تفسير سورة يوسف - 15 - من قوله تعالى: (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً..)، الآية: 93

تفسير سورة يوسف، من قوله تعالى: {اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً..}، الآية: 93
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى: 

﷽

(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) ۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • منزلة العلم والتسليم لأهل الفضل.
  • المسلك القويم في الاستغفار وتحري ساعات الإجابة.
  • وصول يعقوب عليه السلام وأهله إلى مصر:
    • رفع الأبوين وسجود التحية في الشرائع السابقة.
    • تحقيق الرؤيا وكمال أدب يوسف عليه السلام.
    • تضرع يوسف عليه السلام وطلب حسن الخاتمة.
  • سنة الأنبياء في طلب مرافقة الصالحين.
  • قصة عجوز بني إسرائيل وعلو الهمة.

نص الدرس:

الحمد لله مُكرمنا بالقرآن وتَنزيلهِ وبَيانِه على لِسان عَبدِه وَحَبيبه وَرسولِه، سَيِدنا محمدٍ صلى الله وسلم وبارك وكَرَّمَ عَليه، وعلى آله وصحبه وأهل مُوالاته واقتِفائه واتباع سَبيله، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياءِ والمُرسلين خِيرة المولى سبحانه وتعالى وصفوتهِ من بريته فهم المُقَدمون في صغير الأمرِ وجَليله، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم والمَلائِكَة المُقَرَبين، وجَميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرمُ الأكرمين وأرحم الراحمين .

أما بعدُ،،، 

تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96))

فإننا في تَأمُّلنا لِكلام ربنا وخِطابه إيّانا وتَعليمهِ لنا وبيانهِ وإرشادهِ فضلًا منه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، مَرَرنا في سورة يوسُف وقصة يوسف -عليه السلام- على قوله -سُبحانه وتعالى- حاكيًاعن يوسُفَ:

  • إذ قال لإخوته: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ) خَرَجَت من حُدود مِصرَ، شَمَّ الريحُ سَيدنا يَعقوب، (قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ (94)) أي تَنسبوني إلى الجُنونِ والهَرَم، وتقولون كيف تَجد روح يوسف؟!.
  • (فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا (96))، ويُقال أَنّ البَشير هذا أَخوه الذي كان حَمَل القَميص بالدَم الكَذِب سابقاً، وقال: هاتوا القميص؛ أُكَفِّرُ عَما كان مِني، جئتُ أبي بِقَميص وقُلت إنهُ قَد مات، والآن سَأحمل لَه قَميصهُ بِحَقٍ وصِدقٍ وأُبَشِّرهُ أن وَلَدهُ حَي، فَعَسى أن يُكَفِّر ذلك ما كان مِني .
  • (فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ) أي القميص (عَلَىٰ وَجْهِهِ): وجه سَيدنا يَعقوب -عليه السلام- (فَارْتَدَّ بَصِيرًا) عادَ بصيرًا كما كان؛ أي ذهبت الغِشاوة التي طَلَعَت على عَينِه بِسَبَبِ الحُزنِ وكثرةِ البُكاء على يوسف -عليه السلام-.
  • (فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ (96))  -قال لِبَنيه- (أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96)) وفي هذا: 
    • أَن الله -سبحانه وتعالى: يُعَلِّمُ عِبادَه، ووَصف العِلم مُطلَق، وقد يوجد عند المَفضولِ ما لا يوجَدُ عِندَ الفاضِل من العِلم بالأشياء. 
    • أما العِلمُ بِصفات الله تعالى وآياتهِ وأفعالهِ وأسمائهِ، فَتَكونُ عِندَ مَن هو أفضل ما هو أجزَل. 
    • وبعد ذلِكَ صِفَةُ العِلم الإطلاق، ولا يُحيط بالعِلم إلا هو جلَّ جلاله: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255].

(إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96))، في واجبِ الناسِ مَع العِلم، وخصوصًا العِلم الذي مَصدَرُه مُتَلَقىً عن الحقِ -جلَّ جلاله- ومُتَعَلِقًا بِما بِهِ حَقائق صلاح الدارين؛ فهذا نوعٌ من العلمِ يَجب أن يُؤخذ عن أهله. 

  • وإذا وَجَدنا أحدًا مِن أهله وَجَب أن نُحسِن الاستِسلام والانقياد. 
  • وأن نَأخُذ بهذا العِلم بالقوة مأخَذَ الجِد والتَعظيمِ.

 (أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96)): 

  • وفي هذا العِلمِ يَقول سَيِدنا الخَليل إبراهيم لأَبيه: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) [مريم:43].  
  • فكان من الواجبِ أن يُسَلِّمَ الأولادُ ويَعرِفوا قَدرَ أبيهم -عليه سلام الله تبارك وتعالى - ويَتّبِعوهُ ويُحسِنوا بِرَّهُ.

(أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ومن جُملَةِ ذلكَ ما عَلَّمَهُ الله أن يوسُفَ لا يَزالُ حَيًا وأنه سَيَلتَقي بِه إلى غَير ذلك مما عَلَّمَهُ الله -جَلَّ جَلاله-.

 

تفسير قوله تعالى: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97))

(قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي (98))

  •  (اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)  اطلُب الغُفران لَنا مِن رَبِنا الغَفار -جَلَّ جَلاله-. 
  • (إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97))

(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي (98))، وفي هذا: 

  • المَسلَكُ القَويم في التَحَرُّز عَن الذُنوب والتَطَهّر منها والتَنَقّي مِن شَرِّها. 
  • وأن لا تَتَساهل بِذَنبٍ وَقَعتَ فيه، ولكِن اعتَني بالتَنَقّي عَنهُ والتَنَزُّه مِنهُ. 
  • واطلُب الإستِغفارَ مِمَن لَهُ قَدرٌ وَمَكانَةً عند الغَفارِ -جَلَّ جَلالُه-.

فَهؤلاء نَدِموا، وَهُم يَستَغفِرون: 

  • لكن طَلَبوا الاستِغفارَ من أَبيهم: (يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97)): أَخطأنا في المُعامَلة مَعَك وَمَع أَخينا يُوسف، وأَسأنا وقَصَّرنا في حَقِك وفي حَق أخينا. 
  • (إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) فكانَ الاعتِراف، ومن تَعظيمِ الأَمرِ والهَيبَةِ لَهُ عادوا إلى الرَّبِ واستَغفَروه، وطَلَبوا مِن أَبيهم أَن يَستَغفِر لَهُم؛ لِيَكون ذلك أرجى في القَبولِ عِندَ الله تَعالى؛ فَيَستَرحِم لَهُم الرَحمن وَيَستَغفِرُ لَهُم.

 

 تفسير قوله تعالى: (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98))  

(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي (98)): 

  • مَسلَكٌ مَعلومٌ أَنَهُ يُهتَمّ بِشَأن الذَنبِ والتَنقّي مِنه، والخُروجِ من شَرِه وبَلائه. 
  • وأنه يُطلَبُ مِنهُ الإستِغفارُ مِن ذَوي الفَضلِ والإحسان. 
  • وأنهم يُلَبون شَأن مَن طَلَب ذلكَ الإستغفار (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي). 

وأنه تَوَخّى وتَرَقَّب ساعات الإجابة؛ اعتِناءً بِشَأن الاستِغفار رَجاء الإجابة ورجاءَ المَغفِرَة؛ فـ(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي)، فَلِمَ أخّرَهُم؟

  •  أخَرَهم مِن أَجلِ وَقت السَحَر. 
  • ومِن طَلَب لَيلَة الجُمعة، فَكَان لَيلَة السَحَر لَيلَة الجُمعَة. 
  • وجَاء في رِوايات عن بَعض أهلِ العِلم أنه كان أيضًا لَيلَة عاشوراء. 

فَصادف لَيلَة عاشوراء ولَيلة الجُمعة وفي السَحَر: 

أوقات إجابة يَجِب أَن يَكون لَها مِقدار عِندَ المُؤمِنين، ويَرفعوا حَوائِجهم إلى الله في أمثال هذه الأوقات وفي أمثال هذه المَظانِّ للاستجابة.

 (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98))، ومع معرِفَتِهم بِمَغفِرَته ورَحمَته، فَهُم يُعَظِّمون الأمر ويُكثِرون الاستِغفار ويَتَوَخَونَ الأوقات المُناسِبة فالأمرُ كَبيرٌ عِندَهُم: 

  • فَمَن أَهَمَّهُ ذَنبُه صَدَقَ في الرُّجوعِ إلى رَبه، وطَلَب الإستِغفار مِمن يَرى قُربُه إلى الرب -جَلَّ جَلاله-.
    • وبِذلك يَحوز الدَرَجَة في الغُفران بل يُبَدِّلُ الله إذا شاء السَيئات إلى حَسنات. 
  • ولكن مَن لا يُبالي بِالذَنبِ -والعِياذُ بالله تَعالى-هو الذي يَعظُمُ عَلَيه الذَنب.
    • (بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة:81]. 

فَاحذَر أن تُحيطَ بِك خَطيئة من خَطاياك: 

  • فَتَخرُجُ ظُلمَتُها أو تُحيطُ بِكَ ظُلمَتُها من كُلِ جانب. 
  • فَتَمنَعُ عَنكَ القَبولَ عِندَ الله تَعالى، ويُظلِمَ قَلبُكَ: 
    • فَتَزيغَ عِندَ المَوتِ. 
    • فَيَخرُج عن دين الله -والعياذ بالله تعالى-. 

اللهم كَفِّر عَنا خَطايانا، واغفِر لَنا خَطايانا وذُنوبَنا وأوزارَنا يا حَيُ يا قَيوم.

 ولما جَاءَ بَعضُهم عِندَ سَيدنا الحَسن البَصري من سادَة التَابِعين، فَقالوا: إنَ قَومًا يَتَناقَشون في القَضاء والقَدَر، قال: لَو أَهَمَتهُم ذُنوبُهُم ما خاضوا فيه!.

  •  لو كانت تَهَمهُم ذُنوبهم سينتبهون من أنفُسهم ويَستَغفِرون رَبَهُم.
  • وما عِندهم وَقت فارغ لِلخَوض في أمور: 
    • ما يَبلُغها عِلمُهُم، ولا يَنتَهي إليها فَهمُهُم. 
    • ويُسَلِموها لِرَبِها، ويَهتَموا بِذُنوبِهم حتى يُكَفِّرها الله عَنهُم. 

فهكذا يا أيها المؤمن المُذنِب، يَجِب أن تَهتَم بَذَنبِك: "فإن المُؤمن يَرى ذَنبه كالجَبَل فَوقَ رَأسه يَخاف مِن سُقوطه عَليه، وإنَ المُنافِق يَرَى ذَنبَهُ كَذُباب وَقَع على أنفِه، فَقال بِيَدِه هَكذا فَأطاره لا يُبالي بِه". 

ولكن يَعظُم الذَنب عِندَ المُؤمِن؛ فَيَغفِر لَه العَظيم، ولا يَغفِر الذَنب العَظيم إلا العَظيم: (وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران:135].

((قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98))؛ فَأَخَّرَهُم حَتى جَاءَ السَحَر واستَغفَر لَهُم، ثُم جَاءَ بَعدَ ذلك في الأخبارِ أنَهُم تابَعوا الإلحاحَ في الاستِغفار إلى أن يَصِل خَبَر مِنَ الله مِنَ السَماء بِوَحيٍ إلى أبيهم أَنهُ قَد غَفَرَ لَهُم.

 وتَقَدَمَ مَعَنا أنهُ جَاء في رِواية: أنَ البَشيرَ لَما أَلقاهُ على وجهه وارتد بَصيرا. 

  • قال: أَخبِرني عَن يوسف كَيفَ تَرَكتَه؟ قال: في مُلُك.
  • قال :ما أصنع بِالمُلُك؟! على أي دِين؟
  • قال :على دِين الإسلام.
  • قال: الآن تَمَت عَلَيَّ النِعمَة.

فَإنما كان يَخاف على ابنه مِن الزَيغ والانحِراف، ولا رَغبَةَ لَهُ في مُلكٍ ولا غَيره؛ وهكذا قُلوب الأنبِياء وقُلوب الصَادِقين مَع الله مِن أتباع الأنبِياء، جَعلنا الله من الصادقين مَعه في اتباع نَبِيه.

 

تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99))

 قال: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ (99))، وذلك أنهُ لما سَمِعَ بِخَبَرِ وَفادَتِهم، وقال: (وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) [يوسف:93]: 

  • فَبَلَغوا إلى فَوق التِسعين، نافوا على التِسعين من ذُرِية يَعقوب -عليه السَلام- أَبناء وَبَنات وأَزواج وأَصهار. 
  • فَكَانوا ومن مَعَهُم مِن خَواصِ خُدّامِهِم، فَكانوا نَحو اثنين وتسعين أو ثَلاث وتِسعين فردًا وَصَلوا إلى مِصر. 
  • وَمَرت السَنوات وتَناسَلوا بِمِصرَ، حَتى خَرَجوا مَع سَيدنا موسى -عليه السلام-، وخَرَجوا مَع سَيِدنا موسى وهم سِت مئة ألف وسَبعون ألف مِن هذة الذُرِية من ذُرية يَعقوب -عَلَيه السَلام-. 

ويَعقوب هو إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم، صلوات الله عليهم وعلى نبينا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

 يقول فلما اقتَرَبوا من وُصولِهِم، وأشعَرَ يوسف مَلِك مِصر أنهُ خارِج لاستِقبال أبيه، فأمرَ جَميع وُجَهاء المَنطِقَة والدَولة أن يَخرُجوا لاستِقبال هذا النَبي، وقيلَ أنه خَرَجَ بِنَفسه المَلِك، وخَرَجَ مَع يوسف إلى خارِج مِصرَ مُتَلَقِّيًا لأبيه إكرامًا لَهُ فَخَرَجوا وَتَلَقَّوه. 

  • و لمّا أقبَل وخَرَجَ سَيدنا يَعقوب عَن مَركوبه وَخَرج سَيِدنا يوسف وأَقبَلَ نَحوه، فأرادَ أن يُلقي السَلام، قال  يوسف دَع أَباك الذي يَبدَأ بِالسَلام.  
  • فَبدَأ بالسَلام وتَعانَقا وبَكَيا وضَمَ إليه أباهُ وأُمَهُ، وضَجَت لِذلك مَلائِكة السماء فَرِحين بِما جَمَع الله بَين النَبِيَين الكَريمَين. 
  • وصهَلَت الخُيولُ ودُقَت الطُبولُ وامتَلأ الجَو بَأنوارِ الفَرَح والبَهجة بِما خَبَأ الله لِيَعقوبَ ولِيوسف -عليهما السلام- من الإكرام والإنعام والجود والمِنة والفَضل بعد صبرٍ طَويل وبعد تَحَمُلٍ ثَقيل -عليهم صلوات الله وتسليماته-.

(وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99))، قال لأبيه وإخوته ومن معهم: 

  • (ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) من كل محذور، ومن كل ما كان يكون عليكم من الشدة وشظف العيش، وما إلى ذلك .
  • (وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ)؛ وفيه تبرُّكه بأدبه مع الله بِذِكر اسمه: (إِن شَاءَ اللَّهُ).

 (وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99))، ودَخَلوا حَتى وَصَلوا إلى البَيت والمُقام، وما أَعدَ لَهُم في بَيته فَدَخَلوا إلى مَسكَن يوسف -عليه السلام-.

 

 تفسير قوله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)) 

(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ (100)) اي: سَرير المُلك الذي كان يَجلِس عليه، وأجلَس عَليه أباه وأمه، وإن قال أكثر المُفسّرين إنها خالته وإن أمّه توفيت مِن قبل، لكن قال بعض أهل التفسير والتحقيق:

  • بل هي أمه أمه، وأبواه أبواه -أبوه وأمه- وما كان ينبغي أن نترك دلالة القرآن القاطع: (أَبَوَيْهِ): 
    • لما يُروى إلا بدليل قاطع أن أمه قد ماتت، نقف عليه يقابِلُ نص القرآن؛ ولا نجد ذلك. 
    • ولكن نجد التعبير في القرآن بـ(أَبَوَيْهِ) فأبواه: أبوه وأمه. 
  • أمّا أن يُحمل أمه على خالته فذلك؛ بُعدٌ عن أمرٍ أوضح منه ولسبب إنما يُطلق الأبوان على الأب والأم.  

فعَظّم أبويه ورفَعهما على السرير: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) أبوه وأمه وإخوته: 

  • خروا ساجدين، انحنوا سُجودًا لسيدنا يوسف إكراما. 
  • وكانت تلك التحية من أيام آدم -عليه السلام- وقد أمر الله الملائكة أن (اسْجُدُوا لِآدَمَ) [البقرة:34]. 
  • ثم كانت تحية الناس للإكرام والإجلال أن ينحنوا ويسجدوا لبعضهم البعض لمن أرادوا أن يُكرموه فيهم.
  • وحرَّم الله ذلك في شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

 ولم يزل الناس على التحية بالسجود إلى عيسى بن مريم -عليه السلام- فلما بُعِث نبينا: 

  • حرم الله التحية بالإنحناء والركوع والسجود وجعل التحية بالسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
  • ولم يُبِح لنا الإنحناء على وجه التعظيم، ولم يجعل السجود إلا للحقّ المعبود -جلَّ جلاله-. 

وبذلك نعلم: 

  • أن أصل السجود قد يُستعمل تحية وغيره فليس هو في حد ذاته مُستقلًا عبادة، مُستقلًا عن اعتقاد وإرادة عبادة المَسجود له، واعتقاد أنه إله؛ بذلك يتحول إلى عبادة. 
    • ويكون صاحبه إذا سجد لأي شيء غير الله -تبارك وتعالى- مُعتقدًا له ألوهية أو ربوبية عابدًا له؛ يصير مُشركا بالله -والعياذ بالله تعالى-. 
  • فإن لم يكن شيء مِن ذلك فليس نفس السجود، وإلا لما أباحه الله في شرائع، ولما خَّر يعقوب وزوجته وأبناءهُ  (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا). 

كما ذَكَر الحق بالنص القرآن الكريم: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)؛ هذا أبوه وأمه وهؤلاء أحد عشر إخوانه:

  • (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ)  أنا قبل أربعين سنة وهذه المسافة ما أقلها! قيل ثمانية عشر وقيل عشرين، وقيل أربعين، وقيل سبعين، وقيل ثمانين، ما بين الرؤيا إلى أن حصل اللقاء، غاب عن أبيه هذه السنين كلها، ولكن مهما طالت أوقصُرت، فإن رؤيا الأنبياء وحي ولا بد أن تكون، ولا بد أن تقوم .
  • ((وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ)) ما قلت لك: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف:4]، لما (خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) أبوه وأمه وأحد عشر إخوانه. 

(هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ) صدقًا وواقعًا، لأشاهده بعيني: 

  • (قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي)  نسب الإحسان إلى الله -جلَّ جلاله- واستشعره من ربه -جلَّ جلاله-، وهكذا يجب أن يكون المؤمن "اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر". 
  • (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) وما قال أخرجني من الجُب - لم يَذكره-؛ إكرامًا لهم ما ذَكَر هذا حتى لا يستشعروا الخجل والحرج، لم يَذكُر هذا، ذَكَر السجن فقال: (إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) كرمًا منه، عليه صلوات الله.

(إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ (100)) ما ينبِسطُ من الأرض ويحِلُّ فيه قوم مع ماشِيتهم من أغنام أو أبقار وجِمال يقال لهم: بدو، ما كان مُنبسطا في الأرض يحل فيه القوم بمواشيهم، وقد كانوا يحِلّون كذلك في بعض بلاد فلسطين وفيها مكان نزولهم وحُلولِهم وفيها ماشيتهم. 

وقال: (وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ) لا إله إلا الله، ونسب الأمر كله للرَّب: (أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي): 

انظُر إلى اختياره الألفاظ:

  • ما قال: مِن بعد ما خرّجونا إخوتي وهيّئونا ورمونا في البئر.
  • وقال: (مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي): 
    • ونسب الأمر إلى الشيطان. 
    • ولا جعله بصيغة تُحرِجهم. 
    • ولا تُذكِّرهم سوء ما صنعوا.

(مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)، يعني أفسد بيننا وأظهر بيننا الشحناء والحسد.

(مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ)  إذا شاء الأمر فهو اللطيف في تدبيّره وتقديّره وتسخيّره، وإيجاده على ما أراد -جلَّ جلاله- (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)). 

 

 تفسير قوله تعالى: ((۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101))

واشتغل بالتضرّع إلى الله: (۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)).

  • هذه أمنيات الأنبياء ومقاصدهم. 
  • وهذه أفكارهم ومبادئهم. 
  • وهذا ما يَشغلُ بالهم وقلوبهم -صلوات الله عليهم-. 

(۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ) مِن التسخير والتدبير، وما اتَّسعَ ممّا للإنسان فيه أمر، يقال له مُلك.

  • (۞ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ)، وقال سيدنا يوسف لقومه: (وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا) [ٍالمائدة:20].
  • مَلكًا: مَن كان له سَكَن -مَسكَن- وقوت يوم وليلة، و عنده خادم؛ فهو مَلِك، يُقال له: مَلِك.

( قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ): 

  • تفسير وبيان معاني الأحاديث وفَهْم إشاراتها ودلالاتها مما لا يَعلمه الكثير. 
  • (وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ): من رُؤى وغيرها من ما أوحيت إلى الأنبياء ومِن علومهم. 

(وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ)، يا فاطر خالق مُنشِئ مُبدِئ السماوات والأرض لم يَشرَكهُ غيره فيها أحد أبدا؛ (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) [الأحقاف:4]: 

  • ولا يزال الأمر قائمًا أمام كل عاقل: مَن خَلَق السماوات والأرض؟ 
  • ومَن لَم يَعرِف مَن خَلَق السماوات والأرض، ومن خَلَقَه؛ فهو الأهبل الأخبل البليد!! 

ويجبُ على كل عاقلٍ أن يستعمل ما آتاه الله من سمع وبصر؛ فيُدرك أن والسماوات والأرض مخلوقةٍ لواحد أحد قوي قادر عظيم قاهر، أسمه الله -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-. 

  • ولا تستطيع أن تأتي حضارة تقول: أننا صنعنا الأرض، ولا صنعنا السماوات، ولا يستطيع أهل تطور ولا أهل تقدُّم يقولون خلقنا شيء في الأرض، ولا خلقنا شيء في السماء.. 
    • فلتبقوا عبيدًا لخالق الأرض والسماوات. 
    • اعْرفوا قدركم ولا تتجاوزوا طَوركم. 
    • ولا تتعدُّوا حُدود ربكم -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-. 
  • فَأَنْتُمْ مَخْلُوقُونَ وَمَصْنُوعُونَ، وَتَتَصَرَّفُونَ فِي مَخْلُوقٍ وَمَصْنُوعٍ لِوَاحِدٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؛ يجب أن نخضع له .

قال: (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي)، اعْتِمَادِي عَلَيْكَ، وَاسْتِنَادِي إِلَيْكَ: 

  • (أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) ما نسي الآخرة بمُلك ولا باتساعِ جاهٍ ولا بشيء مما على ظهر الأرض هذا فِكره وهذا همه. 
  • (أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا) يسألون حسن الخاتمة؛ ياالله بها ياالله بها ياالله بحسن الخاتمة.

(تَوَفَّنِي مُسْلِمًا) -ثابتًا على دين الإسلام- (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)): 

  • اشتاق إلى جده إسحاق وجَدّه إبراهيم والعباد المُقربين مِمّن مضى من النبيّين (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).
  • فالتعلُّق بالصالحين وطلب اللُّحوق بهم سُنّة الأنبياء، فمن تبعهم بإحسان تتعلق قلوبهم بالصالحين وبإرادة اللحوق بهم: 
    • هذا سيدنا يوسف عليه السلام:  (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).  
    • جَدّه إبراهيم عليه السلام، كذلك كان في دعائه: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [الشعراء:83].
    • ومن جاء مِن نسلهم مِن بعد سيدنا سليمان عليه السلام في مُلكه قال: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) [النمل:19].

وسيّدهم كلهم نبينا محمد.. 

  • يقول في كل يوم لربه في دعائه: "أَسْأَلُكَ الصَّبْرَ عِندَ الْقَضَاءِ، وَالْفَوْزَ عِندَ اللِّقَاءِ، وَمَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ"، ومَن الشُّهداء ومَن السُّعداء!! كلهم دونه ﷺ.
  • ويقول: "أَسْأَلُكَ الأَمْنَ يَوْمَ الْوَعِيدِ، وَالْجَنَّةَ يَوْمَ الْخُلُودِ، مَعَ الْمُقَرَّبِينَ الشُّهُودِ، وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، الْمُوفِينَ لَكَ بِالْعُهُودِ" 

اشتاق إلى مُرافقتهم وهو سيّدهم -عليه الصلاة والسلام- وكلهم مِن ورائه، ولا واحد منهم يدخل الجنة إلا بعده ﷺ: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ حَتَّى أَدْخُلَهَا أَنَا، وَحَرَّمَهَا عَلَى الأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِي" اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه. 

وهذا دعاء سيدنا يوسف بعد أن آتاه الله ما آتاه، وتَوجّه إلى مولاه، واستعد للِقاه، وبقيَّ عنده أبوه بمِصر نحو بضعٍ وعشرين سنة، ونازله الموت فأوصاه: 

  • أن يَحمِلَهُ إلى عِند قبر أبيه إسحاق وجَدِّه إبراهيم، فكانوا يُحبُّون المجاورة في القبور وذلك استمرّ فيهم.
  • وقال له: إذا أنا مِتُّ فاحملني حتى تدفنني مع أبي وجَدِّي. 

وخرج سيدنا يوسف بنفسه وحَمَلَ أباه في تابوت وبعد أن جهَّزه بمصر إلى أن وصل به -أجساد الأنبياء لا تتغير ولا يأكُلها التراب- فوَصَل به بعد قطع هذه المسافة إلى ما يُسمى بالخليل؛ لأن فيها قبر سيدنا الخليل إبراهيم ويعقوب وإسحاق -عليه السلام- فقَبَره عند أبيه إسحاق، قال: إن أخاً له تُوفِّي يوم وصولِه بجسد سيدنا يعقوب -عليه السلام- فقُبِر معه في ذلك المكان. 

ثم جاء سيدنا يوسف -عليه السلام-: 

  • وكان أحبَّ مِن إخوته، ومَن حوله أن يحمِلوه إلى حيث أبوه وأمّه وجدّه إسحاق وإبراهيم. 
  • وأوصى إذا خرجوا مِن مصر أن يخرجوا به معهم، وقال: إنه سيأتي وقت تخرجون من مصر.
    • يعني مع سيدنا موسى -عليه السلام-، فما خرجوا إلا مع سيدنا موسى، بعد توالي السنين الطويلة.

 وكان قد وُلِد لسيدنا يوسُف -عليه السلام- من زُليخة ولدين وبنت، وكانت زوجة سيدنا أيوب ابنته: رحمة، كانت زوجة سيدنا أيوب عليه السلام الصابر القانت الأوّاب. 

فلمّا أراد الخروج سيدنا موسى عليه السلام، قال: دُلُّوني على قبر يوسُف، وكانوا قد تنازعوا على قبره وكلٌ يريد في محلّته ومنزله، حتى كادوا أن يقتتلوا ثم تراجعوا، وقالوا: ضعوه في النيل، ويمرُّ على قبره الماء فيصل إلى جهة مصر كُلّها، فوضعوه هناك وقبروه، وطلع عليه النيل. 

ومرت عليه فترة، ولم يبقَ في زمن سيدنا موسى عليه السلام إلا امرأة عجوز تُدرك محلَّ قبره تماما، فأراد أن يحمله معه إلى فلسطين حيث أوصى بذلك، فقالوا له ما نقدر نحدد لك مكان قبره لكن بقيت امرأة، قال: هاتوها، فأحضروها، فقالوا: هل تعرفين قبر يوسف؟ قالت: نعم، قالوا: دُلّينا عليه، قالت؛ بأَجرة أم بغير أَجرة، قالوا: بأَجرة، ماذا تريدين؟ 

  1. قالت: أريد أن يردني الله شابّة، أنا الآن كبرت. 
  2. وأن يردّ عليّ بصري. 
  3. والثالثة قالت: والثالثة مرافقتك في الجنة. 

واحدة زكيّة، وهِمّة عليّة، دعا الله لها، ورجعت شابّة وقويت، وفتح الله بصرها ونظرت، والثالثة همّ سيدنا موسى أن يتخلّف فأوحِي إليه اقبلها منها، قُل لها والثالثة، والثالثة مرافقته في الجنة، فما أعجب ما طلبت هذه العجوز!.

حتى يُذكر في سيرة نبينا ﷺ أنه لما جاءه يَطلبه بعض مَن وعدهم ﷺ قال: ماذا تريد؟ قال: كم؟ قال: يا رسول الله مئة من الغنم ووليدة، قال: لك مئة ووليدة، لكن صاحبة موسى أحسن طلبًا منك، تلك طلبت أحسن، طلبت مرافقة في الجنة، وهذا طلب أشياء من الدنيا، أعطاه إياها الرسول ﷺ.

يقول: 

  • إنهم خرجوا بعد ذلك مع سيدنا موسى عليه السلام. 
  • ثم أهلك الله فرعون. 
  • وأورث بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها التي بارك فيها بما صبروا. 
  • وَدَمَّر (مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ) [الأعراف:137].

وهذه سنة الله في الوجود، وهذه أنباء الحق والصدق: (ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ (102)). 

فالله يرزقنا الإيمان واليقين والإخلاص والقبول، ويبارك لنا والأمة في هذه الأيام والليالي وفي جميع ليالينا وأيامنا. 

اللهم إنها ليالي العشر، فأجزِل لنا فيها الأجر، وطهّر لنا فيها الصدر، ونقِّنا من كل غش ووِزر، وضاعف لنا منك الهبات، وأجزِل العطيات، وارزقنا الأعمال الصالحات، والإكثار من التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير، ووفِّرحظنا من ليلة عرفة ويوم عرفة وليلة التروية ويوم التروية، ومن ليلة العيد ويوم العيد ومن أيام التشريق: إنها الأيام المعلومات ثم الأيام المعدودات، ووفرحظّنا فيها من الخيرات.

وافتح أبواب الفرج للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، ياكافيَ المُهِمّات، يا كاشف البليّات، يا دافع المَضرّات، يا رب الأرض والسماوات، يا حي يا قيوم يا رحمن يا رحيم يا الله.

بوجاهة نبيك المصطفى محمد ﷺ، اغفر ذنوبنا، واستُر عيوبنا، ووفِّر حظنا من هذه الليالي والأيام، واجعلها مفتاح خيرٍ لأهل الإسلام في كل خاص وفي كل عام، يا قوي يا متين بيدك الأمر كله، عجِّل بتفريج كروب المسلمين، واكفنا شر الظالمين، وأعِذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وبلِّغنا فوق أمالنا في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

04 ذو الحِجّة 1442

تاريخ النشر الميلادي

14 يوليو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام