(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:
﷽
(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29))
الحمد لله مُكرمنا بالتنزيل والوحي الشريف، وبيانه على لسان نبيه المُجتبى المصطفى محمد أتقى تقيٍّ، وأنقى نقيٍّ، وأنظفِ نظيف.
اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على عبدك المخصوص منك بأسمى التبجيل والتعظيم والتشريف، سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار الراقين إلى المَرقى العلي المُنيف، وعلى مَن تبعهم بإحسان صادقًا معك في كل شأن يا برُّ يا لطيف، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمُرسَلين سادات أهل المعرفة وأئمة أهل التعريف، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم والملائكة المُقَرَبين، وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك -يا أرحم الراحمين- وجودك يا أجود الأجودين.
وبعد،،
تفسير قوله تعالى: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23))
فإنا في تأملنا لكلام ربنا وخِطابه وما قَص علينا مِن أخبار أنبيائه أحبابه -صلوات الله وسلامه عليهم-، مررنا في سورة يوسف على هذه الآيات البينات: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ)، وفيه أنَّ الله سَلط على الناس مِن الشهوات ما يَزلقُ به مَن لم يُعصم، ومَن لم يُحفظ حتى يُعرِّض نفسه للسوء، ويدعو مَن يفعل به السوء ويهتك عرضه، وهكذا إذا غَلب على الإنسان هواه أو شهوته، سقط عن مقامه العلي ورفيعِ إنسانيتهِ الكريمة إلى مجاوزة حد البهيمة؛ (أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الأعراف:179].
وهكذا..
هذه اللذائذ العجيبة، هذه هي مقدمات لذائد الجنة، وفيها شأن كبير؛ لأربابها وأهلها، اللهم أذقنا برد عفوك وحلاوة رحمتك ولذة مناجاتك.
وقال بعض مَن أسرف على نفسه في بني إسرائيل: إني عصيتُ الله ولم يعاقبني، فأوحى الله لنبي ذاك الزمان، قل لفلان: عاقبتك وأنت لا تشعر، قل له: ألم أحرمه لذيذ مناجاتي؛ فأنت في العقاب والعذاب مِن غير أن تشعر، حرمتك أعظم شيء أُعطيه عبادي على ظهر الأرض.
إذًا..
امرأة غلبتها شهوتها، ونَزَلَت عن كرامتها وبينما هي في عالم الحِس في مظهر سيادة، وهذا في مظهر خادم عندهم ومَملوك لهم، وما هو بمَملوك مُلك صحيح، ولكنه مِن جملة الأحرار الذين لم يمسهم الرق؛ ولكن بيعَ هكذا، وظهر بهذا المظهر؛ لهذا لما ذَكَر الحق لقاءهم لزوجها قال:
فَذَكَر لنا هذا الحال لنعتبر، وأننا معاشر البشر يمكن:
وتقدمت أمام النساء وقالت: (أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52))؛ وقد نَدِمَت، وقد تابَت، ورَجَعَت، وقد مر عليها زمن وهي مصرة.
إذًا فرأينا عجائب لطف الله:
أما بالنسبة لمقام النبوة فمقامها عظيم:
يقول سبحانه: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ)، أي أعدَّت العُدة لذلك، وفيه أنَّ الإنسان؛ قواهُ -مِن عقلٍ، وفكرٍ، وقدراتٍ- يصرفها إما في طاعة، وإما في معصية؛ إما فيما به يرتقي، وإما فيما به يهبط، وكلٌ يستعمل ذكاؤه، وعقله، وقدرته، واسلوبه في قضاء أغراض، منها ما هو رفيع شريف فيرتفع، ومنها ما هو وضيع هابط فيهبط، ويتضع.
فاحذر أن تستعمل قواك التي أعطاك إياها القوي العلي الأعلى إلى مخالفته، وإلى معصيته وتُفَكِر فيها وتَبذُلها فيما يخرجك عن دائرة رضاه، وعن دائرة رحمته -جلَّ جلاله-، فوجب أن تُسخَّر القُوى كلها لنصرة الله، ولنصرة رسوله إذا مشينا على الإنصاف، وعَلِمنا أننا عبيدٌ وليس مِن حق العبد أن يأخذ القوة مِن السيد ليعصي سيدهُ بها، وليخالف سيدهُ بها، ليس له أن يفعل ذلك ولا يحق، ولا ينبغي له ذلك، ولا يليق به.
يقول: (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ)، وهذه أكثر القرَّاء عليها بمعنى: هلُمَّ إلي، تعال إلي، وفيه: (هَيْتُ لك)، (هِئْتُ لك)؛ بمعنى هُيئتُ لك، تهيأت لك، وعدد من القراءات تعود إلى هذه المعاني (هَيْتَ لَكَ)، (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ (23))، أنا مستعيذ بربي، وأسأله أن يحفظني، ومستعيذٌ مِن أن يوقعني في شيءٍ مِن مثل هذا الذي تَدعونني إليه، وهذا الزلل الذي تريدينه مني.
(مَعَاذَ اللَّهِ)، والحال (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)، إنَّ سيدك هذا (رَبِّي): بمعنى المُرَبي لي الذي أخذني وأنا صغير السن فأحسن إليَّ، (أَحْسَنَ مَثْوَايَ) وأَمَركِ أن تُحسني إليَّ، وهيأ الأسباب لي؛ لأن أعيش مُكرَّماً، وعلى حالٍ حسنٍ في بيته وماله؛ وهذا مقتضى الإنسانية، مقتضى الشهامة أن لا تسيء إلى مَن أحسن إليك، أن لا تعامل مَن قَدَّم لك المعروف بالسوء، بعدما يؤويني وأنا صغير يربيني، ويحسن مثواي أجي و أخونه في أهله! ما يكون هذا الأمر، فهذا أمر خارج عن الإنسانية.
(مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23))، (الظَّالِمُونَ) الذين لا يراعون حقوق جوارٍ، ولا حقوق معروفٍ، ولا حقوق إحسانٍ، ولا حقوق إنسانية، ويحبون هتك الأعراض ويُسَمون ذلك حرية، ويسمونه تَقَدُم؛ كأنهم عبيد الشهوات، لا عرفوا قَدر إنسانيتهم، ولا مَن خَلقهم، ولا ما خُلقوا له، ثم يتبجحون ويصلون إلى هذه التفاهات، وهذا السقوط الذي هو أَضل مِن الحيوانات، مِن أجل هذه الشهوة التي الزلل فيها مصيبةٌ وسوءٌ وضررٌّ، على الحاضر والمستقبل، والمجتمع والدنيا والآخرة، والجسدِ والقلبِ والروح؛ يُرضي إبليس عدو الله -جلَّ جلاله-، وهي لذائذ لحظاتٍ تُوجبُ غُصصًا ومقتًا وبُعدًا وطردًا وعذابًا أليمًا شديدًا، الإنسان في غنىً عنه، وهو بعقله كم يترك مِما تشتهي النفس لأجل أن يَصل إلى أغراض! وهو بنفسه كم يتكبد مشاق ليصل إلى أغراض!
ومَن كان له غرض النعيم المؤبد، وغرض الفضل السرمد، وغرض المجاورة للواحد الأحد، وغرض المرافقة للنبي محمد، وكل مُقَرَب أمجد، كيف لا يتحمل ترك شهواتٍ وترك كثير مِن ما تشتهي النفس؟! ما أَيسر ذلك أمام ما يطلبه مِن الغرض الأسنى الأعلى الأجل.
(إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23))، والظالمون هم اليوم الناشرون لهذا الفساد وبمختلف الوسائل، وجَعلوا صور الإثارة للشهوات الجنسية؛ في الدعاياتِ، والإعلاناتِ، والرواياتِ، والأوراقِ، والإنترنتِ، والبرامجِ، واللافِتاتِ، وحيثما كنتَ، تَجَنَّدوا للظلم.
(إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) إنهم الذين يُحبون أن تشيع الفاحشة، إنهم الذين يريدون أن نَميل ميلاً عظيما (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) [النساء:27]، كما قال الله، فردَّ الله كيدهم في نحورهم، ودفع عنا وعن المسلمين جميع شرورهم.
إنهم يهبطون بالإنسانية ويهبطون بالقيم، وإلى السوء الذي هم يعانون منه، مهما أقرُّوا أو لم يقروا، اعترفوا أم لم يعترفوا، في مجتمعاتهم، وبلدانهم، ويريدون أن يُصَدِّروه إلى المجتمعات المحافظة، والتي بقي فيها أثر مِن طُهر الإيمان والإنسانية، وشرف الفطرة، ويريدون (أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) [النساء:27]، كما قال الله -جلَّ جلاله-؛ ولكنهم لن يَضُروا إلاَّ مَن أنصت لهم واستجاب لهم، وهان على نفسه حتى يتبعهم.
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24))
وهذا خطاب الله ينادينا (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)، على إكراهه، على إجباره، على أن تستعمل كل قواها لِتوقِعَهُ في المكروه (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)؛ وهذا أنواع همِّها (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ)؛ وذكرنا أنَّ ذلك على وجهين:
(لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ)، والذين قالوا: ايضًا أنه ممتنع -لم يهُم- بسبب رؤية برهان ربه؛ وهو ظهور الحقيقة أمامه، مِن تحريم هذه الأعمال ولجزائها وعقابها في الآخرة؛ فإنه مهما استُحْضِرَ هذا الأمر، وقام هذا البرهان فإنه حاجز كامل للإنسان عن العصيان، وإنما يسترسل في المعاصي مَن غيَّب عن ذهنه عواقبها ونهاياتها.
وهكذا، وعذاب الآخرة أشد -والعياذ بالله- اللهم أجرنا من الذنوب والمعاصي والآثام موجبات الندامة.
(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ)، يقول الحق -جلَّ جلاله- في تأكيد هذا المعنى مِن يوسف عليه السلام: (كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ)، وكل الذي ذَكَروه مِن الإسرائيليات سوء وفحشاء، كيف (نَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ)، ثم قالوا أن فيه بالسوء أعوذُ بالله.
أما السوء، حتى خباث الناس، خباث الناس وأراذلهم، مع الذي أحسن إليه ومع الذي يتربى عنده لا يرضى، هو أصلًا خبيث مجرم؛ لكن لا يرضى بهذا، كيف يُنزِّلون في هذا المنزل نبي مِن الأنبياء -أعوذ بالله من غضب الله-، وهو خبيث، واحد إنسان خبيث مجرم؛ لكنه مع زوجة قريبه، مع زوجة أخيه، مع زوجة أبيه، لا يرضى بذلك؛ لبقاء الإنسانية عنده، بقاء شيء مِن الفطرة عنده، لن يرض بذلك، وهو مجرم.
وهذا نبي مِن الأنبياء، أيخون الأمانة مع الذي أحسن إليه؟! قال: (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ)، نصرف عنه السوء والفحشاء، فما هَمَّ بالفحشاء، وصرف عنه السوء لمَّا أراد ضربها، صرف عنه؛ لأنه يترتب عليه مُخاطبته تنقلب القضية بعد ذلك، لو تصرّف وضرب وكذا تقع المُلابسات في الأمر تحتاج إلى استبيانات كثيرة، ومشاكل كبيرة، فصرفهُ عن ذلك.
(كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا) هذا ليس عبد شهوة ولا عبد دنيا، هذا مِن عبادنا (عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ (24))، وفي قراءة: (الْمُخْلَصِينَ) ما هذا الثناء العجيب من الله تعالى؟!
فمعنى الكلام هذا لن يقدر عليه، إذا لم تُصدِّق ربك، صدِّق الشيطان واعرف نزاهة هذا النبي، وحتى لا صدَّقت ربك ولا إبليس، من ستصدِّق أنت الآن في الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم؟
تفسير قوله تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25))
(إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ)، لما مُنع مِن أن يضربها، (اسْتَبَقَا) الباب، لماذا (اسْتَبَقَا)؟ هما اثنان، كل واحد يريد الى عند الباب؛
ولكن هو سبقها، لمَّا استبقا هو الذي سبق، لمَّا سبق، وصل عند الباب وهي لم تصل، وصلتْ وهو أراد أن يفتح الباب، إلاَّ أنها -عند مؤخرته- مسكت القميص بقوة فانقدَّ القميص، رتَّب الله أنه في تلك الساعة، الساعة هذه تعتاد أن زوجها لا يأتي أصلًا، وقت عمله، وقت الدوام، لا يأتي إلى البيت.
ذاك اليوم جاء في نفس الساعة هذه، وما جاء وحده، جاء ومعه واحد ابن عمها، مِن أهلها مِن أقاربها -حكيم- وصلوا عند الغرفة سمعوا الجري، الاستباق، (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ)، وبعد ذلك فتح، وقدَّ القميص، فَخَرجوا، (وَأَلْفَيَا) وجدا (سَيِّدَهَا) ـ ليس سيدهماـ سيدها هي فقط وليس سيد سيدنا يوسف (لَدَى الْبَابِ)
لمَّا رأتهما خافت مِن التهمة، والعيب يرجع إليها، مباشرة عرَّضت بالتهمة ليوسف، وقالوا أنها في الكلام الذي حكى الله عنها أنه سبحان الله؛ لما عرفت إباءهُ ونشأته عندها على الصدق ومعرفتهم بأخلاقه ومساره وسلوكه؛ ما قدرت تقول هذا فَعل بي، أتت بكلام مجمل:
(مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ)، تعريض، ما هو جزاء يوسف؟ ولا هذا يوسف أراد بي، ولا فعل بي ما قالت كذا.
قالت: (مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا)، فقط تعريض أنه هو؛ ترمي التهمة عليه (إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25)).
وقالوا: ما عبرت بمثل قول فرعون: (لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)، (أَن يُسْجَنَ) يعني فقط يدخل السجن، يعني أي وقت ويخرج؛ لكن ذاك (لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) [الشعراء:29] يعني تقعد على طول في السجن.
تفسير قوله تعالى: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28))
(قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا)، هذا الحكيم الذي هو ابن عمها الذي دخل معه قال: نحن سمعنا جري، وبعد ذلك قدَّةُ قميص، نريد أن نعرف، من الذي مقابل الثاني مِنهُم؟ مِن خلال قدَّة القميص:
قال: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ) -شُقَ- (مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27)) هذا القميص، من أين مشقوق؟ وجدهُ من وراء، فلما رأى قميصه عرف المسألة؛ فسكت العزيز وعرف أنَّ هذا طاهر، وما عليه أي غبار، يعرف سيرته مِن البداية وحركة الجري، وهو الذي خرج أولا، وهي من ورائه، وبعد ذلك قدَّ القميص مِن الدبر، -ياالله-، وأين يوسف مِن هذا كله؟ بريء في بريء، نزيه في نزيه، مِن عندها الخطأ.
تفسير قوله تعالى: ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29))
قال: (إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ)، هذه شغلة فيها كيد، وكذبتِ على الرجل، وما هو مِن أهل هذه الأعمال؛ (إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا)، فقط اسكت، ولا تَذكُر هذا الأمر، وما كأن شيء حصل؛ لأن هذه الأشياء ما يَحسُن ذكرها، ولا نشرها بين الناس -قاموا يصورونها ويصلحونها برامج وينشرونها!!-
يقول: (أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا)، ما كأن شيء حصل، لا تَذكُر لأحد، (أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ)، أنتِ المذنبة انتِ الخاطئة، (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)).
فإذاً ما أحد رمى بالسوء سيدنا يوسف:
والآن جاء هذا يريد أن ينسب ليوسف السوء -أعوذ بالله من غضب الله- يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ (كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24))، صلوات الله عليه.
رزقنا الله الإيمان واليقين والتقوى والبِر، وقسم لنا الله مِن خشيته ما يحول بيننا وبين معاصيه؛ الظاهرة والباطنة، ومِن طاعته ما يبلغنا به جنته؛ الفردوس الأعلى، ومِن اليقين ما يهون به علينا مصائب الدنيا، ومَتَعنا الله بأسماعنا وأبصارنا، وحولنا وقوتنا في سبيله ما أحيانا، واجعله الوارث منا، ولا جعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا سلط علينا مَن لا يخافه ولا يرحمنا، يا الله يا الله يا أكرم الأكرمين، يا أرحم الراحمين.
وزدنا إيمانًا ويقينًا، وبارك لنا في المجامع التي تعقد في شعب النبي هود على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام؛ لزيادة الإيمان، لزيادة اليقين، للقرب من الرحمن، لطهر الجنان، والارتباط بسيد الأكوان، للتصفي عن الأدران، للرقي إلى مرافع الشأن، لنيل الرضوان؛ هذه مقاصد الزيارة في المجامع، أُريد بها وجه الله.
بركة الصالحين وتاريخية الزيارات والمجامع الإيمانية
وقد كان يزور الناس الأنبياء وقبورهم في العصور القديمة مِن أبناء آدم عليه السلام، كانوا يزورونه، ثم مِن أولادِ شيث وأولادِ أخوانه شيث بن آدم كانوا يزورون، إلى نوح عليه السلام، إلى هود، إلى صالح ومَن بعده.
وهكذا حتى جاء خاتم الأنبياء وسنَّ لنا زيارة القبر عمومًا والأنبياء؛ خصوصًا "مررتُ على موسى ليلةَ أُسرِيَ بي وهو قائمٌ يُصلِّي في قبرِه، لو كُنْتُ هناك لَأرَيْتُكم قبرِه"، يقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:
هذا ﷺ، وهكذا ما زال الناس في شعبان يزورون النبي هود وتعقد هناك سوق للعرب.
والنبي سليمان جاء عنه أنه زار النبي هود، وذو القرنين جاء عنه أنه زار النبي هود، ثم كان الصحابة يذكرون النبي هود فيما بينهم، ذكر فيما روى الحاكم في المستدرك أنه في حضرموت، فيما جاء عن سيدنا علي بن أبي طالب، ووَصف مكان قبره وسؤال بعض أهل حضرموت عنه، وأن ذكْره كان شائعًا في ذلك الوقت، وبعد ذلك لم تزل الزيارة، فجاء الفقيه المقدم الأستاذ الأعظم محمد بن علي، فرتب للزيارة اجتماعا مخصوصًا؛ ذكرًا وتذكيرًا وتعليمًا وتواددًا وتراحمًا وتعاطفًا ومحبةً، واجتماع العلماء مع العامة، والصغار مع الكبار؛ ليتذكروا واجباتهم ومهماتهم، ويتحول فوق الزيارة إلى علم وذكر وتذكير وتحابب في الله ،وتجالس في الله، وتزاور؛ فرتب الزيارة هذه ومضى يزورُ بالناس حتى:
وبقيت في أولاده بعدهُ واحداً بعد الثاني إلى وقتنا هذا، فالزيارة كما هي في أصلها وفي شريعتها، ولكن في ترتيب سيدنا الفقيه المقدم، ولما رُتبت على يد عبدٍ خاضعٍ خاشعٍ عالمٍ عاملٍ قانتٍ منيبٍ، كثُر خيرها وكثرت بركتها بالنيات الصالحات؛ وعظم الانتفاع بها هنا وهناك، فالحمد لله على ذلك، والله يجعلها مِن مجامع اليقين، والإيمان وسبب تفريج الكروب إن شاء الله.
وإن التجأ الناس إلى منظمة الصحة العالمية في دفع هذا المرض؛ فإننا نتوجه إلى رب الناس، وخالق الأجناس، ومكوْن الأكوان، وبارئ الوجود؛ الرَّب المعبود بأنبيائه وأوليائه وصلحائه أن يرفع هذا البلاء عنا، ويدفعه عنّا، وسَيَرَون؛ مَن الأسرع! ومَن الأنجح والأنجع! أهم أم الارتجاء إلى الحي القيوم -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-؟ وهوالذي بيده ملكوت كل شيء -سبحانه وتعالى- وغير هذا مِن الأدواء والبلوى، نتوجه الى الله بدفعها عن المسلمين، واللطف بنا وبالأمة فيما تجري به المقادير وسلامتنا مِن الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن. وفقنا الله وقبلنا وأخذ بأيادينا وأصلح ظاهرنا وخافينا وأكرم الأكرمين وأرحم الرحمن.
بسر الفاتحة
الى حضرة النبي محمد اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله
الفاتحة
03 شَعبان 1442