تفسير سورة يوسف - 13 - من قوله تعالى: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ..)، الآية: 76

تفسير سورة يوسف، من قوله تعالى: {فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ..}، الآية: 70
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:

﷽

(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)۞ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ (79) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85)قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • تدبير السقاية وإقامة الحجة على الإخوة:
    • خطة يوسف عليه السلام والتدبير الإلهي المحكم.
    • إقامة الحجة بشرعهم واستخراج السقاية.
    • مقام العلم الإلهي ورتب الخلائق: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ).
  • رمي يوسف بالسرقة وموقفه، ثم تشاور الإخوة ووفاء كبيرهم:
    • افتراء الإخوة وحِلْم يوسف عليه السلام وكظم غيظه وإسراره في نفسه.
    • العدل الشرعي في معاملة يوسف ومبدأ عدم مؤاخذة البريء.
    • خلوة الإخوة وانفرادهم بالنجوى، تعظيم الكبير للميثاق والعهد.
  • موقف يعقوب عليه السلام، والشكوى لله، والأخذ بالأسباب:
    • حجة الإخوة الظاهرة أمام أبيهم عند الرجوع.
    • صبر يعقوب الجميل وحزنه الشديد على يوسف.
    • الشكوى إلى الله وحده واليقين برَوْحِهِ وفرجه.
    • الأمر بالتحسس للأسباب والنهي عن اليأس.

نص الدرس:

الحمد لله مُكْرمنا بالقرآن والوحي والتنزيل، وهادينا إلى أقوم السبيل على يد أكرم معلِّمٍ وهاد ودليل، سيدنا محمد المصطفى المُجتبى ذو الخلق العظيم والقدر الجليل، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وصحبه خير جيل، وعلى مَن والاهم فيك واتَّبعهم بإحسانٍ في النية والقصد والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، مَن خصصتهم بأسنى فضلك الجزيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقرَّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا ذا المنِّ العريض الطويل.

أما بعد،،

فإنَّنا في تأمُّلنا لكلام ربنا -جلَّ جلال وتعالى في علاه-، وتعليمه إيَّانا، وهدايته لنا وبيانه -سبحانه وتعالى- انتهينا في سورة يوسف، وقصة سيدنا يوسف إلى: 

  • ما كان مما أمرَ الله به يوسف أن يفعله مع أخيه الشقيق، وإخوانه الذين وصلوا في المرة الثانية وأخذوا الطعام لبيوتِهم وأهاليهم، وأبيهم يعقوب ومَن عندهم. 
  • وجعل السقاية في رحِل أخيه و(أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) -المنادي- (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ (71)). 

ما الذي تتهِّمونا به؟ وماذا ضاع عليكم وفُقِد من بين أيديكم؟ 

(قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ)، نجعله جعالة على مَن يُحضِرهُ ويأتي به، (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72))، أي ضامن. 

  • (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73))، فإن الناسُ وهم معادن، فذو الكرامة فيهم والشهامة وذو الخيرية؛ بعيدون عن إرادة السرقات ونحوها من الأعمال الخسِيسات والصفات المنْحطات. 
  • (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ)، ولا يُعهدُ هذا في أحد مِنَّا، ولا من أهل بيوتنا، ولا من جماعتنا وأقارِبنا (وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ).

(قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (74)، إن ظهر كذبكم ووجدنا الصُواع وسقاية الملِك عندكم، (قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ)، فهو الحُكم جزاؤه، وهو جزاؤه جزاء المسروق؛ وقد كان في حُكْمِ سيدنا يعقوب عليه السلام وآل يعقوب ومَن حولهم ممن آمن بهذه الشريعة؛ أن السارق  يصيرُ رقيقًا للذِي سرق عليه فيبقى عنده؛ قالوا: (فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75)).

 

تفسير قوله تعالى: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76))

وجاء بالترتيب: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا)؛ مهدَّنا ورتَّبنا (لِيُوسُفَ)؛ فهذا دليل على أن هذه الأعمال من يوسف كانت بوحي له من الله، هو الذي رتَّب له وخطط هذا، وإلَّا كان مقتضى البشرية والعقل المجرد أنه بمجرَّد ما عرف إخوتَه أن يُرتِّب لقاءهُ بأبيه وقُربه منه، وإنهاء الحزن الذي عند أبيه وما إلى ذلك، ولكن الله أوحى إليه اِصنع كذا، وَاصنع كذا، وَاصنع كذا فأوحى إليه؛

(كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) رتَّبنا وهيأنا، ليبقي أخاه هذا دُونهم في دِين الملِك؛ في حِصْنِه وكنفه وقصره إلَّا أن يشاء الله.

قال الحق تبارك وتعالى؛ طيَّ هذه الإيحاءات ليوسف عليه السلام، والقصة وما فيها؛ إشارة إلى ما نُخصص به مَن نُخصص من الكرامة والرفِعة؛ (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)):

  • (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)، ووراء الأقدار وفي طيَّها أسرار -لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الكبير الجبار-؛ يُكوِّر النهار في الليل، والليل في النهار، وما يكون كائن إلَّا وللمُكوِّن فيه حِكمة لا يُحيط بها غيره جلَّ جلاله.
  • (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)، فقل للذي يدَّعي للعلِم معرفةً، عرفت شيئًا وغابت عنك أشياء، حتى ينتهي علم الأولين والآخرين فيكون الحق هو العليم (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:85].
  • (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)، فأجْهل الناس مَن يدَّعي الإحاطة بالعلم، وأجهل الناس مَن لا يرى أن هناك مَن هو أعلم منه في شأن من الشؤون، بل (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)، وفوق الكُل، هناك العلم المُطلق لمن خلق جلَّ جلاله، (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14].

 

تفسير قوله تعالى: (۞ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77))

فلمَّا أُخرجت في الأخير، من رحْل بنيامين -شقيق يوسف-؛ نكسوا رؤوسهم واُُرهبوا للموقف واستحيوا وأرادوا أن يتملَّصوا من الأمر وقالوا: هذا؟! هذا يسرق؟! هذا وشقيقه الأول الذي كان معه قد سرق؛ لكن نحن ليس عندنا هذا الأسلوب، لكن هو وأخوه لانعلم ماذا فيهم! وهؤلاء فيهم مشكلة؛ (۞ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ)، يعني شقيقه سيدنا يوسف يسمعهم، يعْنونه هو.

قالوا: (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ)، قالوا سبب قولهم ذلك: 

  • أن سيدنا يوسف عليه السلام كان جده لأمه يعبد صنمًا -والعياذ بالله تعالى- وكان يُعظِّم ذلك الصنم وأومأت إليه أمه؛ -وهو طفل- خذ الصنم هذا إرمه في الشارع، عسى أن يرجع جدك هذا عن عبادة الصنم، فترقَّب فرصة في غيبة جده وأخذ الصنم ورماه في الشارع، حطَّمه ورماه في الشارع وكسَّره، وقالوا هذا: قد سرق من قبِل؛ يقصدون هذا الصنم. 
  • وقيل أنهم أيضًا قالوا ذلك؛ لأن سيدنا يوسف -عليه السلام- ربَّته عمته أخت سيدنا يعقوب، وهي أكبر من سيدنا يعقوب سِنًا، فأحبته محبة قوية، وطلبه سيدنا يعقوب أن يرجع إليه، فقالت له: لا أقدر على فراقه، فقال: وما أنا بتاركه لك، وكان عندها حزام لسيدنا إسحاق -وقيل لإبراهيم- وكانوا يتوارثونه فيكون للأكبر منهم، فكان بعد إسحاق عند الأكبر من أولاد إسحاق، وكان الأكبر من أولاد إسحاق؛ هذه عمة يوسف فكان عندها منْطقة  سيدنا إسحاق أو إبراهيم جده؛ فأرادت أيضًا أن تستعمل الوسيلة لإبقاء يوسف عندها، قالت لأبيه: اذهب أنت الآن وأترك لي أنظر إليه أيام حتى يسكُن ما في نفسي ثم أسلمه لك، فرجع فجاءت إلى هذه المِنطقة وألبسته إيَّاها تحت ثيابه، وقالت: اذهب إلى أبيك. ثم أرسلت وصاحت فيهم قالت: فقدتُ المنطقة، أين ذهبت؟! قالت: فتَّشوا .. فتِّشوا، قالت: فتشوا أهل الدار؛ فوجدوها عند يوسف، قالت: انظر إذا أخذ عليَّ المنطقة. 

ماذا حُكمه؟

  • حكمه في الشريعة عندهم يبقى، رقيق مأسور مع الذي سرق عليه. 
  • قال: إن كان فعل هذا! فما أملك شيء، يبقى عندك.

فقالوا: (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ)؛ ولم يسرق سيدنا يوسف عليه السلام، وقيل: إنما انتحلُوها انتحالًا. 

(۞ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ)، سمعها سيدنا يوسف فلم يُعاقبهم عليها، ولم يذكُر لهم حقيقة ما كان عليه وأسرَّها: 

  • وأسرَّها يوسف في نفسه: (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ)؛ ولم يُعاِتبهم بعد ذلك، ولم يقل: لِمَ تقولون كذا، ولِمَ فعلتُم كذا، وتابع في الإسرار في نفسه قوله، من دون أن يُسْمعهم.
  • (وَلَمْ يُبْدِهَا)، لم يظهرها لهم؛ (أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا)، -منزلة- إذ عمِلتم بي ما عمِلتم، وأَحزنتم أباكُم، وتصرَّفْتم هذا التصرُّف بدعوى الحسد من نُفوسكم.

(أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77))، أنكم تقولون تقوُّلًا على يوسف وتعلمون أن: 

  • ما سَرِقَةِ يوسف إلَّا كسْر صنم. 
  • أو تحيُّل عمَّته، في وضع المِنْطقة -الحزام- عليه، من دون اختيار منه. 

وقد عُرف ذلك عندهم وتبيَّن لهم، فهو (أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ).

 

تفسير قوله تعالى: (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78))

فقال إذًا حكمهُ أن نأخذ هذا الذي وجدنا السقاية عنده، فيبقى عندنا، (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا)، قد كبُرت سِنُّه، وهو يحبه محبة شديدة أشد من محبته لنا، ولا يقوى على فراقه، (إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ)، خذ واحدا منَّا رهن -بدل هذا- احبسه عندك، ويقوم لك مُسْترَقًّا حتى نوصل هذا إلى أبيه ، ويبرُد جأشه.

(يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ)، وكان الله قد قال ليوسف؛ اعمل كذا وخذ أخاك. قالوا له: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، احسنت استقبالنا أولًا وآخرًا؛ رأينا فيك صِفات تذكِّرنا بأبينا وبالأنبياء وبالصالحين، ورأينا معاملة جيدة حسنة منك، فأكمل إحسانك معنا؛ (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ). 

 

تفسير قوله تعالى: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ (79))

(قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ)، أن نأخذَ واحدًا ليس لنا حق أن نأخذه، (إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ)؛ لم يقل: إلَّا مَن سرق؛ لأن أخاه لم يسرق، ما قال: لن نأخذ إلَّا مَن سرق؛ ويعرف إنه لم يسرق، ولا سرق -أخوه-، (إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ)؛ لأنه هو الفرد الذي أمرني ربي أن أبقيهُ عندي، فإذا أخذتُ غيره، أكون خالفت كلام ربي فصرت ظالمًا؛ (إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ). 

(مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ (79))؛ أي إذا أخذتُ غير هذا من دون أمر من عندِ ربي، وأكرهتُ أحدكم أن يبقَ عندي فقد ظلمتُ، (إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ): 

  • (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ)، وهو مع تعامله مع الوحي الباطن بينه وبين الحق -جلَّ جلاله- يتلفَّظ بالألفاظ التي فيها الإرشاد إلى تعظيم الشرائع: 
    • وأن لا يؤاخَذ غير الجاني، وأن لا يؤاخَذ الإنسان بجناية غيره: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) [فاطر:18].
  • (مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا)، إذا وآخذنا واحدًا بسرقة الآخر، أو بجناية الآخر، فقد وقعنا في الظلم؛ (إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ). 

 وهكذا لمَّا وقف بعضهم عند بعض الأمراء، وكان لأخيه موقف مع الأمير ومع المملكة، وشاعر يهجو، فقال: أنت أخُو فلان؟ قال: نعم؛ لأحْبسنَّك الآن حتى يأتِ أخوك، قال: أرأيت لو جئِتُ لك بكتاب من عند أمير المؤمنين أن تُطلقني، أتُطْلقُني؟ قال: تؤاخذني بزلة أخي، قال: نعم إذا جاء كتاب من عند أمير المؤمنين سأطلقك، قال: فهذا كتاب الله وعليه شهود؛ أن الحق -سبحانه وتعالى- يقول في كتابه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)؛ قال: هذا براءتي من كتاب الله وشهادة إبراهيم وموسى، (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) [النجم:36-38]؛ قال هذا لُقِّن حجته؛ أطلقوه، فما قدر أمام وضوح الآية. 

 

تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80))

(مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ (79))، حاولوا بأي محاولة أن يقنعوه، أن يترك لهم الأخ هذا ويأخذ مَن شاء منهم، فأبى؛ (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ)، وأيقنوا أنه لا يقبل: 

  • (خَلَصُوا)، يعني، انتحوا ناحية وحدهم.. 
  • وانتزعوا؛ (خَلَصُوا) خرجوا عن مُخالطة الآخرين وقاموا وحدهم. 

(نَجِيًّا)، أي مُتناجين يتشاورون بينهم البين في مشكلتهم، ماذا نعمل؟ وما هذا الذي فوجئنا به؟ وما الذي حصل؟ 

(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ)، يعني أيقنوا أنه لن يُعطيهم، ويئسوا أن يقبل منهم أي كلام غير هذا؛ 

  • (خَلَصُوا نَجِيًّا)، أي انفردوا لوحدهم، (خَلَصُوا).
  • (نَجِيًّا): يُناجي بعضهم بعض، يُكلِّم بعضهم بعض (خَلَصُوا نَجِيًّا)؛ في تشاورهم. 

تكلَّم معهم الكبير: (قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ)، وحلفْنا يمين بالله أن نرُد هذا الأخ (وَمِن قَبْلُ) نسيتم؟! وما تتذكرون ما الذي صدر منكم؟ (مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ)؛ فعظَّموا شأن الموثِق، عظََّموا شأن العهد، عظَّموا شأن اليمين: 

  • وهكذا كل مؤمن، بل كل ذي طبع سليم من البشر؛ إذا عَاهَد عهِد، أو وعَد وعِد، لا يتراجع عنه ولا يُخلفه ويستحي. 
  • ولكن هؤلاء الذين خرجوا عن حقيقة الإنسانية وكرامتها، وعن حقائق الإيمان لا يُبالي؛ أن يعطيك يومين وثلاثة وعشرة وينكث بها كلها -والعياذ بالله-. 

يعمل عهد وميثاق ويذهب، ثم ترى ذلك مُستشري في أفراد وجماعات وهيئات وأحزاب ودول؛ فتعلم انحِطاط الإنسانية، ما الذي حلَّ بهذه الإنسانية؟! ما الذي طرى، ما الذي جرى على البشر في هذا الوجود؟! 

وقد كانوا حتى في الجاهلية -حتى مع الشرك، حتى مع الكفر- إذا عاهدوا عهد، إذا أعطوا موثق يوفون ولا يستطيعون المُخالفة؛ ويُعظِّمون الأمر، فصاروا عبيدًا للشهوات والتُرَّاهات؛ لا يُبالي بالنقيصة ولا بالعيب ولا بالعار، ولا بالجريمة، يعطيك الأيمان والعهود وذهب، ولا شيء منها يتم -أعوذ بالله- ما هذا الانحطاط؟! 

قال: 

  • (أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ) -يمينًا بالله تعالى- (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ) [يوسف:66].
  • (وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ)، علمتم ما الذي قد حصل: 
    • (فَلَنْ أَبْرَحَ) أنا، لا أستطيع أرجع إلى عند أبي، ولا أسافر أبدًا، أنا سأمكث في هذه البلاد في هذه الأرض. 
    • (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ)، من أرض مصر التي هم فيها، من تلك القرية التي فيها يوسف عليه السلام. 

(فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي) -فبيني وبينه العهد والميثاق- (أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي): 

  • إما تظهر براءة أخي، أو يحصل العفو عنه. 
  • أو بأي حال و بأي وسيلة ينجيه الله وأرجع أنا وإياه. 

(حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80).

 

تفسير قوله تعالى: (ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81))

وفي كلامه -ثم في كلام أخوته أيضًا مع أبيهم- دليل على أن بواطنهم ليست مطمئنة إلى أنه صحيح أخاهم سرق؛ فإنهم يعرفون خُلق أبيهم أين تربى، ومَن رباه! وإنه ليس طبيعته السرقة، لهذا لقَّنهم، قال: (ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ)، اذهبوا أنتم إلى عند الوالد، لا أستطيع أقابل أبي، ولا أبرح هذه الأرض، ولا أُفارقها حتى يكون أخي معي، أو أبي يأذن لي ويقول: معذور وأخْرجتك من الموثِق الذي بيني وبينك، وتعال إلي؛ فإما حكم من الله، أو إذِن من أبي، وإلَّا مكاني؛ (حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80)) 

(ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ)، اذهبوا أنتم إلى عند أبينا يعقوب عليه السلام (فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) -في ظاهر الأمر، فيما شاع ورأت الأعيُن- (إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا)، لا نشهد عليه بالسرقة، ولا نوقِن أنه سرق، لكن الواقِع أنهم أخرجوا سقاية الملِك والصِواع من رحْلِه؛ فهذا الذي شهِدنا ورأينا، (وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا) هذا الذي علِمنا وهذا منتهى علمنا فقط، أن السقاية أُخرجت من رحْلِ أخينا هذا. 

(وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81))، لا نطَّلع على الغيب، أن دُسَّت في رحلِ أخِينا أو كيف دخلت إلى رحْله، فإننا لا نعرف؛ لكن الواقع الذي علمناه أنه؛ عندما فتَّشونا واتَّهمونا بالسرقة وجدوا الأمر هذا الذي ادَّعوا أنه مسروق في رحل أخِينا بنيامين واستخْرجوه، وأنت تعلم الحُكم، أنه إذا وُجدت سرِقة، فالسَّارق رهينة عند المسروق عليه، والحُكم أنه يبقى معه.

 

تفسير قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82))

(وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا)، فإنَّنا مُتَّهمون -ومن قبل قد عملنا مشكلة في يوسف وكذبنا على أبينا، الآن ربما يتَّهمكم-، قولوا له: معنا حُجَّة وبرهان؛ (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا)، مصر وأهل مصر، فالقضية مُنتشرة بينهم وهم يعلمون هذا الذي نقول لك: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا)، فإن فيها قوم من كنعان من جيران سيدنا يعقوب، قال: اسألهم، واسأل هؤلاء الذين معنا في العير، إسألهم (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82)).

 

تفسير قوله تعالى: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83))

فقال الكبير -هذا فيهم-؛ أنا لا أستطيع أن أخرج من البلد، (حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي..(80))، اذهبوا أنتم، ذهبوا، فجاء إلى عند يوسف، قال له: ماذا بك؟ قال: حبستَ أخي، وأنا أريد أن أبقَ مع أخي، قال: ادخل. وأكرمه، وذهب الجماعة حتى وصلوا عند سيدنا يعقوب، وإذا اثنين من أولاده غير موجودين؛ بنيامين وكبيرهم، ماذا بكم؟ (إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82)):

  • لم يلتفت إلى احتجاجهم بالبراهين، (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا). 
  • استذكر الفعلة الأولى التي فعلوها بيوسف عليه السلام، و (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا).

قد قال لهم -لما قالوا: أن يوسف أكله الذئب- هذا الكلام ورده لهم: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)..

  • أمري أنا؛ صبر جميل بيني وبين الله، ما معي إلَّا الصبر. 
  • أمري صبر جميل: صبر جميل أبتغي به وجه الله: 
    • لا أتشكَّى عند الخلق ولا أتضجر. 
    • وأُسلِّم الأمر لله، مع ما في قلبي من الألم والحزن أصبر. 

(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا)، بهم أو بهما؟؛ صاروا ثلاثة الآن: يوسف وبنيامين وكبيرهم.

  • (عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ)، الثلاثة كلهم  سيأتون -يرجعون- إلى عندي. 
  • (عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا)، وفي نغمته أنه عنده من الله إشعار أن الجماعة سيَجتمعون وسَيأتون. 

(عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ)، 

  • (الْعَلِيمُ) بحزني وما نزل بي، وبصبري وبتحمُّلي، وبألم قلبي 
  • (الْحَكِيمُ (83)، فيما يُقدِّر ويُدبِّر ويُقدمِّ و يُؤخِّر.

 

تفسير قوله تعالى: (وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84))

(وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ)، أعرض عنهم وانتحى منهم ناحية، (وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ)، الحادثة القريبة في بنيامين وأخيه، لكنه تذكَّر الأولى؛ مُشيرًا إلى: 

  • أن الألم لا يزال في القلب من تلك الأيام، 
  • وأن هذه الحادثة بعثت ما كمُن في ذاته، من الحزن على ذاك. 

والأسف هو أشدُ الحزن وأعظمه، (وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ)، طلعتْ الغشاوة البيضاء على سواد العين؛ فابيضَّت العين، فضعفت الرؤية، (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84):

  • (كَظِيمٌ): مكظوم الفؤاد من شدِّة ما نازله من الأحزان.

 

تفسير قوله تعالى: (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85))

وسمعوه يتأسَّف على يوسف، قالوا: يا أبانا مازلت تذكر يوسف؟! من زمان قد أكله الذئب، (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ)، لازلت مستمر تذكر يوسف؟! .. يوسف .. يوسف .. (تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ): 

  • (حَرَضًا): أي مريضًا متُعبًا مُدْنفًا مُشرفًا على الهلاك (حَرَض).
  • (أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85))، تموت تخرج من هنا. 

 

تفسير قوله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86))

قال لهم: يا أولادي؛ أنا لم أشكُ إليكم، ولا رجعت إليكم، ولا إلى غيركم: 

  • (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي)، وهو أشدُّ الحزن. 
  • (أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي)، أي وجميع أمري: 
    • (بَثِّي) على الخصوص. 
    • (وَحُزْنِي) كله على العموم إلى الله.

(إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)، قال: أنا تمسَّكت بحبل الله، ووثقت به ورجوته، وشكواي إليه وحده جلَّ جلاله.

  • (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86): 
  • من عظيم رحمته وحُسن تدبيره أعلم (مَا لَا تَعْلَمُونَ).
  • وأعلم (مَا لَا تَعْلَمُونَ): 
    • مما أنبأني بحياة يوسف وأنه سيأتي. 
    • ومما كان قد أرى يوسف؛ ورؤيا الأنبياء حق ووحي. 
    • وأنه سيَسجد له: (أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)؛ [يوسف:4].

أنهم سيَجتمعون، وأنهم سيَسجدون ليوسف إكرامًا وتعظيمًا لا عبادة، حاشا من عبادة غير الله تعالى للأنبياء وللمُرسلين صلوات الله عليه وللمؤمنين.

(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)، فيا صاحب الهموم والمشاكل والأتعاب؛ معك ربّ قوي عظيم متين قادر، بُث إليه حُزنك، بُث إليه همك. 

 

تفسير قوله تعالى: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87))

(إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا): 

  • قوموا بالأسباب (فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ)، ابحثوا على يوسف! -عجيب انظروا! يعلم أنه لا يزال موجود-.
  • (فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ)، كرمه وجوده وإحسانه ليتفضَّل به فيُبلِّغ النفس مُناها؛

(وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ):

  • والمعنى؛ ومهما وعدني الله أن يوسف سيرجع وما إلى ذلك فعليَّ أن أقيم السبب، وأنتم لا تجلسوا عندي هنا، على الأمر: (اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ)، ارجعوا ثاني مرة تأتون لنا بالميرة عند نفاذ هذا الطعام، وتتحسسوا من يوسف وأخيه.
  • حتى يقول بعض أهل التفسير، أنه لمَّا قصّوا له خبر هذا الملِك وأخلاقه، رجا أن يكون هو يوسف، وقال الآن: (اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ) -اذهبوا إلى هناك- (فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87))، فذهبوا يتحسسون. 

وهكذا يا مُبتغي أي خير تحسَّس .. تحسَّس واصدق مع الله؛ تجد المطلوب وتنال المرغوب، (فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ)، يا مُريد الصدق، يا مُريد القُرب، يا مُريد المعرفة، يا مُريد المُرافقة للأكابر، يا مُريد إقامة أمر الله، يا مُريد الاستقامة، يا مُريد حسن الخاتمة:

  • تحسَّس من ذلك بالعلم والعمل والتقوى والتعاون على الخير.
  • ولاتيأس من روح الله؛ يُمِدّك ويُؤيِّدك ويُنِيلك مطلوبك. 

فهو الكريم الذي لا يرُد من سأله، ولا يُخيِّب من أمَّله ولا يَكِل إلى أحد من توكَّل عليه؛ (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق: 3]. 

يا مُتحسَّسًا من صلاح أحوال المسلمين ورفع هذه البلايا والآفات والعاهات، بلاء نزل بالمسلمين: 

  • بسببه توقَّفت جُمعات للمسلمين. 
  • بسببه قصُر الوافدون على بيت الله، والوافِدون على حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

 الله يرفع هذا البلاء، الله يدفع هذا الشر الذي نازل الأمة وترتَّب عليه ضعف ونقص في الدين -والعياذ بالله تبارك وتعالى- مما لا يكاد يحصل أو يتكرر في تاريخ الأمة بهذه الصورة وبهذا الشكل. 

وقد يأتي شيء من البلاء على مدى تاريخ الأمة في بُقعة معيَّنة -في مكان معيَّن-؛ الآن في أماكن كثيرة ودول كثيرة توقفت جُمعات وتوقفت شعائر من شعائر الدين، وحلَّ بالحج ما حل، وحل بلاء عظيم نزل على الأمة؛ سببه ذنوبنا واتِّكالُنا إلى غير الرَّب والتجاؤنا إلى غير الإله وظُلمنا لبعضنا البعض، فلنرجِع ولنتحسَّس من الفرج للمسلمين بالتوبة والصِّدق والتضرُّع إلى الله؛ (فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)).

آمنا بك ولن نيأس من رَوحك فجُد علينا بدفع البلايا، وكشف الرزايا، وجُد علينا بما أنت أهلُه في الظواهر والخفايا؛ يا واهب المزايا، يا كاشف الشدائد، يا أحد يا واحد، يا مَن بيده أمر الأول والآخر والظاهر والباطن، لا إله إلَّا أنت، فرِّج كروبنا، وادفع البلاء عنَّا، وأصلح شأننا واجعل الموسم هذا من أبرك المواسم علينا وعلى أمة نبيك محمد أجمعين ظاهرًا وباطنًا برحمتك ياأرحم الراحمين.

 بسر الفاتحة

اللهم صلِّ عليه وعلى سيدنا محمد وبارك عليه

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

19 ذو القِعدة 1442

تاريخ النشر الميلادي

29 يونيو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام