(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:
﷽
(وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96))
الحمد لله مولانا القريب المجيب، ذو الجودِ والعطاء الرّحيب، ونشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، فاز كل خاضع لجلاله أوّاه مُنيب، وخاب كل مَن أعرض عنه وتولّى عن أمره وسلك سبيل المخالفة لِمَا جاء عنه -سبحانه وتعالى- مِن منهج ونظام وترتيب، ونشهد أنَّ سيّدنا ونبيّنا وقرّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، أقرب قريب وأحبّ حبيب، ختم به المرسلين وجعله سيّد الأوّلين والآخرين، أدِم يا ربّنا صلواتك في كل لمحة ونفس وحين، وتَسْلِيماتك عليه وعلى آله الطّاهرين وأصحابه الغرّ الميامين، وعلى مَن والهم فيك واتّبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم، وعلى أنبيائك وملائكتك ورسلك وآل الأنبياء وأصحابهم وتابعيهم وجميع عبادك الصّالحين.
أما بعد،،،
تفسير قوله تعالى: (وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84))
فإنّنا في تأمُّل معاني كلام ربّنا وإرشاده وتعليمه إيَّانا جلَّ جلاله، مررنا على عجائب وتنبيهات ودلالات عظيمات في قصة سيدنا يوسف -في سورة يوسف- حتّى انْتهينا إلى رجوع إخوة يوسف إلى أبيهم بعد أن تأخّر أخوهم.
وما كان مِن أبيهم أن (تَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ)، (تَوَلَّىٰ عَنْهُمْ)، مُقبلًا على الرّبّ جلَّ جَلاله، فأعرض عنهم لا تنفيرًا لهم، أعرض عنهم في ساعة إقْباله على الإله جلَّ جلاله؛ لِيَشكو إليه ويبُثّ حزنه ولِيَطْلبه ويسأله، فكان هذا سبب ما قال: (وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ).
(وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ)، ليس قصدهُ مُخاطبتهم بذلك، ولكن شكواهُ إلى ملِكِ الممالك، (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ)، عليه صلوات الله، فبدا البياض حتّى غطَّى على بصره.
(وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)):
تفسير قوله تعالى: (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85))
ولمَّا أحسّ أولاده منه بذلك، (قَالُوا تَاللَّهِ) -أي نحلف بالله- (تَفْتَأُ)، تذكر يوسف، لا تزال مُستمر تذكر يوسف، وتلتفت إلى حياة يوسف، وتتمنّى لقاء يوسف، (تَاللَّهِ تَفْتَأُ) أي لا تزال مستمرًا على ذكر يوسف، (حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا)، مُدْنِفًا مِن المرض؛ ضعيفًا، مُشْرِفًا على الهلاك، (حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85))، أو حتّى تَتْلَف وتموت مِن شدّة هذا الحزن على يوسف والتّعلّق به.
تفسير قوله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86))
قال لأولاده: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)، أنا ما شكوت عليكم، ولا أرجعت الأمر إليكم، (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)، (بَثِّي)؛ أشد الحزن وأجلَّه، وحزني كلّه جميعه، أشكوه إلى الله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
قالوا: وهذه الشّكوى إليه والطلب منه لا يناقض الصبر، ولا يخرج عن التّوكّل، إنّما الضّرر في الإستناد إلى السِّوَى، والشكوى على الغير: يا فلان تعال أصابني كذا، يا فلان بي كذا وكذا، ويا فلان ويا فلتان:
أمّا الالْتجاء إليه، الشكوى عليه، الدعاء له، والتضرّع، فلا يضرّ ذلك، وقد ذكر الله لنا:
يقول: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86))، وهكذا يجب في شؤوننا الخاصة والعامة أن نبثّ الشكوى والحزن إلى الجبار القادر القهار الذي بيده الأمر، مَن يُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ويُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
ولقد تضرَّر الأفراد، والجماعات، والشعوب، والدول:
وجنوا ثمرةَ ذلك: قهرًا، وظلمًا، وتفريقًا، وتشتيتًا، واستعبادًا، واستعلاءً إلى غير ذلك، كم تضرّر النّاس بالالتجاء إلى غير الرَّب والإعتماد على غير الإله!
وربُّ العرش ينظر إلى القلوب، ويعلم مَن على ظهر الأرض يثق به، ويعتمد عليه، ويستند إليه. ومَن يتّجه إلى مَن سواه؛ يرْقُبهم، ويعْلَمهم.
وعزّته وجلاله، لن يكون النّصرة والغلبة للقلوب التي توجّهت إلى غيره، ولا التي اعتمدت على ما سواه؛ ولكن بهذه القلوب يرحم عباده، وبهذه القلوب ينصر رسوله، ويُنْجِز وَعْدَه له صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
اللّهمّ اجْعل اعتمادنا عليك، واستنادنا إليك، وتوكّلنا عليك، وتذلّلنا بين يديك، يا ربّ!
وكلّما اجْتمعنا اجتماعًا وأردنا عطاءً مِن الله، أو أردنا رفع شدّةٍ، وبليّة:
قال لهم أبوهم: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)، وهذا مسلك الأنبياء، وهذا مسلك أتْباعهم، ومَن أحسن اتّباعهم.
قال لهم: (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86))، فيما يتعلق بالقضية هذه وغيرها، فيما يتعلق بالقضية:
(أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، لكن مصدر العلم مِن الله، (أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ)، ما عندي جواسيس أبْعثهم، ولا عندي شيء مِن الإعتمادات؛ لكن عندي مِن الله علم، (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)).
تفسير قوله تعالى: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87))
(يَا بَنِيَّ) -يا أولادي- (اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ)، قالوا: في الخطاب ملاطفة، ملاطفة لهم، فبذلك نَتَبَيّن أنَّ التولّي عنهم: لا للإعراض عنهم؛ ولكن لِيَخْلُوَ بربّه وَلِيَتوجّه إلى خالقه -جلَّ جلاله-.
قال: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ)، أدّوا واجبكم، فعِندنا علم، وخبر مِن الله؛ ولكن علينا أن نبذُل مَا في وسعنا وما أعطانا ربّنا؛ فهذه سنّته في الحياة -جلَّ جلاله-، إذا رأى عبده يُسخِّر ما آتاه مِن الإرادة في مرضاته وتحصيل المقصود، أعانه على ذلك ويسّره له.
(يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ)، اسْتَقْرُوا الأخبار، وانْظروا هل تَلْقونه؟ (تَحَسَّسُوا)، قال:
فرق بين التّحسّس والتّجسّس، (فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ)، ولا تيأسوا من بِنْيَامِين هذا الذي قلتم أنّهم حبسوه، ولم يذكر الثالث؛ لأنه ما جلس في مصر إلا باختياره، وهو معلوم مكانه، وليس شيء يغيب عنا مِن حاله ووصوله يسير؛ ولكن يوسف وأخيه بِنْيَامِين هؤلاء هذا محبوس، وهذا تدَّعون أنه مات.
(فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ)، رحْمته التي يكون مِن نتائجها:
الرَّوحَ: ما يهِبّ مِن نسيم يلتذّ به جسد الإنسان، ويبعث فيه الأنس والسرور، كذلك كل ما يلتذّ به الإنسان يُسمّى رَوُح..
(وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)):
(لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، حتّى جاءنا في الخبر؛ أنَّ العاصي الرّاجي ربّه أقرب إلى الله -تبارك وتعالى- مِن الطائع اليائس، الطائع القانط مِن رحمة الله لأن؛
(إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ):
يقول: (وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)).
تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88))
ثم يقول جلَّ جلاله: (فَلَمَّا دَخَلُوا)، يعني ذهب منهم جماعة بعد هذا الأمر مِن أبيهم، فذهب بعضهم وبقي بعض الإخوة عند أبيهم -سيدنا يعقوب عليه السلام- ومَن ذهبوا جاءوا ووصلوا إلى عند يوسف عليه السلام، وصلوا إلى مصر.
(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ)، وقعت عندنا إشكالات كثيرة، ها نحن نسعى وراء جلب الميرة والطعام، وعندنا أحزان، وهموم، ومشاكل جاءت، والآن أبونا فَقَدَ أخانا الثاني، وهو في حزن مِن أجله، (مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ)، يعني الثمن الذي جئنا نشتري به الطعام هذه المرة ما عاد عندنا شيء، بقي كاسد قليل حقير يسير، ما بين دراهم زائفة أو بعض ألحِفة وغيرها، جاءوا بها وما عندهم ثمن، ما عاد بقي عندهم شيء يشترون به الطعام.
(مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ)، مزجاة يعني مدفوعة، (اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) [النور:43]، يدفع؛ يعني ما تُقبل، أي كاسدة، ولكن هذا الذي عندنا، (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ)، فما تُعطينا لمّا جئنا ببضاعتنا السّابقة، أعْطِنا بهذه البضاعة كرمًا منك، (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) بالمسامحة في قِصَر هذا الثمن، وقلّة هذا الثمن. (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا):
(إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)) هناك جزاء عند الله كبير لمن كان أحسن:
وقالوا ليوسف: (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)، أي بقبولك هذا الثمن، وإِيفَائك لنا الكيل، وإن تفكّ لنا أخانا، وتسامحنا فيما حصل، وتجد لنا حلّ نُرَجّع الولد إلى عند أبيه، وتقبل واحد منّنا غيره، أوأيّ معروف بتقدّمه لنا، (إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88))؛ وهنا قد جاء الأمر مِن الله ليوسف: أكشف لهم الحقيقة الآن، وتعرّف إليهم، وجاء وقت الفرج.
تفسير قوله تعالى: (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89))
قال لهم سيدنا يوسف: (هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ)؟ (هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم)، مامعنى ماعَلِمْتم؟ هم لا يعلمون ماذا عملوا ! أطلق الملزوم وأراد لازمه؛ يعني: هل نَدِمْتُم على ما كان منكم، وَتُبْتُمْ، وأصلحتم الشّأن فيما قد صدر منكم؟
(هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ)؟
تصوّرتم خطر ذلك وخطأهُ، وَتُبْتُمْ إلى الله منه، وتفتحون صفحة جديدة مع ربّكم.
(هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89))، في وقت شبابكم، وطُغيانكم تجهلون العواقب، وتنطلقون بما عندكم مِن حماس وعواطف، وكلّ عاصٍ جاهل، المعاصي جهالة، (إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ).
(هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89))، ويُقال أنّه كشف لهم عن علامة في رأسه، في أبيه مثلها علامة، وكانت في جَدِّه كذلك إسحاق، وعرفوها فيه وهو صغير؛ فرفع التاج عن رأسه، ورأوه؛ (أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ)، وإذا العلامة واضحة، وهذا الوجه المنير الطيّب، ما هو إلّا مِثْل وجه يوسف هذا!
تفسير قوله تعالى: (قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90))
تبسّم سيدنا يوسف وقال: (أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا)، ما وجدنا مِن الله إلاَّ المنَّ والإكرام، ومهما طرأ منكم ما طرأ، وجرى ما جرى، فقد جعل الله عواقبه لنا إحسانًا، وأعطانا مننًا كثيرة، (قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا)، ووضع لهم القاعدة للمسار في الحياة، (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90))، تقوى وصبر؛ بها النّجاح، بها الفلاح، بها الفوز، بها إدراك العاقبة.
يا مَن يريد خير العواقب في الحياة وبعدها: اتَّقِ واصْبر، (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
(إِنَّهُ مَن يَتَّقِ)، الله أكبر! وقد اتّقى الله -سبحانه وتعالى- في مساره ومَشْيِه كلّه، وصبر على ما آذاه، وعلى ما سُجن، وكل ما جرى له، (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90))؛ فيُجازيهم بالصّبر والتّقوى حُسن العواقب، ورفع المراتب، وإجزال المواهب.
يا مَن يريد المعالجة، يا مَن يريد الخلاص، يا مَن يريد الخروج مِن المشاكل؛ خُذْ تقوى وصبرًا، أقم أمرك على هذا؛ ومِن دون هذا لُفْ برأسك يمينًا وشمالًا، وشرقًا وغربًا، ولن تجد الخلاص، ولن تجد النَّجاة.
تقوى وصبر بها النّجاة:
تقوى وصبر.. وتأمّلها في الشؤون الخاصة والعامة: تُحَصِّل أهل التقوى والصبر هم الفائزون، هم الرابحون، هم المنصورون، هم المُؤَيّدون، هم العواقب لهم، هم الرفعة لهم، هم المراتب عندهم، (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)؛ لكننا نريد أن نعالج الأمور بغير مِنهاج الخالق الغفور، بغير مِنهاج الذي خلق -البَرُّ الشكور جلَّ جلاله-.
(إِنَّهُ مَن يَتَّقِ)، هذه العلاجات، هذه المعالجة للأوضاع والأحوال: (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90))، هكذا..
أخذوا رسائل ربّنا أَخْذَ موقنين، مصدقين، مستشعرين عظمة الإله وأنَّ الأمر بيده، وخضعوا، وخشعوا؛ فما عَمِلنا بالقرآن، وما عَمِلنا بوحي الرحمن؟
وبذلك أيّدهم الله ونصرهم، كانت قوى الأرض تَفرَقُ مِن عمر؛ قوى الأرض الشريرة الكافرة في الروم والفرس تَفرَقُ مِن عمر، ومِن اسم عمر، كما يَفرَقُ الشيطان مِن ظلّ عمر؛ لأن عمر كان مع الله، كان مع رسول الله، كان وقَّافًا عند كتاب الله.
نقرأ هذه الآيات، كم تؤثر فينا؟ ما تبعث مِن مشاعرنا و أحاسيسنا وعواطفنا و إيقافنا على إدراك الحقيقة، ما تصنع بنا؟
سمعت نشيجهُ وأنا في مؤخر الصفوف مِن آخر المسجد، وهذا يَنْشَج بالقرآن: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86))، يَنْشَج وهو في الصلاة ويُسمَع مِن أواخر الصفوف نشيجه، (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90))، اللّهمّ ألحقنا بهم، واجْعلنا منهم.
تفسير قوله تعالى: (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91))
لمّا ظهر الأمر هكذا، (قَالُوا تَاللَّهِ) -حلفوا بالله- (لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا)، ميّزك وخصّصك مِن بيننا، وأعطاك عطايا:
(تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91))، قد كنا في حالنا وشأننا، كنا خاطئين فيما تصرفنا فيه، فيما آذيناك، وآذينا أبانا، وفي كل ما صدر منا مِن تلك التخطيطات -تخبيطات ما هي تخطيطات- (إِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ).
تفسير قوله تعالى: (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92))
(قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)، لايوجد تعييب، ولا معاتبة، انتهى كل شيء؛ (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)، (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)، لا معاتبة، لا تعْيِيب، ما عاد أعيِّبكم، ولا أُعيِّركم، ولا أُخاطبكم، ولا أُذكِّركم، انْتهت المسألة.
(لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)، فإذا كان في هذا اليوم، فما بعده أيسر، (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)، فوق ذلك استغفرَ لهم، قال: (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ). (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ)، لا إله إلاَّ هو.
(وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92))، علّقهم بالرّبّ قال: أنا ومسامحتي إيّاكم هذا مِن فضل الله عليكم؛ هو الرحيم، أرحم بي وبكم، مني ومن أبي ومن الكل فتعلّقوا بالله:
(وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، صلِّحوا علاقتكم معه، وارْجُوه، ووسّعوا آمالكم فيه، (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)).
تفسير قوله تعالى: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93))
(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا)، وأخرَج قميصه، (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي)، ويُقال: أنَّ القميص كان لجدّه إبراهيم وأنّه تُوُرِّث، وأنّ يعقوب خصه به؛ فكان مربوطًا فيه غير القميص الذي خرّجه منه إخوانه، وعلى كل حال إن صحّ هذا أو لم يصحّ، فالآية صريحة:
لا يوجد قمصان في فلسطين؟!
(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا)؛ لا عاد تجىء بعض عقليّات تقول:
(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا)، أوه!! يعظّمون خِرق؟!
(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا)، أو يقول لك؛ لا يوجد حاجز بين العبد وربّه، يكفي أن يسأل الله فقط، يسأل يقول: يا الله، يعقوب هناك يقول: يا الله، لا داعي نحمل خرقة مِن بلاد لبلاد.
لكن ما هذا العلم الذي فوق علم الأنبياء؟! والأنبياء ما علِموا أو كيف؟!
(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي)، ضعوه فوق الوجه أن يتمسّح به، (فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا)، وسيذهب هذا البياض الذي في عينيه ويُبصر كما كان.
(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93))، هاتوا أولادكم، وأحفادكم، وقرابتكم، وصهوركم،، وخدامكم ومَن عندكم، تعالوا، تعالوا كلكم مِن هناك، الله! بَدَل ما عملتم بي الآن سأكرمكم، تعالوا أنتم وجميع أهلكم (أَجْمَعِينَ) ولا تتركوا أحدا، أوْلادكم وأحفادكم وأسباطتكم وقرابتكم؛ فجاؤوا؛ منهم شيء وتسعين نفر، جاءوا مع سيدنا يعقوب إلى عند يوسف، (وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ).
تفسير قوله تعالى: (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ (94))
رجعوا وهم في حالٍ ثانٍ واستبشار، والآن راح هذا الذي قال: (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80))، أخذ القميص وجرى، وتقدّمهم، وتقدّم العير حتى يصل إلى عند أبيه.
ولكن (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ)، يعني؛ جاوزت المدينة في مصر، خرجت مِن مصر، (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ)، أبوهم في فلسطين يشمّ، قال: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ)، وهذه المسافة، من أين جاءت هذه؟، (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ)، يعني: خرجت مِن البلد من مكان يوسف عليه السلام، (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ)، لإخوته الباقين عنده هناك في فلسطين: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ (94))، تَنْسِبُوني إلى الفَنَد؛ وهو عبارة عن الهرم، والخرف، والحمق، والجنون، يُطلق الفند على هذا، (لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ)، تقولون هذا مجنون؛ لكن أنا يا أولادي الآن شممتُ ريح يوسف، شمّيت.
تفسير قوله تعالى: (قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95))
(إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ (94))، أولاده عنده قالوا: يوسف!! يوسف!! ها!! يا أبانا (تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95))، (قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ)، الضّلال.. ما هو ضلالك؟ وَلَعَك، وتولّع قلبك بمحبّة يوسف، هذا هو الضّلال، فقوَّة غلبة المحبّة على القلب في شيء، يُقال له: في ضلال، (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ) [الضحى:7].
(تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ)، لا يزال تولّع قلبك بيوسف، لا زلت تذكر يوسف إلى الآن! وقد قلنا لك أكله الذئب قبل ثمانين سنة، ثمانين سنة بين مجيء سيدنا يعقوب وما بين ما فارقه، ثمانين سنة من الجُبّ، إلى أن بيع بمصر، إلى السجن، إلى أن جاءت السنوات العجاف حتى وصل سن ثمانين سنة.
قال: (تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ)، أنت مِن أول، ما رضيت أن تنسَ يوسف هذا أبدًا، ولا تترك ذِكره مُوَلَّع مُهَيَّم فيه، (تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95))،
تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96))
حتى وصلوا، (فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ)، أخوهم هذا يهوذا الكبير جرى، (فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا)، (أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا).
ما ملك أو غير ملك!!! كيف دينه، على أيّ دين هو؟ الله!
حتى بعدما جاء ولقيه بعد ذلك..
هذا همُّ الأنبياء صلوات الله ربي، وطريقة تفكيرهم.
فتَّح سيدنا يعقوب، ذهبت الغشاوة مِن عينه، وإذا به يُبصر كما كان: (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96)).
والجماعة رجعوا في طريق الصّواب والحقّ، (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97))، نحن أخطأنا والآن اسْتغفر، (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ..(98))، أخّر الاسْتغفار لهم إلى ليلة الجمعة، وصادفت ليلة عاشوراء من سَحَرِ ليلة الجمعة، يستغفر لهم رجاء القبول.
قَبِلَنا الله وإياكم، نظر الله إلينا وإليكم، يا ربّ العرش! يا رب العالمين! لا نيأس من روْحِك، نرجوك أن تُصلح قلوبنا، نرجوك أن تقبل جمعنا، نرجوك أن ترفع هذا البلاء والوباء الذي نزل بأمّة حبيبك محمد، نرجوك أن تُحوّل الأحوال إلى أحسنها، نرجوك أن تُثَبِّتنا على ما تحبّ، نرجوك أن تكفينا الشّدائد والبلايا، نرجوك أن تفيض علينا فائضات جودك الواسع، لا نيأس مِن رَوْحِك، ولا ييأس مِن رَوْحِك إلاَّ القوم الكافرون.
آمنَّا بك وبرسولك وتوجّهنا به إليك مستشفعين أن تصلح أحوالنا وتبلِّغنا آمالنا وتُذيقنا لذّة مناجاتك، وتُذيقنا لذّة رحمتك، وتُذيقنا حلاوة رحمتك، وتُذيقنا برد عفوك يا أرحم الراحمين، يامُحوِّل الأحوال حول حالنا والمسلمين إلى أحسن حال، وعافنا مِن أحوال أهل الضّلال، وفعل الجهال، وفرج كرب الأمّة أجمعين يا كبير يا متعال يا وال.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
26 ذو القِعدة 1442