(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:
﷽
(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)۞ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ (79) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85)قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)))
الحمد لله مُكْرمنا بالقرآن والوحي والتنزيل، وهادينا إلى أقوم السبيل على يد أكرم معلِّمٍ وهاد ودليل، سيدنا محمد المصطفى المُجتبى ذو الخلق العظيم والقدر الجليل، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وصحبه خير جيل، وعلى مَن والاهم فيك واتَّبعهم بإحسانٍ في النية والقصد والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، مَن خصصتهم بأسنى فضلك الجزيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقرَّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا ذا المنِّ العريض الطويل.
أما بعد،،
فإنَّنا في تأمُّلنا لكلام ربنا -جلَّ جلال وتعالى في علاه-، وتعليمه إيَّانا، وهدايته لنا وبيانه -سبحانه وتعالى- انتهينا في سورة يوسف، وقصة سيدنا يوسف إلى:
ما الذي تتهِّمونا به؟ وماذا ضاع عليكم وفُقِد من بين أيديكم؟
(قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ)، نجعله جعالة على مَن يُحضِرهُ ويأتي به، (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72))، أي ضامن.
(قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (74)، إن ظهر كذبكم ووجدنا الصُواع وسقاية الملِك عندكم، (قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ)، فهو الحُكم جزاؤه، وهو جزاؤه جزاء المسروق؛ وقد كان في حُكْمِ سيدنا يعقوب عليه السلام وآل يعقوب ومَن حولهم ممن آمن بهذه الشريعة؛ أن السارق يصيرُ رقيقًا للذِي سرق عليه فيبقى عنده؛ قالوا: (فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75)).
تفسير قوله تعالى: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76))
وجاء بالترتيب: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا)؛ مهدَّنا ورتَّبنا (لِيُوسُفَ)؛ فهذا دليل على أن هذه الأعمال من يوسف كانت بوحي له من الله، هو الذي رتَّب له وخطط هذا، وإلَّا كان مقتضى البشرية والعقل المجرد أنه بمجرَّد ما عرف إخوتَه أن يُرتِّب لقاءهُ بأبيه وقُربه منه، وإنهاء الحزن الذي عند أبيه وما إلى ذلك، ولكن الله أوحى إليه اِصنع كذا، وَاصنع كذا، وَاصنع كذا فأوحى إليه؛
(كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) رتَّبنا وهيأنا، ليبقي أخاه هذا دُونهم في دِين الملِك؛ في حِصْنِه وكنفه وقصره إلَّا أن يشاء الله.
قال الحق تبارك وتعالى؛ طيَّ هذه الإيحاءات ليوسف عليه السلام، والقصة وما فيها؛ إشارة إلى ما نُخصص به مَن نُخصص من الكرامة والرفِعة؛ (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)):
تفسير قوله تعالى: (۞ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77))
فلمَّا أُخرجت في الأخير، من رحْل بنيامين -شقيق يوسف-؛ نكسوا رؤوسهم واُُرهبوا للموقف واستحيوا وأرادوا أن يتملَّصوا من الأمر وقالوا: هذا؟! هذا يسرق؟! هذا وشقيقه الأول الذي كان معه قد سرق؛ لكن نحن ليس عندنا هذا الأسلوب، لكن هو وأخوه لانعلم ماذا فيهم! وهؤلاء فيهم مشكلة؛ (۞ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ)، يعني شقيقه سيدنا يوسف يسمعهم، يعْنونه هو.
قالوا: (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ)، قالوا سبب قولهم ذلك:
ماذا حُكمه؟
فقالوا: (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ)؛ ولم يسرق سيدنا يوسف عليه السلام، وقيل: إنما انتحلُوها انتحالًا.
(۞ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ)، سمعها سيدنا يوسف فلم يُعاقبهم عليها، ولم يذكُر لهم حقيقة ما كان عليه وأسرَّها:
(أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77))، أنكم تقولون تقوُّلًا على يوسف وتعلمون أن:
وقد عُرف ذلك عندهم وتبيَّن لهم، فهو (أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ).
تفسير قوله تعالى: (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78))
فقال إذًا حكمهُ أن نأخذ هذا الذي وجدنا السقاية عنده، فيبقى عندنا، (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا)، قد كبُرت سِنُّه، وهو يحبه محبة شديدة أشد من محبته لنا، ولا يقوى على فراقه، (إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ)، خذ واحدا منَّا رهن -بدل هذا- احبسه عندك، ويقوم لك مُسْترَقًّا حتى نوصل هذا إلى أبيه ، ويبرُد جأشه.
(يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ)، وكان الله قد قال ليوسف؛ اعمل كذا وخذ أخاك. قالوا له: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، احسنت استقبالنا أولًا وآخرًا؛ رأينا فيك صِفات تذكِّرنا بأبينا وبالأنبياء وبالصالحين، ورأينا معاملة جيدة حسنة منك، فأكمل إحسانك معنا؛ (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
تفسير قوله تعالى: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ (79))
(قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ)، أن نأخذَ واحدًا ليس لنا حق أن نأخذه، (إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ)؛ لم يقل: إلَّا مَن سرق؛ لأن أخاه لم يسرق، ما قال: لن نأخذ إلَّا مَن سرق؛ ويعرف إنه لم يسرق، ولا سرق -أخوه-، (إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ)؛ لأنه هو الفرد الذي أمرني ربي أن أبقيهُ عندي، فإذا أخذتُ غيره، أكون خالفت كلام ربي فصرت ظالمًا؛ (إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ).
(مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ (79))؛ أي إذا أخذتُ غير هذا من دون أمر من عندِ ربي، وأكرهتُ أحدكم أن يبقَ عندي فقد ظلمتُ، (إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ):
وهكذا لمَّا وقف بعضهم عند بعض الأمراء، وكان لأخيه موقف مع الأمير ومع المملكة، وشاعر يهجو، فقال: أنت أخُو فلان؟ قال: نعم؛ لأحْبسنَّك الآن حتى يأتِ أخوك، قال: أرأيت لو جئِتُ لك بكتاب من عند أمير المؤمنين أن تُطلقني، أتُطْلقُني؟ قال: تؤاخذني بزلة أخي، قال: نعم إذا جاء كتاب من عند أمير المؤمنين سأطلقك، قال: فهذا كتاب الله وعليه شهود؛ أن الحق -سبحانه وتعالى- يقول في كتابه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)؛ قال: هذا براءتي من كتاب الله وشهادة إبراهيم وموسى، (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) [النجم:36-38]؛ قال هذا لُقِّن حجته؛ أطلقوه، فما قدر أمام وضوح الآية.
تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80))
(مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ (79))، حاولوا بأي محاولة أن يقنعوه، أن يترك لهم الأخ هذا ويأخذ مَن شاء منهم، فأبى؛ (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ)، وأيقنوا أنه لا يقبل:
(نَجِيًّا)، أي مُتناجين يتشاورون بينهم البين في مشكلتهم، ماذا نعمل؟ وما هذا الذي فوجئنا به؟ وما الذي حصل؟
(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ)، يعني أيقنوا أنه لن يُعطيهم، ويئسوا أن يقبل منهم أي كلام غير هذا؛
تكلَّم معهم الكبير: (قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ)، وحلفْنا يمين بالله أن نرُد هذا الأخ (وَمِن قَبْلُ) نسيتم؟! وما تتذكرون ما الذي صدر منكم؟ (مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ)؛ فعظَّموا شأن الموثِق، عظََّموا شأن العهد، عظَّموا شأن اليمين:
يعمل عهد وميثاق ويذهب، ثم ترى ذلك مُستشري في أفراد وجماعات وهيئات وأحزاب ودول؛ فتعلم انحِطاط الإنسانية، ما الذي حلَّ بهذه الإنسانية؟! ما الذي طرى، ما الذي جرى على البشر في هذا الوجود؟!
وقد كانوا حتى في الجاهلية -حتى مع الشرك، حتى مع الكفر- إذا عاهدوا عهد، إذا أعطوا موثق يوفون ولا يستطيعون المُخالفة؛ ويُعظِّمون الأمر، فصاروا عبيدًا للشهوات والتُرَّاهات؛ لا يُبالي بالنقيصة ولا بالعيب ولا بالعار، ولا بالجريمة، يعطيك الأيمان والعهود وذهب، ولا شيء منها يتم -أعوذ بالله- ما هذا الانحطاط؟!
قال:
(فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي) -فبيني وبينه العهد والميثاق- (أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي):
(حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80).
تفسير قوله تعالى: (ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81))
وفي كلامه -ثم في كلام أخوته أيضًا مع أبيهم- دليل على أن بواطنهم ليست مطمئنة إلى أنه صحيح أخاهم سرق؛ فإنهم يعرفون خُلق أبيهم أين تربى، ومَن رباه! وإنه ليس طبيعته السرقة، لهذا لقَّنهم، قال: (ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ)، اذهبوا أنتم إلى عند الوالد، لا أستطيع أقابل أبي، ولا أبرح هذه الأرض، ولا أُفارقها حتى يكون أخي معي، أو أبي يأذن لي ويقول: معذور وأخْرجتك من الموثِق الذي بيني وبينك، وتعال إلي؛ فإما حكم من الله، أو إذِن من أبي، وإلَّا مكاني؛ (حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80))
(ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ)، اذهبوا أنتم إلى عند أبينا يعقوب عليه السلام (فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) -في ظاهر الأمر، فيما شاع ورأت الأعيُن- (إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا)، لا نشهد عليه بالسرقة، ولا نوقِن أنه سرق، لكن الواقِع أنهم أخرجوا سقاية الملِك والصِواع من رحْلِه؛ فهذا الذي شهِدنا ورأينا، (وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا) هذا الذي علِمنا وهذا منتهى علمنا فقط، أن السقاية أُخرجت من رحْلِ أخينا هذا.
(وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81))، لا نطَّلع على الغيب، أن دُسَّت في رحلِ أخِينا أو كيف دخلت إلى رحْله، فإننا لا نعرف؛ لكن الواقع الذي علمناه أنه؛ عندما فتَّشونا واتَّهمونا بالسرقة وجدوا الأمر هذا الذي ادَّعوا أنه مسروق في رحل أخِينا بنيامين واستخْرجوه، وأنت تعلم الحُكم، أنه إذا وُجدت سرِقة، فالسَّارق رهينة عند المسروق عليه، والحُكم أنه يبقى معه.
تفسير قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82))
(وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا)، فإنَّنا مُتَّهمون -ومن قبل قد عملنا مشكلة في يوسف وكذبنا على أبينا، الآن ربما يتَّهمكم-، قولوا له: معنا حُجَّة وبرهان؛ (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا)، مصر وأهل مصر، فالقضية مُنتشرة بينهم وهم يعلمون هذا الذي نقول لك: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا)، فإن فيها قوم من كنعان من جيران سيدنا يعقوب، قال: اسألهم، واسأل هؤلاء الذين معنا في العير، إسألهم (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82)).
تفسير قوله تعالى: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83))
فقال الكبير -هذا فيهم-؛ أنا لا أستطيع أن أخرج من البلد، (حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي..(80))، اذهبوا أنتم، ذهبوا، فجاء إلى عند يوسف، قال له: ماذا بك؟ قال: حبستَ أخي، وأنا أريد أن أبقَ مع أخي، قال: ادخل. وأكرمه، وذهب الجماعة حتى وصلوا عند سيدنا يعقوب، وإذا اثنين من أولاده غير موجودين؛ بنيامين وكبيرهم، ماذا بكم؟ (إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82)):
قد قال لهم -لما قالوا: أن يوسف أكله الذئب- هذا الكلام ورده لهم: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)..
(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا)، بهم أو بهما؟؛ صاروا ثلاثة الآن: يوسف وبنيامين وكبيرهم.
(عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ)،
تفسير قوله تعالى: (وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84))
(وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ)، أعرض عنهم وانتحى منهم ناحية، (وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ)، الحادثة القريبة في بنيامين وأخيه، لكنه تذكَّر الأولى؛ مُشيرًا إلى:
والأسف هو أشدُ الحزن وأعظمه، (وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ)، طلعتْ الغشاوة البيضاء على سواد العين؛ فابيضَّت العين، فضعفت الرؤية، (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84):
تفسير قوله تعالى: (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85))
وسمعوه يتأسَّف على يوسف، قالوا: يا أبانا مازلت تذكر يوسف؟! من زمان قد أكله الذئب، (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ)، لازلت مستمر تذكر يوسف؟! .. يوسف .. يوسف .. (تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ):
تفسير قوله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86))
قال لهم: يا أولادي؛ أنا لم أشكُ إليكم، ولا رجعت إليكم، ولا إلى غيركم:
(إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)، قال: أنا تمسَّكت بحبل الله، ووثقت به ورجوته، وشكواي إليه وحده جلَّ جلاله.
أنهم سيَجتمعون، وأنهم سيَسجدون ليوسف إكرامًا وتعظيمًا لا عبادة، حاشا من عبادة غير الله تعالى للأنبياء وللمُرسلين صلوات الله عليه وللمؤمنين.
(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)، فيا صاحب الهموم والمشاكل والأتعاب؛ معك ربّ قوي عظيم متين قادر، بُث إليه حُزنك، بُث إليه همك.
تفسير قوله تعالى: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87))
(إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا):
(وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ):
وهكذا يا مُبتغي أي خير تحسَّس .. تحسَّس واصدق مع الله؛ تجد المطلوب وتنال المرغوب، (فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ)، يا مُريد الصدق، يا مُريد القُرب، يا مُريد المعرفة، يا مُريد المُرافقة للأكابر، يا مُريد إقامة أمر الله، يا مُريد الاستقامة، يا مُريد حسن الخاتمة:
فهو الكريم الذي لا يرُد من سأله، ولا يُخيِّب من أمَّله ولا يَكِل إلى أحد من توكَّل عليه؛ (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق: 3].
يا مُتحسَّسًا من صلاح أحوال المسلمين ورفع هذه البلايا والآفات والعاهات، بلاء نزل بالمسلمين:
الله يرفع هذا البلاء، الله يدفع هذا الشر الذي نازل الأمة وترتَّب عليه ضعف ونقص في الدين -والعياذ بالله تبارك وتعالى- مما لا يكاد يحصل أو يتكرر في تاريخ الأمة بهذه الصورة وبهذا الشكل.
وقد يأتي شيء من البلاء على مدى تاريخ الأمة في بُقعة معيَّنة -في مكان معيَّن-؛ الآن في أماكن كثيرة ودول كثيرة توقفت جُمعات وتوقفت شعائر من شعائر الدين، وحلَّ بالحج ما حل، وحل بلاء عظيم نزل على الأمة؛ سببه ذنوبنا واتِّكالُنا إلى غير الرَّب والتجاؤنا إلى غير الإله وظُلمنا لبعضنا البعض، فلنرجِع ولنتحسَّس من الفرج للمسلمين بالتوبة والصِّدق والتضرُّع إلى الله؛ (فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)).
آمنا بك ولن نيأس من رَوحك فجُد علينا بدفع البلايا، وكشف الرزايا، وجُد علينا بما أنت أهلُه في الظواهر والخفايا؛ يا واهب المزايا، يا كاشف الشدائد، يا أحد يا واحد، يا مَن بيده أمر الأول والآخر والظاهر والباطن، لا إله إلَّا أنت، فرِّج كروبنا، وادفع البلاء عنَّا، وأصلح شأننا واجعل الموسم هذا من أبرك المواسم علينا وعلى أمة نبيك محمد أجمعين ظاهرًا وباطنًا برحمتك ياأرحم الراحمين.
بسر الفاتحة
اللهم صلِّ عليه وعلى سيدنا محمد وبارك عليه
الفاتحة
19 ذو القِعدة 1442