(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:
﷽
(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28))
الحمد لله مُعْطِي العطايا الجِزال، ومُفِيض النَّوال، ودَافع البلايا والأهوال، ومُحوِّل الأحوال، كما يشاء، ونسأله أنْ يُحَوِّل حَالنا والمسلمين إلى خير حال، وأن يُعَافِينا من أحوال أهل الضّلال وفِعل الجُهَّال، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ربُّنا الكبير المُتعال، بيده تصريفُ الأيّام واللّيال، ولا يكون في الكون إلّا ما شاء على ما يشاء في كل حال، ونشهد أنَّ سيدنا محمدا عبده ورسوله سيِّد أهل الطّهارة، وإمام أهل التَّقدِمَة والصّدارة، خاتم النبيّين وسيّد المرسلين، اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك الأمين سيّدنا محمد وعلى آله الطّاهرين وأصحابه الغُرِّ الميامين، وعلى مَن أحبهم ووالاهم فيك واتَّبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين صفوتك في العالمين، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقرّبين، وعلى جميع عبادك الصّالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،
فإنّنا في تَأمَُل كلام ربّنا -جلَّ جلاله- وتعليمه وإرشاده وما يقصّ علينا، انتهينا في سورة يوسف على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام إلى قوله جلَّ جلاله: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21))، وفهمنا:
(غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21))، فإلى غيره يلتجِئون! وعلى غيره يعتمدون! ومن غيره يخافون! وَلِسِواه يرتجون؛ فيَتَخَبَّطُون ويُخَلِّطُون ويقعون في الذّلّ والهُون، (أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، ومَنْ عَلِمَ أنَّ (اللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ)، لم يكن اعْتماده إلّا عليه، ولا اسْتناده إلّا إليه، ولا انْطلاقه في الحياة إلّا بتوجيهه وإرشاده ومِنهاجه وتعليمه ونُورِ وَحْيِه الذي أوحاه، جعلنا الله من أهل هذا العلم.
قال تعالى: (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21))؛ فلهذا يتعادون ويتباغَضون، ولهذا يَظلِمُون ولهذا غيره يرتَجون، وعلى سواه يَعتمدون، ولهذا يُعادي بعضهم البعض، ويَظلِم بعضهم البعض وما إلى ذلك، لكنَّ أهل هذا العلمِ، عليه اعْتمادُهم وإليه اسْتنادهم وعملهم بمنهاجه، وما أراد منهم فهم محلُّ التّكريم والنّصرة والنّعيم في الدّنيا والبرزخ والآخرة، اللّهمّ اجْعلنا منهم (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر:51].
تفسير قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22))
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ)، بَلَغَ من العمر قُوَّتَه إمَّا بالبلوغ، وإمّا بالوصول إلى الثّلاثين من الأعوام، فذلك ما بين الخمسة عشر والثالثة والثلاثين من العمر -زهرة العمر- وأَشُدَّهُ يتمّ ويَكمُل ويقوى.
قال: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا)؛
(آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا):
(آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا)، يقول الله: (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22))، مَن سلك سبيل الإحسان، وخالف هوى النَّفس، وصبر من أجلنا، ولم يُجازِ السّيّئة بالسّيّئة، كما فعل يوسف مع إخوته وصبره عليهم، وعدم دعائه عليهم وعدم سبِّه لهم، ثُمَّ ما كان من أن بِيعَ وصبر، ثُمَّ ما قام به من الخدَمة في بيت العزيز كأنَّه مملوك وهو حُرٌّ من أشرف الأحرار، كريم بن كريم بن كريم بن كريم بن كريم، نبي بن نبي بن نبي بن نبي وعَمِلَ كأنه مملوك رقيق، قام بكلّ ذلك وصَبَرَ عليه، فآتاه الله الحُكمَ والعِلم.
(آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ):
(وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، فاللّهمّ اجْعلنا من المحسنين، ارْزقنا الإحسان في السّرّ والإعلان يا كريم يامنّان يا رحيم يا رحمن يا الله، وهَبْ لنا جَزاءك للمُحسنين إحسانًا منك يا خير مُحسِن.
(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا)؛ وفيه أنَّ كثيرًا من الحُكمِ والعِلم إنَّما يأتي مع تقدّم الإنسان في السنّ، بحُكم الفطرة والسُّنة الإلهيّة، فأكثر ما يأتي الحُكم والعِلم بعد مرور السنين، (حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، ونكشف لهم عن الحَقائق، ونزيدهم قوّة في قطع العلائق، وعدم الالتفات إلى غير النّافع المفيد المَرضي للخالق، (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22))، اللّهمّ اجْعلنا من المحسنين.
تفسير قوله تعالى: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23))
يقول سبحانه وتعالى: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا) -امرأة العزيز- (عَن نَّفْسِهِ)، أيّ طَلَبَت منه أن يُواقعها وأن يُجامعها وأن يعمل معها الفاحشة:
(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ )؛ لأنَّ ما أرادتْه من الفعلِ إنَّما يكون في الخُفية، وإنَّما يكون في الخَلوة، (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ):
(غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ):
(هَيْتَ لَكَ) وبمُجرد ما قالتْ له هذا، (قَالَ مَعَاذَ اللَّه)؛ أي أنا مستعيذٌ بالله وعائذ بالرّبِّ فهو مَعاذي الذي يعوذني من هذا.
(مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي) مَن هو ربِّي؟ ربِّي هذا العزيز الذي تَوَلَّى تربيته، وظهر أنَّه سيِّد لهُ ومالك، وهو ليس بسيِّد و بمالك، ولكن كان هو ربُّ البيت وهو المربّي له، قال: (لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ)، (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)، يعني عَامَلَني بالمُعاملة الطّيبة الحسنة، وهذا يقتضي أنْ أُحسِن إليه في عِرْضِه وفي مَاله وفي شأنه، (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن:60]؛ أي يَقتضي بعد أن يُعاملني هذه المُعاملة ويُرَبّيني؟! أَخُونَه الخيانة الكبرى في أهله؟ أهْتِكُ عِرضه؟ أفعل الرّذيلة؟ (مَعَاذَ اللَّهِ)، أنا أعوذ بالله من مثل ذلك، وألجأ إلى الله.
(مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)):
فذكر أولًا لجوءه إلى الله، مَعاذه لخوفِه منه، ولِيَقينه بما جاء عنه، ثمّ ذكر رِعاية حقّ الخلق: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ (23))، زوجُكِ هذا العزيز أحسن ليّ، رَبَّاني في بيته، هل أخونه؟!
لأنها خيانةٌ مع الجِوار، خيانةٌ مع الجار؛ كان يجب أن يَتَلَقَّى منك الصّيانة والمدافعة والحماية، يتلقّى منك الخيانة وأنت جاره؟! فيشتدّ الإثم في ذلك، ومنه قال ﷺ: "أن تُزَانِي حليلةَ جارِكَ" قال: من أعظم الذّنوب بعد الشّرك بالله "أن تُزَانِي حليلةَ جارِكَ" زوجة جارك، وهكذا يتضاعَف إذا ائْتُمِنَ على جِوار أو أُحسِنَ إليه ثمّ يَخون، قال: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ).
ثُمَّ أرسلَ لها النَبأ أنَّ هذه المسالك لا يلتفت إليها إلّا أهل الظّلم، وأنّ أصْحابها هم الظالمون الذين تنتشر بهم الرّذائل في الوجود فَيَظلِمُون المجتمعات؛ ولأنَّ الزِّنَا دَيْن، فإن أقرضته كان الوفاء من أهل بيته، فاعْلمي، فينتشر بسببك الزِّنَا -والعياذ بالله تبارك وتعالى-؛ لذا أنت نَفَّذتَ اِتّباع هذه الشّهوة الحقيرة.
قال: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)): الذين يُؤثِرُون لذَّة اللّحظات مقابلَ هَتْكِ الأعراض، وغَضب الخَلَّاق، والتّعرُّض للعذاب الشديد؛ فهذا ظلم، ظلمٌ لأنفسهم وظلمٌ لِمَن خانوهم وظلمٌ للمجتمعات، يكونون فيها سبب في نشر الرّذيلة والسّوء.
فماذا يحملُ من هو موجودٌ معنا على ظهر الأرض؟
أعندهم في ذلك علمٌ يبيّنونه لنا أنَّ ذلك في مصلحة البشر؟! إنَّهم أهل شهوة لا يعرفون غيرها، بَيِّنُوا لنا، ذلك في مصلحة مَن؟ صحّةً أو اجتماعًا أو سكونًا للنّفوس أو طُمأنينة، ما الذي يُحدث هذا؟ إشباع الغرائز فقط يدعوكم لهذا!! يا عَبَدَة الشهوات؟ أَتَصْلُحون أنتم أن تكونوا قادة لِبَنِي آدم أو للبشر؟! أنتم أراذل بني آدم، وأتفَهُهم وعبيدٌ للشّهوة. متى تَصْلُحون للقيادة؟! متى تَصْلُحون لأن تُصدروا القرارات والأحكام؟!
أنتم أسقط عبادِ الله على ظَهر الأرض؛ جاوزتم حدود الحيوانات والأنعام، ما رأيناها تفعل مثل ذلك وهي غير مَُكَلَّفَة، بل نجدها تعيشُ الحيوانات، من جنسٍ يكاد يكون واحدًا متقاربا؛ جنس الغنم؛ لكن يُفَرَّق بين ضأن وماعز، فلا يَعدو هذا على هذا ولا هذا على هذا، وهي في مكان واحد، ونَرى الحمار وطبعُ الحمار يرى الدَّابَة الحامل فلا يَقرَبَها وهو صاحب الشّهوة؛ لأنه يرى أنَّها تتأذّى بذلك، فما عَلِمنا أنتم مثل مَنْ! وما عندكم من حُجَّة تُقِيمُون عليها هذه القرارات، وهذه الميول إلا مُجرّد الاندفاع وراء الغرائز فقط!
فَمَن أنتم وما قِيمتكم؟!
تُثبِتُون ببعض حِسِّيَاتِكُم ومادّيَّاتِكم:
أنتم تُقِرُّون ذلك، ثمّ تقرِّرُون، حُريَّة!!! هات لي معنى فيه الفائدة الحقيقيّة! مجرّد قضاء شهوة؟ مجرّد قضاء شهوة؟ أنْحَطُّ به عن إنسانيّتي وعن دِيانتي وعن شرفي؟! -سبحان الله- إذا كنتُ بهذه المثابة أنا إنسان؟! أيُّ إنسانيّة باقية عندي؟! فلا معنى للمشيِ وراءَ اللِّواط ولا الدّعوة إلى التّبرّج وإلى الاختلاط؛ إلّا إرادة قضاء الرّغبات النّفسيّة الشّهوانيّة الخسيسة، هذا هو الهدف فقط، وهذه شهوات ابْتلانا الله تعالى بها، هذا أنتم لا ترتضونه في الأموال.
كلّ واحد -إن كنتم رأسماليّة وإن كنتم اشْتراكيّة- بترتيب وقانون لا بُدّ يمشون عليه، أمَّا كلّ واحد يشتهي مال يأخذه؟!! لا يتأتّى، هل يمكن؟ قل لواحد غرفتك أعجبتنا اُخْرُجْ، أنا سأسْكن فيها! ممكن؟ وهي أعزّ غرفة أو بنت أو زوجة أو أخت، هل صارت أخواتكم وبناتكم أذلّ من الغرف وأقلّ من الدّيار والمنازل؟!! ليس أقل حتّى من خاتمه، لا يوجد عندهم شرع أنَّه إذا أعجبك خاتم لواحد تأخذه، هل ممكن؟ يقولون هذا ما له معنى، يرون أنه عيب، عيب خاتم؟!! وعرض إنسان كامل: أُمّ، زوجة، بنت.. كانت مُجرَّد الفطرة تأبى ذلك إباء.
ويقول ﷺ للشّاب الذي يقول أنا عندي شهوة قويّة في الزّنا، يا رسول الله؛ رَخِّص لي في الزّنا، أحبّ الإسلام وسأمشي معك في الشريعة كلها، ولكن هذا الزّنا رخِّص لي فيه، اِلْتفت الحبيب ﷺ إليه:
قال: هو أنت ستأتي عِندَ مَن؟ إمَّا خالة بعض النّاس، أُمّ بعض الناس، بنت بعض الناس، أتذهب عندهم؟ قال ﷺ، فلمَّا كَلَّمه غير كلامه، أثابَ إلى عقله ورُشده، غلَب عقله شهوة النّفس، فبقي بنور الحقّ والهدى؛ إزاحةُ الأمرِ من أصله، فوضعَ اليد الكَريمَة على صدرِه وقال: "اللّهمَّ اغْفرْ ذنبَه وٱهْدِ قلبَه وحصِّنْ فرْجَهُ"، قال: فوالله ما رفع يده وشيءٌ أبغضَ إليّ من الزّنا"، أبغضُ شيءٍ لي في الدُّنيا هو الزِّنا، وتَداوى الرَّجُل وتعالج.
لكنّ الجمَاعة الآن -ما أدْرِي- تُخاطِب حَضارات، يُسمُّونها حَضارَات -الله- في هَذه الشُّئون! إنْ سمَّيتُها حَقارَات لَأعطَيتَها فوقَ مُستَواها!! كيفَ الحَضارَات هذِه؟ أوصَلوا الإنسان إلى أيّ مُستَوى؟ مُهلكي الإنسان، مُفسدي الإنسان، عَدوّي الإنسَان؛ مِن أجلِ مُجرّد الشَّهوَة الجَالِبةِ للأمرَاض والتَّفكُّك الأسَرِي وفسَاد المُجتَمعات والعَذابِ الأكبر.
قال لك: حُرِّيّة!!! ماذا تقول؟ إذا كانت الحُرِّية بهذا المعنى، أريد أن ألطمك أنا، تقول له: ما بك؟ يقول لك: حُرِّيّة؛ أنا حُرّ، هذه يَدي أو يَدَك؟ يدي، دعني ألطُمَك، أنا تصرَّفتُ بيَدي، لم أتصرَّف بيَدِك أنتَ، هذا مَنطِق هذا؟!! أيّ حُرِّيّة هذه؟ هذه خَزويّة، خَربيّة يمكن، ليست حُرِّية، حُرِّية أنْ نكون عَبيد للشَّهوات، بنو آدم!!!
الله تعالى أعْطانا المَال، وبعد أن أعْطاك المال وتشْتَهي المَال (وتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمَّا) [الفجر:20]، فهلْ أباحَ لك مَا دام تُحبّ المَال أن تأخذ أيّ مال يعجبك؟!! خذه!! كيف أيّ مال يعجبك تأخذه لك؟!! كذلك الشَّهوة سلَّطَها عليْك وقال: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) [المعارج:5-7]، عادون: ظالمون بنصّ القرآن. قال لك: مُتّقدّمُون، مُتَطوّرون..، مَن قال؟ وبالله عَليْك، ما قال مَن الذي هو الحقّ؟!! قوله الحقّ، وله المُلك.
هذا ظُلم، هذا عُدوان، (فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) [المعارج:7]، لا مَصلَحَة فيه للبشرِيّة، لا مَصلحَة فيه للإنْسَانيّة، لا مَصلحة فيه للمُجتمَعات، وأنتَ تشتَهي الأكل، هلْ مُمكن تأكل أيّ شَيء؟ وإذا علمتَ أنّ وسَط أكلٍ ما، بعضُ مُخاط، كيفَ تُحبّه؟ ماعندَك شَهْوه؟ ٱتْرك الإنْسان هو وحُريّته.. كيف حريّته؟! وضعوا قليلًا من السُّمّ وسَط طّعام مُمتاز..! لكن وضع قليل من السّمّ وقال لك: كُلْهُ، هل تَرضى؟ قل له: ما دمت أنتَ آدمِي وعِندَك شَهوة الطّعام؛ كُلْ! كيفَ آكل؟ أقتُل نَفسِي؟ وأنتَ هُنَاك تقتُلْ نفسَك.. يا بلا عقلْ! أنت تقتُل نفسَك، وهل هذا صواب مِن نفسِك، تقتُلْ نفسَك، تقتل شَرفَك.
فالشّهوات بمُختلف أصْنافِها،؛ في أكلٍ، في جنْسٍ، في مال، في سُلطة؛ لها قوانِينها وطُرُقَها، وإذا تَركنَاها وقُلنا حُرِّية؛ فسدَ العالَم بِمَا فِيه. والنَّاس يَشتَهُونَ السُّلطَة، نعم. قال: أنا رئيس الجُمهوريّة! قال الثّاني: لا، أنا رَئيس الجُمهوريّة! قال الثّالث: لا، أنا رَئيس الجُمهوريّة! وماذا بعد ذلك؟ كم رؤساء مَعنا؟ ماذا نفعل في العَالم؟ وبعد ذلك؟! وكل واحد يَجمَع له جَماعَةٌ ويقول، نتراصع ونتقاتل، وأين سنصل؟
هذه شَهوَات، لكنْ لها طُرُقَها، ولهَا أبْوابَها، ومنْ أيّ طَريقَة تأتيها، جَاءوا إلى عِند شَهْوة الجِنْس، قالوا: افتَحُوها.. نُرْضِي مَن؟ نَكسَب مَاذا؟ ما النَّتيْجَة؟ (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)، (مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)).
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24))
يقول -جلّ جَلالُه وتَعالى فِي عُلاه- بعد هذا الجواب مِن سيّدنا يوسف (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ):
(هَمَّتْ بِهِ)، هذا هَمُّهَا بِه، (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ):
فقوله: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ)على وجهين:
ما معنى (هَمَّ بِهَا)؟
(هَمَّ بِهَا)، يريد أن يدافع عنْ نفْسِه ويعطيها لطْمَة يجعلها تفقد الوعي هناك أو يقتلها؛ لكنْ لوْ تَصرَّفَ هذا التَّصرُّفْ سيحصل مَشاكِل، وستدَّعِي دِعَايَات باطِلَةٌ، وربَّما أدَّتْ إلى قَتله، إلى غير ذلك؛ فجَاء له سيّدنا جبريل، وقال له: يوسف لا تضربْ، أمسِك. فلمّا (رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ) وأُمِر أنْ لا يَفعَل؛ هَربَ مُباشَرةً، سبقَ إلى البابِ، ذهب يجْرِي، لا يليقُ بشأنِ الأنبياء غيرُ ذلك، الذي يتصوّر أنَّ الأنبِيَاء يَهمُّون بالفَاحِشَة؛ مَغشُوش الإيمَان والعَقل، فَهُم القُدوَة.
يقولَ ربّي في هذه الآية نفسَها مُباشَرة: (كَذَٰلِكَ)، حَاله وشأنُه، لنصرفَ. مَن؟ الله (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ) فقُلْ لي: هلْ الهمّ بالمَعصِية سُوء أم لا؟ متى انْصرَفَ السُّوء إنْ كانَ همّ بالمَعصِية؟! لمْ يَصْرف عَنْه السُّوء والفَحشاء بأنواعِها، وهل توجد فحشاء أكبرَ من أنْ يهمّ بِخيانَة الذِي أنْزله في بيتِه، واأتمنهُ على أهله، وأحسَن مثواه، ويقرب مِن زَوجَتُه؟ هذه فاحِشة ما فوقَها فاحشة.
كيف (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ)؟ لو كانَ ذلكَ حَصَل؛ صُرف عَنه السُّوء بكلِّ مَعانِيه، وصُرفَتْ عنْه الفُحشَاء بكلِّ مَضَامينِها، ومَنْ الذي صَرف؟ الله؛ (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24))، قراءة: (المُخلَصِين)، قراءة: (المُخلِصِين)، الله أكبر؛ كلّها دلالات واضِحة أنَّ النّبيّ في غَايَة الطَّهارَة.
يقول: (كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ)، أريناهُ هذا البُرهانَ لنَصرفَ عنْه السُّوء؛ وهو أنْ يسيء الى المرأة بضَربِها، وهذا سيّدنا مُوسى وكزهُ فقضى عليه، وهذه ضَربةُ نبُوّة ورسالة -وقت الغضب- ستموت المرأة، سيحصل نشر السّوء.
الفحشاء: هي المعاصي بأصنافها، صرفناها عنه، ليس هو حَولها أصلا، (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا)، ليس له عبوديّة للنّفس، ولا للهوى ولا للشّهوات؛ (مِنْ عِبَادِنَا)، قال: هذا عبدي هذا؛ (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)) إنهم مُضافين إضافَ تشريف، ولكن أيضًا هو مَخصُوصٌ من بينهم؛
يا سلام، ما هذا المدح الكبير؟! هذا المدح يصْلُح في واحد همّ بالخِيانة؟! متناقِض الكلام إذًا -حاشا الله-، هذا المدح لا يصْلح إلّا لطاهر بريء نقيٌّ تقيّ، وكذلك كانَ يوسف عليه السلام
ولمّا ذكروا بعضَ الأقوال لسيّدنا عبد العزيز الدبّاغ احْمرّ وجهه قال: أنا أعرِف من الأولياء بقوّة إيمانهم ويقِينهم، مَن لو رأى المَرأة أمامه عارية لم يلتفت لها ولم يتحرّك له خاطر، فكيف بالأنبياء؟ قال: أنا أعرف أولياء بهذه الصّورة، لا يتحرَّكون لشيءٍ، لِهَيْبَةِ شُهودِ الحَقّ عِندهم ونُورانيّة تَنْمَحِقُ أمامَها الشّهوات بأصْنافها. قال فإذا هذا حال الأولياء، فكيفَ بالأنبياء؟ -صلوات الله وسلامه عليهم-.
(لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24))؛ هذه شهادة الله، فما حد غيرَه الحقّ تبارك وتعالى.
يأتي عندك بعد قليل:
قال: وإنّه لمّا لعن الله إبليس، وقال إنّه سيُغوي بني آدم أجمعين قال: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر:41]، منهم يعني؛ مثل هذا المُخلَص يوسف قال: حتّى إبليس يُبرِّيء يوسف عليه السّلام، وأنت تأتي مسلم مؤمن وتنسبُ الفحشاء لنبيّ من أنبياء الله، عيب عليك!
(إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24))، همّ أن يدفعها، ودفْعُ النّبوّة خطير. رُبّما أُغْمِي عليها، رُبّما ماتت.. كما قال: (فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ) [القصص:15]، وهذا يوسف عليه السّلام.
فهمّ بها، هذا الهمّ اللائق:
تفسير قوله تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25))
يقول: (كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24))، وفي القراءة الأخرى (مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ). (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ)؛ هربَ إلى عندِ الباب المُقفَل وفتحِ الباب، وكانَ من لُطْفِ الله به أنّها لمّا غلّقت الأبواب تَركَت المفَاتيح عليها، وهذا داخل في قوله: (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ..(24)):
فمهما خطَّط الإنسان -إذا لم تكن إرادة من فوق وعناية.
إِذا لَم يَكُن عَونٌ مِنَ اللَهِ للِفَتى *** فَأَكثَرُ ما يَجني عَلَيهِ اِجتِهادُهُ
يُرتّب كذا والنتيجة كذا، وهذه رتّبتْ كذا وردّها الله سبحانه وتعالى، واصلتْ آخر شيء مكرها، لمّا وجدوا سيّدها، (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا)؛ كان في عمل ولا يأتي في تلك الساعة، أرسله الله في تلك الساعة، فلمّا فتح سيدنا يوسف الباب وهو يجري وجد العزيز وهذه تجري وراءه، بمجرد ما رأت زوجها العزيز، قلبت الميدان كلّه، وحوَّلته لمكر، (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25))، هذا غلام شرّير أتيتُ به الى عندي، يَدخُل عليّ الى الغرفة ويُراوِدني ويحَاول… عكَسَت القضِيّة كلّها!! وهي التي غلّقت الأبواب، ورَاوَدَته عن نَفسِها، وقالت هَيْتَ لك، وقَلَبَتْ الحقيقة كُلها بذكاء، مُباشرة بدون تفكير ولا شيء. انظر إلى هذا الولد يدخُل إلى عِندي! هذا، ما له من جزاء؟ ما عرف قدرك !!!.
تفسير قوله تعالى: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27))
(قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي)؛ لا قصدتها ولا أردتها ؛ هي راودتني، تحيّر واحد معه من جماعته وقيل: أنّه طفل تكلّم، صبّي قال:
تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28))
رأى القَمِيصَ فوجدوه مَقدُودا مِن الوَراء؛ (إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ)، ليس الرجل الذي أتى عندك، ولا الوَلد، (إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28))؛ فبرَّأ الله يُوسف عليه السّلام، وهكذا يُريدُ له؛ وحاولتْ بعدَ ذلك مُحاولات إلى أن انتهى إلى السّجن وصبر.
آخر شيء؛ (قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52))، وبرَّأ الله ساحة يوسف وأصبح هو عَزيز مصر، وقد ماتَ زَوجُها هذا، لا إله إلا الله.
وهكذا هي النّهايَات، وهكذا سُنّة الله في الحَياة، تَطهَّر وتَنقَّى واصْدقْ واخْلص واعْمل بِشَرعِه وأنتَ المَنصُور والعاقبَة لك، والتأيِيد لك ولا يغرّونَك ولا يَكْذِبون عليكَ بكلّ ما عِندَهم، فإنّنا نتكلّم بكلامِ حقّ عنْ الحقّ؛ لا تَقدِر قُوى الأرض -ولو انْضَاف إليها ما انْضاف من غيرِ الأرضِ- أنْ تُبطل شيْئا مِن كلامِ الله ولا حَرفا واحدًا، (قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ) [الأنعام:73]. الله يَرزُقنا الإيمان واليَقِين .
نقولُ وقدْ مَضى بِنا الوَقت وطَال، نقول في هذا الحفظُ والعِصمَةُ لسيّدنا النّبي يوسُف عليه السّلام، يُذكِّرُنا مَا كانَ في ليْلة الإسْراء والمِعراج ونَحنُ في عصْمَة نبيّنا محمد، سَرى إلينا حِفظٌ مِن بلايا كثيرة؛
ثم قال جبريل: أتدري ما الدّاعي الذي دعاكَ عن يمينك؟ قال: لا ، قال: داعِيَ اليَهود، داعيَة اليَهوديّة.. ولو أجبْتَه لتهوَّدتْ أمَّتُك مِن بعْدِك، بعصمَة الحقّ للحبيبِ، ونحنُ اسْتفدنَا منْه.
نقول: يا أيّها اليَهود! لنْ يتحوّل المُسلمُون إلى يَهود مهْما حاولتُم، وإن ارْتدَّ على أيدِيكُم أفْراد وذهبوا معَكُم؛ فإنَّ قوَّة القَويّ مع المُؤمنين ستوصِلُكم إلى وقتٍ تَختَبِئُونَ فيه وراءِ الحَجر والشّجر والحجرُ، والشَّجرُ يُنادِي المُسلِمين: تعالَ يامُسلم هذا يهُودي ورَائي؛ وسيكونَ الأمرُ كما قال نبيُّنا، لا ندْري في أيّ عامٍ، ولا في أيّ سنَةٍ، الأمرُ لله، لكنَّنَا على يقين ممّا نَقول، نحنُ لا نتكلَّم عن ظنّ، ولا بِخِبرةِ سياسَة، نحنُ نتكلّم عَن عِلم مِن قِبَلِ الذي هو آخِذٌ بناصيةِ كلّ دابَّة، نتكلّم عَن عِلم الذي بيدِه ملكوتُ كلّ شيء، وبلاغ رسولَه صلى الله عليه وعلى صحبه وسلم.
والنّصارى كذلك كم حاولوا التَّنصِير؟! قبل أربعينَ سنةٍ، في الخَمسين سَنة الماضية، كانت حركة النَّصارَى في الأرضِ يقولون: إنّ عام 2000 تُصبح قارَّة إفريقيا قارَّة مَسيحيّة، ما عاد أحد فيها مُسلم، عدّتْ 2000، ونحن في 2020، 2021 تضاعفَ عددُ المُسلمين وعدد المساجد في قارّة إفريقيا؛ لأنّ الأمرَ أمرُ القويّ، ولأنّ نبيّنا ما أجابَ الدّاعي عن اليسار؛ قال جبريل: ذاك داعيَ النّصارى، لو أجَبتَه لتنَصَّرتْ أمَّتُك من بعْدك.
قال: وأمّا العَجوز التّي تعرّضَت لكَ فهيَ الدُّنيا، ولو أجبْتَها لآثرت أمَّتك الدُّنيا على الآخرة، فنقول: لن تزل في هذهِ الأمَّة قلوبٌ تُؤثِر الله على ما سِواه، وتُؤثِر الآخِرة على الدّنيا، وإنْ نشروا ما نشروا من الفسَاد؛ فستَظلّ قلوبٌ على هذا الهُدى والرّشاد. -الله يجعلنا منهم-..
ثم قال له: "هُدِيتَ للفِطْرَةَ"، أما إنّك لو شَربت الخَمر لغَوتْ أمَّتُك من بعدك، لكن الحمدُ لله ما شرب، قال: ولو شربتَ كثيرًا من الماءِ لَغَرِقتْ أمّتكَ من بعْدك -أصابهم الغرق- ولكنّك شربتَ الّلبن وهو الفطرة، هُديتَ إلى الدّين صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهكذا الأنبياء في عِصمَتهم، وأُممهم في بَركَتهم، ونبيّنا أطهرُ الأنبياء وأعظَمُهم عِصْمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ولذا يقولُ بعضُ العارفين بالله: لمّا ذكرَ أنّ الله قال للنبي: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة:67]، كانَت الحِراسَة له، قال: وإن كانت الحِراسَة للاجسادٍ في عهدِ داود عليه السّلام، وكان الحِصنُ له دِرْع لَبُوس، فإنّ حصنَكَ القُرآن، أنت حِصْنك (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، ليس مِن حديدٍ ولا من آدميّ، بل هو وحي من الله، نازل (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ)؛ فهذا هو درعك، ودرع سيّدنا داودُ عليه السّلام درعٌ مِن الحَديد يصُوغه، لكن أنت درعُك الذي درّعك الله به، قُرآنٌ واحدٌ (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، حتى لمَّا نزلت الآية قال للحَرس: "انصَرِفوا فقد عصمَنِي الله، ما احتاجُ إلى حِراسَة أحد"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهو صاحبُ الإسراء والمعراج.
رزقنا الله به كمَال الإبْتِهاج والإنْدراج والإتّباع والإنتِهاج، في مَنهجه خير منهاج من غير زيْغٍ ولا اعْوجَاج، إنّه أكرمُ الأكرَمين وأرحَمُ الرّحِمن، ونظر إلينا والمُؤمنين:
نَظْــرَهْ تُزِيلُ الْعَنَا *** عَنَّـا وَتُدْنِي الْمُنَى
مِنَّـا وَكُلَّ الْهَنَا *** نُعْطَـاهُ فِي كُلِّ حِـينْ
في خَير ولُطف عافية.
بسر الفاتحة
الى حضرة النبي محمد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله
الفاتحة
25 رَجب 1442