(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:
﷽
(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) ۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101))
الحمد لله مُكرمنا بالقرآن وتَنزيلهِ وبَيانِه على لِسان عَبدِه وَحَبيبه وَرسولِه، سَيِدنا محمدٍ صلى الله وسلم وبارك وكَرَّمَ عَليه، وعلى آله وصحبه وأهل مُوالاته واقتِفائه واتباع سَبيله، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياءِ والمُرسلين خِيرة المولى سبحانه وتعالى وصفوتهِ من بريته فهم المُقَدمون في صغير الأمرِ وجَليله، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم والمَلائِكَة المُقَرَبين، وجَميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرمُ الأكرمين وأرحم الراحمين .
أما بعدُ،،،
تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96))
فإننا في تَأمُّلنا لِكلام ربنا وخِطابه إيّانا وتَعليمهِ لنا وبيانهِ وإرشادهِ فضلًا منه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، مَرَرنا في سورة يوسُف وقصة يوسف -عليه السلام- على قوله -سُبحانه وتعالى- حاكيًاعن يوسُفَ:
(إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96))، في واجبِ الناسِ مَع العِلم، وخصوصًا العِلم الذي مَصدَرُه مُتَلَقىً عن الحقِ -جلَّ جلاله- ومُتَعَلِقًا بِما بِهِ حَقائق صلاح الدارين؛ فهذا نوعٌ من العلمِ يَجب أن يُؤخذ عن أهله.
(أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96)):
(أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ومن جُملَةِ ذلكَ ما عَلَّمَهُ الله أن يوسُفَ لا يَزالُ حَيًا وأنه سَيَلتَقي بِه إلى غَير ذلك مما عَلَّمَهُ الله -جَلَّ جَلاله-.
تفسير قوله تعالى: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97))
(قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي (98))
(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي (98))، وفي هذا:
فَهؤلاء نَدِموا، وَهُم يَستَغفِرون:
تفسير قوله تعالى: (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98))
(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي (98)):
وأنه تَوَخّى وتَرَقَّب ساعات الإجابة؛ اعتِناءً بِشَأن الاستِغفار رَجاء الإجابة ورجاءَ المَغفِرَة؛ فـ(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي)، فَلِمَ أخّرَهُم؟
فَصادف لَيلَة عاشوراء ولَيلة الجُمعة وفي السَحَر:
أوقات إجابة يَجِب أَن يَكون لَها مِقدار عِندَ المُؤمِنين، ويَرفعوا حَوائِجهم إلى الله في أمثال هذه الأوقات وفي أمثال هذه المَظانِّ للاستجابة.
(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98))، ومع معرِفَتِهم بِمَغفِرَته ورَحمَته، فَهُم يُعَظِّمون الأمر ويُكثِرون الاستِغفار ويَتَوَخَونَ الأوقات المُناسِبة فالأمرُ كَبيرٌ عِندَهُم:
فَاحذَر أن تُحيطَ بِك خَطيئة من خَطاياك:
اللهم كَفِّر عَنا خَطايانا، واغفِر لَنا خَطايانا وذُنوبَنا وأوزارَنا يا حَيُ يا قَيوم.
ولما جَاءَ بَعضُهم عِندَ سَيدنا الحَسن البَصري من سادَة التَابِعين، فَقالوا: إنَ قَومًا يَتَناقَشون في القَضاء والقَدَر، قال: لَو أَهَمَتهُم ذُنوبُهُم ما خاضوا فيه!.
فهكذا يا أيها المؤمن المُذنِب، يَجِب أن تَهتَم بَذَنبِك: "فإن المُؤمن يَرى ذَنبه كالجَبَل فَوقَ رَأسه يَخاف مِن سُقوطه عَليه، وإنَ المُنافِق يَرَى ذَنبَهُ كَذُباب وَقَع على أنفِه، فَقال بِيَدِه هَكذا فَأطاره لا يُبالي بِه".
ولكن يَعظُم الذَنب عِندَ المُؤمِن؛ فَيَغفِر لَه العَظيم، ولا يَغفِر الذَنب العَظيم إلا العَظيم: (وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران:135].
((قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98))؛ فَأَخَّرَهُم حَتى جَاءَ السَحَر واستَغفَر لَهُم، ثُم جَاءَ بَعدَ ذلك في الأخبارِ أنَهُم تابَعوا الإلحاحَ في الاستِغفار إلى أن يَصِل خَبَر مِنَ الله مِنَ السَماء بِوَحيٍ إلى أبيهم أَنهُ قَد غَفَرَ لَهُم.
وتَقَدَمَ مَعَنا أنهُ جَاء في رِواية: أنَ البَشيرَ لَما أَلقاهُ على وجهه وارتد بَصيرا.
فَإنما كان يَخاف على ابنه مِن الزَيغ والانحِراف، ولا رَغبَةَ لَهُ في مُلكٍ ولا غَيره؛ وهكذا قُلوب الأنبِياء وقُلوب الصَادِقين مَع الله مِن أتباع الأنبِياء، جَعلنا الله من الصادقين مَعه في اتباع نَبِيه.
تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99))
قال: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ (99))، وذلك أنهُ لما سَمِعَ بِخَبَرِ وَفادَتِهم، وقال: (وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) [يوسف:93]:
ويَعقوب هو إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم، صلوات الله عليهم وعلى نبينا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
يقول فلما اقتَرَبوا من وُصولِهِم، وأشعَرَ يوسف مَلِك مِصر أنهُ خارِج لاستِقبال أبيه، فأمرَ جَميع وُجَهاء المَنطِقَة والدَولة أن يَخرُجوا لاستِقبال هذا النَبي، وقيلَ أنه خَرَجَ بِنَفسه المَلِك، وخَرَجَ مَع يوسف إلى خارِج مِصرَ مُتَلَقِّيًا لأبيه إكرامًا لَهُ فَخَرَجوا وَتَلَقَّوه.
(وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99))، قال لأبيه وإخوته ومن معهم:
(وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99))، ودَخَلوا حَتى وَصَلوا إلى البَيت والمُقام، وما أَعدَ لَهُم في بَيته فَدَخَلوا إلى مَسكَن يوسف -عليه السلام-.
تفسير قوله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100))
(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ (100)) اي: سَرير المُلك الذي كان يَجلِس عليه، وأجلَس عَليه أباه وأمه، وإن قال أكثر المُفسّرين إنها خالته وإن أمّه توفيت مِن قبل، لكن قال بعض أهل التفسير والتحقيق:
فعَظّم أبويه ورفَعهما على السرير: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) أبوه وأمه وإخوته:
ولم يزل الناس على التحية بالسجود إلى عيسى بن مريم -عليه السلام- فلما بُعِث نبينا:
وبذلك نعلم:
كما ذَكَر الحق بالنص القرآن الكريم: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)؛ هذا أبوه وأمه وهؤلاء أحد عشر إخوانه:
(هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ) صدقًا وواقعًا، لأشاهده بعيني:
(إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ (100)) ما ينبِسطُ من الأرض ويحِلُّ فيه قوم مع ماشِيتهم من أغنام أو أبقار وجِمال يقال لهم: بدو، ما كان مُنبسطا في الأرض يحل فيه القوم بمواشيهم، وقد كانوا يحِلّون كذلك في بعض بلاد فلسطين وفيها مكان نزولهم وحُلولِهم وفيها ماشيتهم.
وقال: (وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ) لا إله إلا الله، ونسب الأمر كله للرَّب: (أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي):
انظُر إلى اختياره الألفاظ:
(مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)، يعني أفسد بيننا وأظهر بيننا الشحناء والحسد.
(مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ) إذا شاء الأمر فهو اللطيف في تدبيّره وتقديّره وتسخيّره، وإيجاده على ما أراد -جلَّ جلاله- (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)).
تفسير قوله تعالى: ((۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101))
واشتغل بالتضرّع إلى الله: (۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)).
(۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ) مِن التسخير والتدبير، وما اتَّسعَ ممّا للإنسان فيه أمر، يقال له مُلك.
( قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ):
(وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ)، يا فاطر خالق مُنشِئ مُبدِئ السماوات والأرض لم يَشرَكهُ غيره فيها أحد أبدا؛ (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) [الأحقاف:4]:
ويجبُ على كل عاقلٍ أن يستعمل ما آتاه الله من سمع وبصر؛ فيُدرك أن والسماوات والأرض مخلوقةٍ لواحد أحد قوي قادر عظيم قاهر، أسمه الله -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-.
قال: (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي)، اعْتِمَادِي عَلَيْكَ، وَاسْتِنَادِي إِلَيْكَ:
(تَوَفَّنِي مُسْلِمًا) -ثابتًا على دين الإسلام- (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)):
وسيّدهم كلهم نبينا محمد..
اشتاق إلى مُرافقتهم وهو سيّدهم -عليه الصلاة والسلام- وكلهم مِن ورائه، ولا واحد منهم يدخل الجنة إلا بعده ﷺ: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ حَتَّى أَدْخُلَهَا أَنَا، وَحَرَّمَهَا عَلَى الأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِي" اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه.
وهذا دعاء سيدنا يوسف بعد أن آتاه الله ما آتاه، وتَوجّه إلى مولاه، واستعد للِقاه، وبقيَّ عنده أبوه بمِصر نحو بضعٍ وعشرين سنة، ونازله الموت فأوصاه:
وخرج سيدنا يوسف بنفسه وحَمَلَ أباه في تابوت وبعد أن جهَّزه بمصر إلى أن وصل به -أجساد الأنبياء لا تتغير ولا يأكُلها التراب- فوَصَل به بعد قطع هذه المسافة إلى ما يُسمى بالخليل؛ لأن فيها قبر سيدنا الخليل إبراهيم ويعقوب وإسحاق -عليه السلام- فقَبَره عند أبيه إسحاق، قال: إن أخاً له تُوفِّي يوم وصولِه بجسد سيدنا يعقوب -عليه السلام- فقُبِر معه في ذلك المكان.
ثم جاء سيدنا يوسف -عليه السلام-:
وكان قد وُلِد لسيدنا يوسُف -عليه السلام- من زُليخة ولدين وبنت، وكانت زوجة سيدنا أيوب ابنته: رحمة، كانت زوجة سيدنا أيوب عليه السلام الصابر القانت الأوّاب.
فلمّا أراد الخروج سيدنا موسى عليه السلام، قال: دُلُّوني على قبر يوسُف، وكانوا قد تنازعوا على قبره وكلٌ يريد في محلّته ومنزله، حتى كادوا أن يقتتلوا ثم تراجعوا، وقالوا: ضعوه في النيل، ويمرُّ على قبره الماء فيصل إلى جهة مصر كُلّها، فوضعوه هناك وقبروه، وطلع عليه النيل.
ومرت عليه فترة، ولم يبقَ في زمن سيدنا موسى عليه السلام إلا امرأة عجوز تُدرك محلَّ قبره تماما، فأراد أن يحمله معه إلى فلسطين حيث أوصى بذلك، فقالوا له ما نقدر نحدد لك مكان قبره لكن بقيت امرأة، قال: هاتوها، فأحضروها، فقالوا: هل تعرفين قبر يوسف؟ قالت: نعم، قالوا: دُلّينا عليه، قالت؛ بأَجرة أم بغير أَجرة، قالوا: بأَجرة، ماذا تريدين؟
واحدة زكيّة، وهِمّة عليّة، دعا الله لها، ورجعت شابّة وقويت، وفتح الله بصرها ونظرت، والثالثة همّ سيدنا موسى أن يتخلّف فأوحِي إليه اقبلها منها، قُل لها والثالثة، والثالثة مرافقته في الجنة، فما أعجب ما طلبت هذه العجوز!.
حتى يُذكر في سيرة نبينا ﷺ أنه لما جاءه يَطلبه بعض مَن وعدهم ﷺ قال: ماذا تريد؟ قال: كم؟ قال: يا رسول الله مئة من الغنم ووليدة، قال: لك مئة ووليدة، لكن صاحبة موسى أحسن طلبًا منك، تلك طلبت أحسن، طلبت مرافقة في الجنة، وهذا طلب أشياء من الدنيا، أعطاه إياها الرسول ﷺ.
يقول:
وهذه سنة الله في الوجود، وهذه أنباء الحق والصدق: (ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ (102)).
فالله يرزقنا الإيمان واليقين والإخلاص والقبول، ويبارك لنا والأمة في هذه الأيام والليالي وفي جميع ليالينا وأيامنا.
اللهم إنها ليالي العشر، فأجزِل لنا فيها الأجر، وطهّر لنا فيها الصدر، ونقِّنا من كل غش ووِزر، وضاعف لنا منك الهبات، وأجزِل العطيات، وارزقنا الأعمال الصالحات، والإكثار من التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير، ووفِّرحظنا من ليلة عرفة ويوم عرفة وليلة التروية ويوم التروية، ومن ليلة العيد ويوم العيد ومن أيام التشريق: إنها الأيام المعلومات ثم الأيام المعدودات، ووفرحظّنا فيها من الخيرات.
وافتح أبواب الفرج للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، ياكافيَ المُهِمّات، يا كاشف البليّات، يا دافع المَضرّات، يا رب الأرض والسماوات، يا حي يا قيوم يا رحمن يا رحيم يا الله.
بوجاهة نبيك المصطفى محمد ﷺ، اغفر ذنوبنا، واستُر عيوبنا، ووفِّر حظنا من هذه الليالي والأيام، واجعلها مفتاح خيرٍ لأهل الإسلام في كل خاص وفي كل عام، يا قوي يا متين بيدك الأمر كله، عجِّل بتفريج كروب المسلمين، واكفنا شر الظالمين، وأعِذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وبلِّغنا فوق أمالنا في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
04 ذو الحِجّة 1442