تفسير سورة يوسف - 16 - من قوله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ..)، الآية: 100

تفسير سورة يوسف، من قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ..}، الآية: 100
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى: 

﷽

(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) ۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107) قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • صدق الوحي وحتمية تحقق وعد الله:
    • تحقق رؤيا يوسف وشهود فضل الله ولطفه.
    • حقيقة المُلك وسؤال حُسن الخاتمة.
    • الرغبة الإيمانية في اللحوق بالصالحين.
    • قصص الأنبياء وحيٌ معصوم.
  • حرص النبي ﷺ ومنهج الدعوة:
    • الدعوة بغير أجر والاعتبار بآيات الله.
    • مراتب الشرك والتحذير من الغواشي.
    • سبيل المصطفى ﷺ والدعوة على بصيرة.

نص الدرس:

الحمد لله مُكرمُنا بالوحي والتنزيل، والدلالةِ على لسانِ أكرمِ وخيرِ دليل، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك المصطفى الجليل سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه خير جيل، وعلى مَن والاهم فيك واتَّبعهم في أقوم سبيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلين، أهل التَّكرِمة والتبجيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقَرَبين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياأرحم الراحمين يا وليُّ يا كَفيل يا وَكيل. 

أما بعدُ ،،،

تفسير قوله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100))

 فإنَّنا في تأمل كلام ربنا -جلَّ جلاله- وتعليماتِه إيّانا وهدايِته لنا وتبيينهِ الحق، مررنا على سورة سيدنا يوسُف وقصة سيدنا يوسُف حتى انتهينا إلى أواخرها: 

  • وما جَمَعَ الله مِن الشمل بين يوسف ويعقوب، وما هدى إخوتهُ للمسلَك الأمثل اللائق، وما كان من الفيض الواسِع والعطاء الرحماني المُتدفق. 
  • (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ)، أبواه: الشمس والقمر، وإخوتُه: أحدَى عشر كوْكب، (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف:4]. 

(هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ)، وقلنا: 

  • ما جاء من طريق وحي الله، فهو الذي يجب أن يوضع موضع الجزمِ والإيقان والتحقيق، وإن طال الأمدُ في بروزِ تحقيقهِ إلى زمنٍ طويل: (هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ).
  • أما ما يأتي من تحليلات الناس، ونتائج تفْكيراتهم ومُلابسات الأحوال، وما يستنتجُونه منه، فمنه ما يحصلُ -أو قريب منه- أو لا يحصل أصلًا، أو يحصل عكسه، في كثير مِن توقعاتهم، وكثير من تحليلاتهم في هذا العالم. 

   لكن ما جاء: 

  • من طريق الوحي. 
  • من طريق الأنبياء. 
  • من طريق أصفياء الرحمن عبر الإلهام. 

فهو كما هو: 

  • ولابد أن يتحقق وإن طال المدى. 
  • ولا يمكنُ أن يتخلف، ولا أن يكون غيره.

فسبحان أصدق القائلين، وصلى الله على عبده الذي لا ينطق عن الهوى، وعلى أنبياء الله والمُرسلين المؤيدين بالوحي . 

يقول: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي) -وشهود الإحسان من الله في كل شأن-.

(إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ)، حيث تعيشون في فلسطين في فسيحٍ مِن الأرض، حولكم المواشي،

(وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)؛ أفسد وأوقع الحسد، والبغضاء.

(مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ)، ولا يكون إلَّا ما يشاء وما شاؤهُ تحقق ، ولو من وراء عقول جميع الخلق، (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)).

 

 تفسير قوله تعالى: (۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101))

وأخذ سيدنا يوسف في الدعاء والتضرُّع، وكذلك شأن الأنبياء وأتباع الأنبياء، جعلنا الله من أتباعهم حقيقة. كثرة الالتجاء إلى الله والتضرُّع والابتهال والدعاء، اعتمادًا عليه واستنادًا إليه، وإيقانًا بأنه لا حول ولا قوة إلَّا به، وما توفيقي إلَّا بالله.

ويقول في دعائه: (۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ)،

(قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ) بـ(مِنَ) التبعيضية، أي شيء من المُلك في هذه الحياة.. فإن المُلْك لا يستقل به مخلوق أصلًا: 

  • وغاية ما يصل إليه المخلوق في بقعة معينة، وزمن معين، على قوم مخصوصين: أن يَتَمَلَّك عليهم إلى أجل مخصوص في شؤون مخصوصة،  
  • وحقائق المُلْك لا يصح أن تكون إلَّا لواحد هو الله: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الملك:1]. 

وكلُّ مَن مَلك من الملوك؛ في الآدميين، في البشر في الناس: 

  • لا يملك أحوال جسده بنفسه. 
  • ولا يملِك أن يسيِر أهل مملكته على ما يُريده في كل شيء. 
  • ولا يملِك شأن تغيير الطقس، ولا الهواء ولا الجو في منازله، ولا في بلدتِه ولا في مملكته. 

فالمُلك صوريٌ لغير الله في أجزاء مخصوصة من إنفاذ الأمر، والقُدرة على التأثير، وعلى إنفاذ المُراد إلى حدٍ محدود؛ هذا هو المُلك!. 

فكل المُلك الخلقي: 

  1. مجازي ويسير وقليل ومحصور. 
  2. ثم هذا المُلك المجازي المحصور، لا يستقل به أحد من الخَلِق أنفسهم:
    • ولكن في بُقَع، في أوقات، لِأقوام مخصُوصين يكون مُلك. 
    • ثم فيما عدا ذلك لا مُلك،  فإذًا لابد أن يأتيَ بمن: (آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ).

   وأعلى المُلك ما يُملِّك الله محبوبيه نفوسهم بقوةِ ما يؤتيهم من الإيمان، والعقل حتى يقهروا نُفوسهم ويُخضِعوها لأمر الله، ويغْلِبوا أهواءهم: 

  • وهذا من أعلى معاني المُلك، وإنما ينتهي إلى القِمَّة فيه المعْصومون من الأنبياء وأعلاهم فيه رتبة سيدهم الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين . 
  • ثم كان الميزان لرُسوخ القَدم في هذا المُلك العظيم المعنوي، أن يكون الهوى تبعًا لما جاء به هذا المصطفى ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه  تبعًا لما جئتُ به"، صلوات ربي وسلامه عليه. 

يقول: (۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ)، معاني ما أنزلتَ على الأنبياء، وما جعلتَ من دلالاتٍ في المرائي، فجعلتُ أُفسِّرُها، وأُنْبئُ بتأويلها، (وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ):

  • أي يا فاطر السماوات والأرض- (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) مُنشئها وخالِقها ومُوجدها.
  • (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، قال ابن عباس: وكنت لا أعلم معنى الفاطر حتى تحاكم إليَّ بعض الأعراب في بئر، فقال أحدهم أنا فَطَرتُها، أنا فطرتها وشققْتُها وعملت فيها وعملت. 
  • (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) -مُنشئهُما من العدم-.
  • (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، الذي أعتمدُ عليك وأسْتند إليك، تتولاني بعنايتك ورعايتك فتَقيني الأسْواء. (أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).

تَوَفَّنِي مُسْلِما: 

  • وهذه هموم الأنبياء، وأتباع الأنبياء: 
    • أن يُتَوفَّوا على الدين الذي ارتضاه الله، على الإسلام. 
    • أن لا تزيغ قلوبهم: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران:8]. 
  • (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا)، أي اجعل وفاتي حين تتوفاني وأنا على الإسلام، متحققًا بحقيقة الإسلام. 

(تَوَفَّنِي مُسْلِمًا)؛ وبهذا نعلم أن الإسلام دين الله لجميع أنبيائه ولجميع الصالحين من عباده من عهد آدم إلى عيسى ابن مريم إلى النبي محمد، فكلهم مسلمون: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) [المائدة:44].

 (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)): 

  • توفَّني على دين الإسلام، أي اجعل وفاتي حين تتوفاني وأنا على ملة الإسلام. 
  • الانقياد لك ولِأمرك، لا يطغى عليَّ هوى، ولا أُستعبد من قِبَل غيرك فأُطيع أحدًا من خَلقك فيما يُخالف أمرك كائنًا مَن كان؛ هذا الإسلام.

(تَوَفَّنِي مُسْلِمًا): 

  • مُنقادًا لأمرك، مُستسلمًا لحكمك، مُمتثلًا لأوامرك، مجتنبًا لنواهِيك. 
  • مُنقادًا خاضعًا (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا). 
  • (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا): مُستسلمًا، خاضعًا، مُنْقادًا، تابعًا لأمرك. 

(تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ): 

  • وهذه دعوة نبي، كما تقدَّم معنا عن ألسُن غيره من الأنبياء، دعوة الدخول في الصالحين والَّلُحوق بالصالحين. 
  • والأنبياء هم من أصلح الصالحين، والصالحون يُطلق على غيرهم من أتباعهم المؤمنين المستقيمين. 

فكيف وهو في الرُتبة العليا -النبوة- ويطلب اللحوق بالصالحين؟!

نقول الصالحين.. 

  • يشمل الكل، وأراد بالصالحين هنا آباؤهُ من الأنبياء والمرسلين الذين تقدموا وقال عنهم فيما تقدم في قصته: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) [يوسف:38].
  • (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)؛ فطلب اللحوق بالصالحين رغبة إيمانية ملازمة للإيمان، كل مَن آمن، على قدر إيمانه يشتد رغبته في أن يلحق بالصالحين، وأن يدخل مع الصالحين. 

وقرأنا.. 

  • كلام سيدنا إبراهيم -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- وهو خليل الله، أفضل الأنبياء بعد النبي محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، وهو نفس الشيء يطلب الدخول في الصَّالحين -صلوات الله وسلامه عليه- فيقول سيدنا إبراهيم عليه السلام: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [الشعراء:83]. 
  • وهو نفس الطلب الذي طلبه سيدنا سليمان عليه السلام: وقد حُشر له جُند من الجن والإنس والطير وهُم يوزعون، و قالت نملة: (ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ)، (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) [النمل: 18-19]. 

يا رب ألحقنا بالصالحين وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

في هذا: 

  • انتزاعُ كَلاليبِ إبليس من الميلِ بالقلوب إلى أحد مِن المُفسدين والغافلين والبعيدين عن الله. 
  • تمنِّي اللحوق بأحد منهم بالمحبة لهم، أو الميلِ إلى منهجهم: (أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).

الذي تركَّز في قلبه إرادة اللحوق بالصالحين: 

  • لا يتمنَّى أن يكون كمثلِ ذاك، أو ذاك من كل فاسد، وكل مُجرم، وكل فاسق كائنين مَن كان. 
  • بل هو مُتبرئٌ مِن ولائهم، أو من مودتهم، ويُحب اللحوق بالصالحين. 

فأولى أن لا يعتز باتباع أحد غير الأنبياء والصالحين، ولا أن يرغب في مُشابهة أحد غير الأنبياء والصالحين؛ لا في قول، ولا في زي، ولا في لباس، ولا في حِلاقة، ولا في أكل ولا في شرب، ولا في حركة.. 

  • إن كانت هناك رغبة في مشابهة فلِلأنبياء والصالحين. 
  • إن كانت هنا قدوة فالأنبياء والصالحون. 
  • إن كانت رغبة في لقاء، أو مرافقة فللأنبياء وللصالحين وحدهم. 

كذلك يَتمُّ الإيمان في القلب، ويقوى فيه ويتهيأ للمُرافقة في دار المُقامة.

قال سيدنا يوسف: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(101)).

 

تفسير قوله تعالى: (ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102))

قال ربنا لِحبيبه محمد:

  • (ذَٰلِكَ) الذي تلونا عليك من أخبار يوسف وأبيه وإخوته والرسل، (مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ) كانت غائبة عنكم، ليس عندك، ولا فيمن جالستهم مَن يدري بها، ولا مَن يتلوها. 
  • (ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) مِن عندنا، بعلمنا، كما أحدثنا، وأوْقعنا نُحَدِّثُك عما كان من فعلنا حقَا صدقًا لا ريب فيه ولا لَبس. 

(ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ) حاضرًا بشخصك الكريم وجسدك المبارك، (إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ) -على وضع يوسف في الجُب- (وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102))، أنواع المَكر في الكذِب على أبيهم والتخطيط لِما حاولوا.

  

 تفسير قوله تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103))

يقول له تعالى: هذا (مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ)، أوحيناه إليك من عندنا، ومع ما أيدناك به من الدلائل الواضحة، وهذه القَصَصَ التي يجدون أصلها في الكتب السابقة أيضًا، علماء اليهود وعلماء النصارى، يجدونها مطابقة لما لَم يُحَرَّف ويبدَّل عندهم من كلام التوراة والإنجيل.

ومع ذلك كله فمهما حرصت على إيمانهم والدلائل واضحة: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)):

  • لكن أنت مُتَعَبَّد بهذا الحرص، وأنت القدوة لأمتك في الحرص على إيمان الناس، أما أن أكثرهم لا يؤمنون فهذا شؤون أُلوهية في العباد لا دخل للخلق فيها، يهدي مَن يشاء ويُضل مَن يشاء. 
  • لكن علينا أن نحرص كما حرص نبينا على الهداية للناس كلِهم، والله يهدي مَن يشاء؛ ونحن نوقِن أننا لا نستطيع هداية أنفسنا.. 

والله لولا الله ما اهتدينا *** ولا تصدقنا ولا صلَّينا

ولكن بتوفيقه وبفضله، فكذلك نحرص على هداية خَلقه بكل ما شرع لنا من الوسائل، وسبَّب من الأسباب، والأمر له من بعد ذلك، فإنه يضل مَن يشاء ويهدي مَن يشاء. 

ويَدخُل الناس في دين الله أفواجًا في فترات، ويخرجون من دين الله أفواجًا كذلك في مُدَدْ وأوْقات معينة. ويَعُم الإسلام وحُكمُهُ في وقت من الأوقات؛ شرق الأرض وغربها حتى لا يبقى بيت على ظهر الأرض إلَّا ودين الله فيه، ويخرج من كثير من البيوت كانت مسلمة في شيء من الأوقات وفي شيء من الجهات، والأمر لله. اللهم اهدنا وثبتّنا وتوفنا مسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

 رب أحينا شاكرين *** وتوفنا مسلمين 

نُبعث من الآمنين *** في زمرة السابقين

 يا أرحم الراحمين

 

 تفسير قوله تعالى: (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (104))

(وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)، فقد اقتضت الحِكمة أن يكفر، وأن يَجحَد أكثر الناس مع الدلائل الواضحة، مع الحُجج والبراهين، مع إرسال الرُسل وإنزال الكتب؛ يكفرون ويعاندون ويجحدون ويكذّبون: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ)، حتى تنبعث الشكوك فيهم؛ بل ما جئت إلَّا رحمة من عندنا لهم ولإنقاذِهم..

  • مَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ: على إرشادهم، على دلالتهم على الحق، على تبلِيغهم أمر ربِّك.
  • مَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ: لا تريد منهم شيئا قليلًا ولا كثيرًا، إنما تريد هدايتهم وإصلاحهم وإرشادهم؛

ليفوزوا بفضل الحق -سبحانه وتعالى- وبقربه وبجوده وبإحسانه وبمنِّه عليهم -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، كما يقول -جلَّ جلاله- في الآية الأخرى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا)، إلَّا إذا أردتم الوصول إلى ربكم، وأردْتم حيازة السعادة بقربه والدخول في رحمته، (إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا) [الفرقان:57].

(وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (104))، فأنت تُبلِّغُهم هذا الكتاب والوحي ولا تطلب منهم أجرًا مُقابل ذلك، ولكنك تحمل لهم الذِّكر للحقيقة والتذكير بالحق والإرشاد إلى سواء الطريق. 

 

تفسير قوله تعالى: (وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105))

(إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ)؛ جميع الإنس والجن (وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)): 

  • دلائل واضحات تدل على عظمة الخالق المكوِّن، وترتيبات وتخطيطات لهم تبطل وتدلهم على أن وراء تدبيرهم تدبير، وأن فوق تقديرهم تقدير: 
    • ومع ذلك لا يتراجعون، وعواقب حاصِلة من وقت إلى وقت، ومن أمة إلى أمة، ومع ذلك لا يَرجِعون. 
  • ودلائل قاطعة في معجزاتك التي جئتهم بها، ولكنهم يعرضون عن كل ذلك: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ *  وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) [القمر:1-3].

(وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ)، لا يتفكَّرون في حقيقتها، ولا في دلالتها، آيات واضحات بينات، كلما تتبع أحد منهم، سواء في البحار، أو الجيولوجيا في الأرض، أو في الفضاء وشؤون الكواكب والعالَم،؛ كل الذين تتبعوا منهم أيقنوا أن هناك قوة تُسيِّر وتُقَدِر وتُدبِّر؛ قوَّة خفية، آمِنوا! هذا الذي دعاكم إليه الأنبياء، هذا الذي دعاكم إليه محمد، هذا الذي يدعوكم إليه خيار المسلمين، آمِنوا بهذا الإله، القوة الخفية التي أوجدت كل هذا النظام وهذا التكوين البديع، هو الله، لا شيء غيره -سبحانه وتعالى-، لكن (يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ)، ولا يستسلمون، ولا يُذعِنون، ولا يَخضعون؛ لما في نفوسهم من الشهوة والهوى، والكِبر وإرادة الدنيا. 

 

 تفسير قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (106))

(وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ) -كم؟- (مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (106))، فمنهم طوائف المشركين الذين يعبدون الأصنام.. 

  • مَن خَلَقكم؟ يقولون الله. 
  • مَن خلق السماوات؟ يقولون: الله. 
  • مَن خلق الأرض؟ يقولون: الله. 
  • مَن يرزقكم من السموات؟ يقولون: الله. 

فآمنوا به وحده! يأتون للحج يقولون: لبيك لا شريك لك، لبيك إلَّا شريكَا هو لك! إلَّا شريكًا هو لك! وكان النبي ﷺ يوم الحج مِن قبل الوحي، وبعد نزول الوحي عليه يَسمعهم لمَّا يُلَّبون يقولون: لا شريك لك.

يقول: قَطْ قَطْ، قط قط، قِفوا هنا، يقومون يزيدون مِن عندهم: إلَّا شريكًا هو لك!. لاشريك لك إلَّا شريك واحد، تَملِكهُ وما مَلَك -والعياذ بالله تعالى- (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ(106)).

ووقت الرخاء؛ هم وآلهتهم -الأصنام-، فإذا وقعوا في الشدة كحالتهم عند هيجان الأمواج في البحار والريح الشديدة، لا يذكرون هُبل ولا الَّلات ولا العزى، ولا شيء من أصنامهم، ويُخلِصون لله وحده: يا الله.. يا الله.. يا الله، يدعون الله وحده وقت الشدائد، فإذا جاء وقت الرخاء إذا هم مشركون.

(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ)؛ هذا ما يتعلَّق: 

  • بالشرك الأكبر، وهو اعتقاد أن هناك إله غير الله -جلَّ جلاله، لا إله إلَّا الله-. 
  • ويليه الشرك الأصغر: 
    • الشرك الأصغر قصدُ الخَلق بشيء من عبادة الحق، توهُم استقلال الخَلق بنفع، أو ضر، والاعتماد عليهم والاستناد إليهم، ومُراءاتهم بالعبادات. 
    • وهذا أخفى من دبيب النمل في الأمة، وإنما يَسلم منه الأصفياء أهل الإخلاص الكامل التام، ألحقنا الله بهم (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) [البينة:5].

 (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ)، شيء يتغشاهم وينتشر بينهم، والحق تعالى يُذَكِّرهُم؛ أحيانًا فيضانات، أحيانًا زلزلة، وأحيانًا كورونا، وأحيانًا غيرها، يُذَكِّرهم.

وإذا جاءتهم لا تترك مستشفى، ولا تحترز من دار رئاسة، ولا تذر من مقر وزارة، كله سواء، تأتي للكل ولا شيء فَرْق عندها بين رئيس الوزراء، ولا بين مُكَنِّس في الشارع، ولا بين هذا.. ولربما هذا سَلِم وذاك أصابه، وأنواع من العذاب يتغشَّى ويشمل الكُل، لا يقدر أحد يدفعه؛ الريح تأتيهم وتُخرِّب عليهم أشياء كثيرة ما يقدرون على دفعها، الفيضانات تأتيهم ما يقدرون على دفعها.

وهذه الآية التي بين أيديهم الآن، مهما قضى بها مَن قضى غرضًا من الأغراض، لكنها آية من الآيات أمام الناس: كيف تمشي؟ وكيف تجري؟ وأين تشتد؟ وعلى مَن تكون؟ وكيف هزَّت كِيانات؟ وكيف غيرَّت مسارات؟ ليعلموا أن القوة للقوي.

ومن أين ابتدأت؟ من بلاد التقدم والتطور والطب، مِن عندهم جاءت! أو من بلاد الفقر؟! لا، ولا من البوادي، ولا من عند بلاد الفقر! جاءت من عندهم، والتي قبلها من الأمراض الخطيرة المُعدية كلها جاءت من عند مجتمعات الترقي، من عندهم تأتي!.. وهذه آيات.

(وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ)، لا زال نظر الإسلام لا شيء! عندنا تطور وتقدم! الأمراض عندكم، البلايا عندكم، المصائب من عندكم، وأسلحة الدمار عندكم، وأنتم السلميون، وأنتم المتقدمون، وأنتم المتطورون، والبلاء كله عندكم هذا! والإنقاذ هنا والإرشاد هنا والصلاح هنا، ماذا يعني هذا؟!

ما أدري أين وصل عقل الإنسان في القرن الحادي والعشرين؟ نفس خطة فرعون: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر:29]  وبقي فرعون على ذلك، منتظر البحر لكي يغرق فيه، وكم من بحر، وكم من فرعون قد غرقوا في بحورٍ كثيرة، ولكن وهم عنها معرِضونَ. (وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)).

 

تفسير قوله تعالى: (أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107))

(أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً)؛ ساعة أحدهم بموته، والساعة العامة التي لا تكون إلَّا بغتة وهم لا يشعرون: 

  • فساعات الأفراد كلٌّ بحضور أجله. 
  • وساعات جماعات بشيء من الغاشيات من أنواع العذاب تغشاهم. 
  • والساعة التي يَصعق بها مَن في السماوات والأرض في آخر الزمان تأتي بغتة: 
    • (لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) [الأعراف:187]. 
    • أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107)).

 

 قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108))

أعلِنْها يا محمد وقل: كلٍ يفكر كما شاء ويتصور ما شاء، إن المسلَك والمنهج أُعلنُ عنه الحق والهدى وحدهُ فيه: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ). 

إذا دعوتم إلى أنفسكم، وإلى شهواتكم، وإلى أغراضكم، أنا أدعُ إلى الله: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي). 

هذه طريقي وهذا منهجي وهذا مسلكي: أدعو إلى الله؛

  • لأُرشد الخَلق إلى خالقِهم وبارِئهم؛
  • لِيَحيَوا في الدنيا على الإيمان به والعمل بشريعته،
  • ويلقوهُ وهو راضٍ عنهم فيخلِّدهم في دار الكرامة والنعيم المقيم، (هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ).

(قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ)، وإلى ماذا تدعو الحضارات؟ 

  • إلى الشهوات، إلى الهوى! وعظَّموا الشهوات تعظيم وكأنهم خُلِقوا لها، أو كأنها هي التي خلقتهم -والعياذ بالله تعالى-. 
  • والأهواء والسُّلطات والتبجح، وشيء من هذه الأمور، يدعون إليها. 
  • لكن الأنبياء يدعوننا إلى الله، يدعوننا إلى الله الذي خلق، -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

(قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ)، على نور، على إدراكٍ للحقيقة، على هدىً، على حُجة وبرهان، على شهود وعيان (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)، بمعنيين يعني: 

  1. أدعو إلى الله (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)، أيضًا يدعو إلى الله؛ كل من اتبع محمد من حقه أن يحيا ويموت وهو داعٍ إلى الله: نفسه، وأهله، وأسرته، وقرابته، وجماعته، وأصحابه، وأهل زمنه، والأمة، (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي). 
  2. والثاني: أدعو إلى الله (هَٰذِهِ سَبِيلِي)، (عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)، قال: 
    • أنا وأتباعي على بصيرة، ما نبني أمورنا على وهم وخيال ونظريات تسمونها علمية وغير علمية، اليوم كذا وتصبح بعد ذلك كذا، وبعد ذلك يُكتشف اكتشاف آخر، ويقول: بَطَلَ هذا. 
    • أنا على بصيرة، على حق، على يقين، أنا وأتباعي، أتباعي ما يتبعون الأوهام، ما يتبعون الخيالات، يتبعون نور من عند الله جاء، يتبعون وحي عظيم لا يتخلف، ولا يتبدل، ولا يتغير.

(عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)، وأولُ أتباعه الرعيلُ الأول؛ وفي هذا ثناء عظيم على الأمة عامة، وعلى الرعيل الأول خاصة أنهم على بصيرة. 

(عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)، فأحق أن يُتَّبعوا كما قال في الآية الأخرى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ) [التوبة:100]، فأحق أن يُتَبَعوا، فنعم الأتباع لِمحمد.

رزقنا الله حسن اتِّباعه، وحشرنا في زمرته، وملأ قلوبنا بمحبته، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وكفانا وإياكم الأسواء والأدواء وكل بلوى، في السر والنجوى، وعجِّل بتفريج كروب الأمة وكشف الغمة عنا وعنهم، وجلى كل ظلمة، ودفع كل نقمة، وحوَّل الأحوال إلى أحسنها يارب، اجعلنا والحاضرين والسامعين على سبيل نبيك، وعلى بصيرة نبيك، مقتدين به مهتدين بهديه ،متبعين له، داعين إليك، على خير الوجوه وأجملها وأكملها وأفضلها وأحبها إليك وإلى رسولك وأرضاها لك ولرسولك، وأنفعها لعبادك، في خير ولطف وعافية.

وبسِرِّ الفاتحة

 إلى حضرة النبي محمد ﷺ

تاريخ النشر الهجري

19 ذو الحِجّة 1442

تاريخ النشر الميلادي

29 يوليو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام