(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:
﷽
(قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111))
حقيقة البصيرة وتفاهة التباهي بالحضارات المادية:
ختام سورة يوسف والاعتبار بقصص الوحي:
الحمد لله مُكْرمنا بتنزيل آيِ الكتاب، وفاتح أبواب فَهْم معانيها على يد سيّد الأحباب، عبده المصطفى سيدنا محمد صلى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله والأصحاب، ومَن وَالاهم في الله واتّبع سبيلهم إلى يوم المآب، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل الاقتراب، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقرّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين وربّ الأرباب.
أما بعد،،،
تفسير قوله تعالى: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108))
فإنّنا في تأمّلنا لكلام ربّنا -جلّ جلاله- وتعْليمه إيّانا وهدايته لَنا، وصلنا إلى قوله في آخر سورة يوسف: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108))؛
(قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي)، مساري ومنهجي وطريقتي.
(قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ)، أدعو إلى الله:
و(أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ)، على هُدًى ونور وحجة وبرهان ويقين، (عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)، يدعون إلى الله تعالى؛ فحقّ كل متَّبِع للمصطفى أن يكون داعيًا إلى الله.
فأوّل ما ندعو أنفسنا؛
فندعو أنفسنا إلى الله، وندعو أهْلِينا، وندعو قَرَاباتنا، وندعو أصحابنا، وندعو أصدقائنا، ونطّلع بالمهمة الكبيرة أنّ صاحب الرّسالة بُعِث رحمةً للعالمين، ونذيرًا للعالمين، وهاديًا وبشيرًا للعالمين؛ فيجب أن تَسْمُوَ بنا هِمَمُنا ورغباتنا ومقاصدنا لأن نُبلِّغ الدّعوة للعالمين، وأن ننشرها في العالم كلّه بكلّ ما اسْتطعنا؛ هذا واجب الأتْباع لسيد أهل الارتفاع، واجب الأتْباع لمحمّد ﷺ.
(أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)، ودَعْوتنا إليه عَلَى بَصِيرَةِ، الاقْتداء والاهْتداء والأدب والرّحمة والخضوع والخشوع، (عَلَىٰ بَصِيرَةٍ): لا أن ندعو إلى أنفسنا في ظنّ ووهم وتصوّر وتخيّل أنّنا ندعو إلى الله، بل لا ندعو إلّا إلى الله جلّ جلاله؛ وإنّما يدعو إلى الله مَن كان عند الله، ومَن كان مع الله؛ ومَن لم يكن عند الله، فكيف يدعو إلى الله؟
(عَلَىٰ بَصِيرَةٍ)، ندعو إلى الله على العلم والفقه والاقْتداء بمحمد ﷺ بالرّحمة والشّفقة والتّواضع، لا نرى أنّنا خيرا ممّن ندعوهم إلى الله؛ فالخير مَن هو خير عند الله، وذلك أمر اسْتأثر بعلمه الحيّ القيّوم -جلّ جلاله-، وخَبَأ سرّه في خليقته وبَرِيَّتِه، لا إله إلا هو.
(أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي..(108))، والمعنى الآخر للآية: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ)، ثم اسْتأنف الكلام وابتدأ يقول: (عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)، أنا وأتباعي على البصيرة، على الحُجّة والمَحَجَّة، على الهدى والبيان، والحقّ.
فيا مختلف أهل المسالك والأفكار، على ظهر الأرض، أيّ بصيرة أخذتم بها أفكاركم هذه؟ وأيّ بصيرة أخذتم بها تصوّراتكم هذه، ومساراتكم في الحياة؟ أم مجرد توقّعاتكم؟! أو مجرد تصوّراتكم أو مجرد رغبات أنفسكم وأهواءكم وشهواتكم؟!
أين البصيرة لكم فيما تدعون إليه؟ وفيما اخْترتموه لأنفسكم؟ وفيما تنشرونه في البريّة؟ أين البصيرة عندكم؟!
أنا أتكلم من بصيرة، من وحى مُنّزل، من قِبل الذي خلق، في بيان واضح جَلِيّ، مضى عليه مِنْ قَبْلي أنبياء ورُسل، تِلْوَ أنبياءَ ورُسل على مدى القرون؛ كلهم دَعَوْا إلى هذه الدعوة إلى الله تعالى، وإلى الخضوع لجلال الله، وأن لا نعدّ أنفسنا على ظهر أرض ربّنا أربابًا، وندّعي أنّ لنا الحريّة في أن نهتك حرمات الأدب مع الذي خلق.
ونحن نشْهد ونُقِرّ:
فما هي الدعوة؟ إلى أيّ بصيرة تكون الدّعوة للتّجرِّئ على أحكام الله؟! أيّ بصيرة يُدعى إلى أن يأخذ النّاس شهواتهم ولو على حساب مناهج الخالق الذي خلق، وما أرسل به المرسلين؟! بأي بصيرة؟
هذا الذي حمل البصيرة وهو سيد أهل البصيرة ﷺ، نَجِدُ ما حدَّث به هو الحقّ الواضح الجَلِيّ، نجد أنّ أتباعه هم الذين برزوا في البريّة نماذج سَنِيّة، وقِمَم في المعارف والأخلاق والمعاملة عليّة؛ بل نجد أجساد الذين قاتلوا معه لا تزال موجودة على ظهر الأرض، يمرّ عليها الألف وأربعمائة العام وزيادة، ولا تأكلها الأرض لماذا؟!
فهاتوا لنا جسدًا من أجساد مَن خالفه احْتَرَمَتْه الأرض فلم تأكله، ولكن هاهم فيما قبل نحو الأربعين سنة يجري السّيل على قبور شهداء أُحُد، ويبدو جسد حمزة كيوم وُضِع!! ويُشاهده مَن يُشاهده من أهل عصرنا وزماننا، هذا جسد الذي جاهد في سبيل الله متّبعًا لمحمد بن عبد الله.
الدلائل كلّها تشير إلى الحقّ والهدى فيما جاء به، وفي حياته الكريمة انْشقّ القمر، ونبع الماء من بين الأصابع، بالله عليكم ماذا عندكم؟ وما الذي يؤخِّركم عن معرفة الحقّ والهدى؟ وهذا وَحْيُه الذي أُنزل عليه، لم يزل يُتحدّى به أهل المشارق والمغارب، عربًا وعجمًا، إنسًا وجنّا أن يأتوا بمثله، فلم يأتِ أحدٌ بمثله، ولن يأتيَ أحدٌ بمثله.
فماذا بعد ذلك؟ ماذا بعد ذلك؟ ماذا بعد ذلك؟ يأتي واحد يقول: أنا صنعت طائرة بلا طيّار، فاكْفروا بربّكم ورسله وكتبه واتّبعوني!.. من أنت؟ وماذا عَلِمت؟ أيّ بصيرة عندك في خَلْقك وخَلْق السّماوات والأرض، ومقصود الخَلْق في هذا الوجود؟
فسّروه لنا يا آل الحضارات، فسّروه لنا يا آل التّقدمات والتّطوّرات:
شؤونٌ دلّ عليها أهل البصيرة، بوحي الله الذي خلق وأَنْشأ وكوّن وأَوْجد، وأَحْيا وأمات، وإليه النّشور.
حتى مرّت القرون إلى نوح وإلى هود وصالح وإلى إبراهيم وإلى موسى، إلى عيسى آخر الأنبياء قبل نبيّنا محمد، إلى خاتم النبيين محمد، بصيرة واضحة جلية، فعلى أيّ بصيرة يقوم دعوة أهل الإلحاد وأهل الكفر بأصنافهم؟
(عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ)، جلَّ وتعالى وتنزَّه أن يخلق الخلق عبثا أو باطلا، أو يجعل عبيده بعضهم لبعض مستعبدا مأخوذًا يُتَّخَذ ربّا من دون الله تبارك وتعالى، (سُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108))، ولا لديَّ شكٌّ في عظمة الإله الذي خلق، ووحدانيّته وقُدرته ورحمته ولطفه، وأنّه خلقنا للمهمّة العظمى.
(عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)، فعلى قدر اتّباعنا له تتنوّر بصائرنا، ونُدرك الحقّ والحقيقة واضحة جليّة، حتى إذا جاءنا الموت وعايَنَّا ما كان غائبا عنّا في الحياة الدنيا، زِدنا يقينا فيما دعانا إليه الصّادق المصدوق.
ولكن أرباب الضّلال والزّيغ مِمَّن لم يَعِ من الإسلام إلا صورة له، أو عَصَفَت به نفسه إلى اتّباع هوًى في معتقد باطل، أو إغراق في ذنب غضب الله به عليه يجد عند الغرغرة ما لم يكن يتوقّع، ويكفر ويخرج من الدنيا كافرا كَحَالِ الكفار؛ كما يشاهد جميع الكفّار أنّ كلّ معتقداتهم وتصوّراتهم كانت كاذبةً باطلةً، من عند الغرغرة يوقنون أنّ الحقّ إنّما هو مع الأنبياء والمرسلين، وما أوحى إليهم ربّ العالمين فقط.. فقط؛ كلّ ما خالف ذلك باطل، ضلال، كذب، افتراء، خيال لا حقيقة له، (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف:29].
(عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108))، وليتأمّلوا الأحوال من حين خَلَقْنا هذا الإنسان، هل جَعَلْنا سبيلا إلى إدراك الحقيقة والهدى، غير وَحْيِنا وتَنْزِيلنا؟
وليست العقول بآلهة وهي مخلوقة، وليست العقول بِمُحَلِّلَة ولا مُحَرِّمَةٍ، وهي مفطورة، مُنْشَأَة، موجودة، إنّما هي مؤهِّلات وآلات شريفة يستعدّ بها الإنسان لإدراك الحق؛ فإذا اسْتعملها بوجهها الصحيح، استنار بنور وحي الله الذي خَلَق له العقل، فانْفتحت له البصيرة؛ و لانفتاحها مجالات ودرجات ومراتب، عُبِّرَ عنها بعلم: اليقين وعين اليقين وحق اليقين:
وعبّر سيدنا أبوبكر الصديق وسيدنا علي بن أبي طالب، عمّا أوتوا من حق اليقين وهم في الدنيا، وقال كلٌ منهم: لو كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِينا، ولو كُشِفَ الغِطَاءُ، هذا الذي أُسْدِلَ اخْتبارا لعباد الله تبارك وتعالى، ليؤمنوا بالغيب، عبوديةً وحُسن اسْتعمالٍ لِمَا أوتي العبيد وأوتي العباد من تهيئة الخالق لهم، (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ)، أعطيناه السَّمْع والْبَصَر وَالْعَقْل، وَأعْطيناه النُّورَ وَالْوَحْي فِي اعْمَلْ كَذَا وَلَا تَعْمَلْ كَذَا، (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الانسان:2-3]:
(عَلَىٰ بَصِيرَةٍ)، وانْظروا حال الخلق منذ جاء آدم عليه السلام، هل مِنْ سَبِيلٍ لِإِدْرَاكِ الْحَقِيقَةِ غَيْر وَحْي اللَّهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَهِدَايَتُهُمْ لِلْخَلْقِ، مَا يَلْزَمُهُمْ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَمَا يَحْرُمُ.
تفسير قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109))
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم)، وفي قراءة: (يُوحَيٰ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ)، هذه هي الطريقة، فماذا عندكم من طريقة لإدراك الحقائق؟ كلّما اخْترعتم أجهزة بالآلات المخلوقة لتدلّكم على الخالق؛ تَنَكَّصْتم عن إدراك الخالق، وحَبَسْتم أنفسكم من خلق إلى خلق، إلى خلق، إلى خلق، وتقولون: اكْتشفنا، وتقولون: اخْترعنا، وأنتم في دائرة الخلقيّة.
فمَن الخالق؟ فمَن المنشئ الموجد؟ إنكم لا تَخلقون شيئا، تكتشفون ما خبَأ الخالق سبحانه وتعالى وطواه في مصنوعاته ومخلوقاته. فمَن الذي خلق؟! وإنّ عاقلًا يجد في بيته أو غرفته هيئة مُصَوَّرة، وفيها تراتيب كثيرة؛ أوّل ما يلزم أن نقول: مَن جاء بهذه إلى غرفتي؟ مَن أدخل هذه إلى الغرفة؟ ويجلس يقول: أنا مبتكر، مخترع، انْظر هذا يطلع كذا وهذا ينزل كذا .. أوّلا فكّر مَن جاء بها! قد تكون فيها قنبلة تحرقك يا أبله!! ما الحاصل وسط هذا؟ أو إن كان عندك عقل وفكر؛ كيف وُجِدَت؟ مَن أدخلها إلى غرفتك؟
ومَن كان استيقظ من نوم فوجد نفسه وسط سفينة تسير على بحر؛ فكان أوّل سؤال يتوجّه إليه يقول: مَن جاء بي إلى هنا؟ ومَن الذي أوصلني إلى هذه السفينة؟ ومتى طَلَعْت فيها؟ وإلى أين تجري بي؟ فإذا انْتبه -نام في سريره في بيته وانْتبه الى السفينة- بعد أن انْتبه في السفينة، وجد الناس يغنون وعندهم مغاني، قام يغني، طيب! وما الذي جاء بك إلى هنا؟ وأنت تدري هؤلاء إلى أين يمشون؟ وهذه السفينة لماذا كُوِّنَت لك هكذا؟ ولماذا رَكِبْت فيها؟ وهذا حال جميع الملاحدة والغافلين عن الله، ومَن لا يشهد أن لا إله إلا الله؛ فالحمد لله على نعمة الإسلام.
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا)، هل كان في سُنّتنا أن هَدَيْنا مَن قبلكم بملائكة نُظهرهم لهم؟!
(رِجَالًا)، وهذا محمد سيد الرجال، فما الذي تنكرون في رسالته، وتقولون هذا بشرا!! وهؤلاء الذين قبله من الرّسل كلّهم ماذا كانوا؟!! (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا)، هذه -يقول الحقّ- سُنّتنا في هداية خَلْقنا أن نختار منهم مرسلين لِيُرشدوا إلينا ويأخذوا حُكْمَنَا إلى العباد.
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا)، ولكن إرسالهم من قِبَل الخالق الذي خلق؛ فمَن الذي أرسل إلينا أهل هذا الزَّعَاق، وأهل هذا النّداء أن نترك الدّين، ونترك الرّابطة بالرّبّ، ونترك ذكر الآخرة! مَن أرسلهم إلينا؟ من أين جاءوا؟ مَن أرسلهم إلينا؟ ما مصدرهم؟ من أين ينطلقون؟
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا)، يوحى إليهم من قِبل الحقّ، (نُّوحِي إِلَيْهِم)، الرّبّ يوحي إليهم، (مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ)، أي أهل تلك البلدان والمدن، ولم يكن البعث من البَوَادي والأرياف؛ (إِلَّا رِجَالًا) من ذكور بني آدم، أرسلهم الحق تبارك وتعالى:
جعل مهمة البلاغ منوطة بالمرسلين أولاً من الرجال، وجعل المراتب لمَن بعدهم -من غير المرسلين رجالاً أو نساءً- أن يبلغوا إلى ذُرَى الصدّيقية، كما قال الله في أم سيدنا عيسى ويقول: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) [المائدة:75]؛ وما هناك لا نَبِيّة ولا وَلِيّة من النّساء لأنّ مهمة البلاغ تقتضي المقابلة والاختلاط والاحتكاك، وهذا أولى به الرّجال.
ثم جعل من غير المرسلين -سواء كانوا ذكورا وإناثا- رُقِيّا إلى بلوغ ذرى الصدّيقية في تبعية هؤلاء الأنبياء والنيابة عنهم وحمْل مهمّاتهم، كما هو الحال في الأمم قبلنا وفي هذه الأمة المحمّدية، وتاريخ دين الله الحق والإسلام قائم برسالة محمد على جنديّة وأستاذيّة وجهاد خديجة بنت خويلد، (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ) [التوبة:100]، رجالا ونساء على أيديهم قام شأن هذا الدين، وكلهم أبدعوا فيما يتعلّق بهم قبل نزول آيات الحجاب، وبعد نزول آيات الحجاب كلٌ أبدع من صالحي الرجال، وصالحات النساء:
هذا تاريخنا ينطق بهذه الحقائق؛ فما هذه الشَّخْبطة واللَّخْبطة؛ المرأة .. المرأة، تملأون الدنيا كلامًا عنها؛ لأجل أن تُبرز مفاتنها ومحاسنها وتُذْهِب شرف سترها وحجابها الكريم الذي جاء ليتيسّر لشهواتكم الخبيثة أن تنال مطالبها الخسيسة أي وقت! هكذا المرأة عندكم؟ أم هكذا قيمتها؟ أم هكذا منزلتها؟ ماذا عندهم؟ وماذا ينادون به؟
إنّ الذي خلق الرجال والنساء والحيوانات والجمادات، أعطى كل ذي حق حقه، من هؤلاء، (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا) [المائدة:50]!! ما العبث؟ ما اللعب؟ ما المسخرة التي يسمونها حضارة وتقدم؟ ربما بعض المسلمين يكاد أن يستحي بذكر بعض الأحكام الواضحة الشرعية؛ لأنه في بلاد كفر! آل الكفر ليسوا على بيّنة من أمرهم، والعدل والشرف والكرامة للرجال والنساء في حكم ربهم الذي أنزل، افْتح فاك وأعلنها صريحة، قل: هذا حكم الله، وهو الأصلح، وهو الأرجح؛ أكلّما اسْتهزأوا بحكم من أحكام الشريعة، نطرحه من أجل غَباوتهم؟ من أجل حقدهم؟ من أجل بغضهم؟ من أجل لعبهم في الحياة؟ من أجل تأمّرهم؟ لا، بل الله أكبر.. الله أكبر.. ومَنْ هم، وما يساوون..
أنا المسلم المعتزّ بأحكام ربي وشريعته، والتي أوقن أنّه لا يمكن لعقل بشريّ أن يأتِ بخير منها، ولا أحسن منها، ولا ما يقاربها في الصلاح والشرف والكرامة.
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ)، وهذه حجة أيضًا واضحة أمام العقول، كيف يتغافلون عنها؟ (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..(109))، إذا امْتدّ نظرهم إلى القرون الماضيات فسيرون العجائب. ومَن في أي حقبة من حقب التاريخ، عَادَى الأنبياء وخالفهم ثم ارتفع قدره وبقي شأنه؟ مَن؟ مَن؟ مَن؟ ولا أحد، كل الذين عادَوْا الأنبياء أُهلِكوا، وكل الذين عادَوْا الأنبياء كانت عاقبتهم في الدنيا عبرة للمعتبرين، ولهم العذاب في الآخرة.
والداعي إلى الله من قوم سيدنا موسى، وهو مُؤمنُ آل فرعون، شرح الله صدره للإسلام والإيمان، فآمن وكتم إيمانه عن قومه من خشية بطشهم وانتقامهم الشنيع، قال تبارك وتعالى على لسانِه: (يَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ* تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّار) [غافر:41-42].
(أَدْعُو إِلَى اللَّهِ..(108))، هذا شأن الصّادقين من الأمم كلهم، من أتباع الأنبياء كلهم، والله يرزقنا حسن التّبعيًّه لنبيّنا سيد الأنبياء، (وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ* لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي)، إذا خَوَّفْتُمُونا بقوّتكم وآلهتكم وعَتَادكم وما عندكم، أنا فوّضت أمري إلى القويّ المتين، (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)؛ فكانت النتيجة، (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:42-46]؛ وهكذا كانت أحوال الجميع مَن خالف النبيّين والمرسلين من المتقدمين والماضِين من الأمم.
وكلّ مَن خرج عن سبيلهم ومسلكهم الجميل الشّريف الرفيع؛ كانت عَواقبهم وكانت نهَايَاتهم وكانت آخرتهم، كان كما قال الله: (فَكلاً أخذنا بِذَنًبِه فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا) [العنكبوت:40].
هل وقع غير ذلك؟ هَاتُوا لَنا واحدة فقط من الأمم التي عتت وكذّبت الرسل فبقيت وانْتصرت ودام لها ملك على ظهر الأرض، هاتوا! ما في أحد.
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)، أو يريدون أن نتعامى عن هذه الحقيقة ونغمّض أبصارنا، فقط نمجدّهم أنهم وصلوا الى القمر ثم سيصلون الى المريخ، وبعد ذلك؟ والقمر والمريخ ونحن وهم والأرض والسماوات، أين خالقها؟ وإلى أين المرجع؟ ما هذه الغَفْلَة؟! ما هذه البلادة والبلاهة؟! ضَحِك على العقول!
لِلْمُؤْمِنِينَ عقولٌ تمتد إلى عظمة مُكَوِّن السماوات والأرض، وفَهْم المقصود من هذا الخلق ومصيرِها ونهاياتِها والمرجع الأكبر إلى الذي فَطَر جلّ جلاله، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المومنون:115].
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)، وهذه الأمة من أيام بُعِث نبينا محمد ﷺ، كم من العقول والهيئات والجماعات والأفراد والقوى والأحزاب:
كم؟! من وقته ووقت الخلفاء الراشدين وما بعدهم وما بعدهم، وما بعدهم، قرنا بعد قرن بعد قرن؟ كم؟ الذي أدْركناه في عمرنا وحده، شيء في الشرق وشيء في الغرب؛ دعوات تقول: لا إله، والحياة مادة؛ يُقِوِّمون على ذلك دُوَلا، أهلكوا من بني آدم ألوف الألوف والملايين؛ وبعد ذلك النظام فشل كله.
ونسمع في الشّقّ الثاني؛ في الغرب كذلك دعوات إلى كذا، إلى كذا، إلى كذا، وحتى أرادوا أن يُعظّموا شأن الرّبا الذي حرّمه الله تعالى في شرائعه كلها، وأقاموا عليه نظامهم وانْهدّ وخسروا؛ (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) [البقرة:276].
وإلى اليوم أرباب الحضارة الشرقية والغربية ممتدّة عيونهم إلى ما في بلاد المسلمين من المال، ومن الثروات، وينهبونها ويلعبون بها أين نظامكم؟! ما أغناكم يا رأسمالية يا اشتراكية! من قبل ثمانين سنة، تسعين سنة، تنادون في الأرض: عندنا النظام العظيم الذي يسعد الناس، وهؤلاء أقاموا نظامهم، وهؤلاء أقاموا نظامهم، واليوم تأتون تنازعون المسلمين على ما في بلدانهم وتنهبون ثرواتهم، أين نظامكم؟ وكل نظام خَالف هذا فهو الفاشل بلا شكّ، هذا نظامنا وعليه نحيا وعليه نموت، كلام ربّنا وما جاء عن ربنا، ولنا العزة والشرف بذلك.
وكما هوى مَن قبلكم، وسمعنا من بعض الأتباع وبعض الأجيال التي جاءت، مَن سبَّتْ قادتها الأوائل، سمعنا ذلك وشهدناه بأعيننا؛ ويا حاضرين في وقتنا! كل مَن اغْترّ منكم فالسُنَّة واحدة، (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) [الأحزاب:62]، ولن يتبيّن الحق الواضح الصريح إلا في منهج الرحمن، وما بعث به سيد الأكوان، وما أنزل عليه من قرآن، (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) [الروم:9].
ومن أواخر الابتلاءات التي مرت بها اليمن، ومجيء هذه الحركات والثورات وما إلى ذلك، مرت، وإن حبسوا وإن سَحَلوا وإن اختطفوا كثيرًا؛ فبنيانهم انْهدّ، وآثار الذين سَحَلُوهم واختطفوهم تمتد، وتتجدد بأعيننا نرى ذلك، لنعلم أن في الكون مالك، وما ضيّع ملكه، لا الشرقي ولا الغربي، هو ربّ (الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) [المعارج:40]، هو رب المشارق والمغارب، جلّ جلاله وتعالى في علاه:
يقول الله هذا الذي حصل، ومازال ما أعددت لهم من الخير والنعيم في الآخرة أكبر.
قال جلَّ جلاله: (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْاۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109))، هذا الأمر الحاصل في الدنيا:
يحصل في الدنيا، أنّ الله يخزي الظالمين والكافرين والفاسقين، المعاندين، المضادين، المؤذين، الصادين عن سبيل الله، هذا أمر لابد منه؛ ولكن ما في الآخرة هو للمؤمنين خير وهو للكفار أشد وأعظم، (تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا ۖ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) [الرعد:35].
كما يقول الحق جل جلاله وتعالى في علاه، وهو يذكّرنا هذه الحقائق، يقول سبحانه وتعالى جلَّ جلاله وتعالى في علاه: (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ)، ما أحد يحميهم ولا يحرسهم من الله؛ إن جاء فيضان، وإن جاء فيروس، وإن جاءت زلزلة، وإن جاءت أمطار لا يقدرون على دفعها عنهم، ما أحد لهم من الله من واق، (وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ * مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا ۖ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) [الرعد:33-35]، اللّهمّ اجْعلنا من المتقين، واجْعل مآلنا الجنّة.
تفسير قوله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110))
يقول تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ)، يعني الظروف تمرّ بالناس فيها ابْتلاء وفيها اخْتبار وفيها شدائد، لهؤلاء المنصورين المؤيَّدين من الأنبياء أهل البصيرة الذين معهم الحجّة: (وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ) -يعني الواحد من الرسل- (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)، بمنظار الله، (قَرِيبٌ) [البقرة:214]؛ والإنسان مستعجل يرى الأمور، وأين، وإلى متى، حتى يتشكّك بعض أتباع الأنبياء في النّصرة: أنُنصر أم لا؟ ويظن بعض الكفار أن الأنبياء كذبوا عليهم، فيما هددوهم به من سوء العاقبة.
بعد هذا الاختبار وشدّته يجيء نصر الله: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ)، من قومهم أن يؤمنوا، كما قال نوح: (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) [نوح:27]، لا أحد منهم يؤمن، (اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا)،
(حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا)؛ فماذا حصل؟ عاصفة آخذة، غاشية، تغشى الناس، لا يستطيعون الخلاص منها، (فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ)، وفي قول: (فَنُنْجِي مَن نَّشَاءُ).
ما الذي أفْهَمْهم (مَن نَّشَاءُ)؟ لأنه معلوم من الذي يشاء؛ إنهم الرسل وأتباعهم، لا أحد غيرهم، هؤلاء الذين ينجون، هم الذين ينجون فقط..
الريح هبّت على قوم النبي هود، كيف كانت تدمّر الكفار ومساكنهم؟ ولم تدمِّر هود وقومه -المؤمنين- ما تدمرهم، لا، ما تدمرهم- عجيب!!- وهم في أرض واحدة، لكنها تجري بأمر خالقها.
وهكذا مطر نزل في بدر:
هو مطر واحد في مكان واحد؛ يُثبِّت أقدام هؤلاء، وهؤلاء تُزلزل أقدامهم! هؤلاء ينتفعون به، وهؤلاء يتضررون به، سبحان القوي، سبحان القادر، سبحان المدبر.
قال: (فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ)، وهؤلاء من الذي تنجيهم؟ قال: (وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110))، ليس هناك في الوجود قوة تقدر على أن ترد وتكف بأسنا -شدتنا ونقمتنا- عن القوم المجرمين، لا أحد سيدفعها عنهم، لا أحد يقدر يدافع عنهم: (وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ):
تفسير قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111))
(وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا) -شدتنا- (عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ)، هؤلاء الأنبياء والمرسلين ومنهم يوسف وإخوته، (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ):
(مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ):
اللهم مكننا في الإيمان وأجمع لنا معاني الرحمة والهدى والنور والصلاح والفلاح والنجاح برحمتك يا أرحم الراحمين، وارزقنا إدراك تفصيل كل شيء كما فصّلته، وتعلم كل شيء كما عَلّمته، كما أرسلت به خير من علمت من بريتك، من خاطبته بقولك: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء:113].
فيا ذا الفضل العظيم، بنبيِّك العظيم، انظر إلى أمَّته، وادفع عنهم البلايا والرزايا، والآفات والعاهات الظاهرة والخفيَّات. يامجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات، يا ربَّ الأرَضين والسماوات. لا تَكِلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحدٍ من خلقك طرفة عين، وعاملنا بما أنت أهلُه. وأرنا نصر نبيِّ الهدى في جميع مشارق الأرض ومغاربها، فيما خَفِيَ وفيما بَدَا. واجعلنا وأهل المجلس والحاضرين والسامعين من أنصارك وأنصار رسولك، المستضيئين بأنوارك، (عَلَىٰ بَصِيرَةٍ) فيما نقول وفيما نفعل، مقتدين بسَيِّدِ أهل البصيرة، داخلين في تلك القطيرة، لا تخرجنا عنهم، ولا تباعد بيننا وبينهم، حتى تجمعنا وإياهم في دار الكرامة وأنت رَاضٍ عنا.
بحق محمد، احشرنا في زمرة النَّبيِّ محمد ﷺ، وأوردنا حوضَه المورود، وأظِلَّنا بظلِّ لوائه المَعْقُود، وأدخلنا معه يا بَرُّ يا ودود، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
بسر الفاتحة
وإلى حضرة النبي الأمين
اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله
الفاتحة
24 ذو الحِجّة 1442