وقميصه قُدَّ من الدبر، والشاهد إما الذي جاء معه -ملتحي- وإما هذا الطفل الذي تكلَّم في المهد؛ آيات واضحة كلها. وبعده هؤلاء قطعن أيديهن؛ والكلام واضح أنهن الخاطئات ويوسف بريء، وسسيتضح الأمر وسسيفضتح العزيز؛ (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (35))؛ حتى تهدأ البلبلة في البلد وكلام الناس ويقل، ولا تقع التهمة عليه وعلى زوجته، وادخلوه السجن، وهو لال يستحق السجن.
ولكن هكذا..
الله يعافينا من البلاء،، والله يؤجرنا من غير ابتلاء، ويرفع لنا المراتب عنده سبحانه ويُغنينا من غير امتلاء.
اللهم أجرنا من غير ضرر، وأغننا من غير بطر، اللهم أجرنا من غير ابتلاء وأغننا من غير امتِلاء، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، بجودك يا أجود الأجودين. اللهم إنَّا ضِعافٌ فارحمنا في ضعفِنا وعجزنا، وإنّك إن بلوتنا فضحتنا فاسترنا بسترك الجميل في الدنيا والآخرة، واجعلنا من أهل الإيمان واليقين، ورقِّنا أعلى المراتب في لطف وعافية يا أرحم الراحمين.
بسر الفاتحة
الى حضرة النبي محمد اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله
الفاتحة
17 شَعبان 1442