(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:
﷽
(وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ۖ هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66) وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ۚ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76))
الحَمدُ لله مُكرِمنا بالوَحي والتَنزيل، وحُسن البَيان على لِسان عَبدِه المُصطَفى خَير هادٍ وَدليل، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عَبدِك الذي هَدَيتنا بِه إلى سَواءِ السَبيل، وعلى آله الأطهار وصَحبِه خَير جيل، وعلى مَن والاهُم فِيك واتَبعهم بإحسان في كُل نِيةٍ وقَصدٍ وفِعلٍ وقيل، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمُرسَلين أهل الكَرامة والتَبجيل، وعلى آلهم وصَحبِهم وأتباعِهم والمَلائِكةِ المُقَربين، وعِبادك الصالحين، الذين حُبوا مِنك بالتَفضيل، وعَلينا مَعهم وفيهم بِرَحمتك ياأرحم الراحمين يا ذا العَطاء الجَزيل.
أما بَعدُ،،،
تفسير قوله تعالى: (وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ۖ هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65))
فإننا في تَأمُل كَلام رَبنا العَظيم الجَليل -جلَّ جلاله- وتَدَبُر مَعاني ما أوحاهُ إلى عَبدِه المُصطفى الطاهر ﷺ، وَصَلنا في سورة يوسف، على نَبِينا وعَليه أفضَل الصَلاة والسَلام إلى قول الله -جَلَّ جَلاله وتَعالى في عُلاه- في ذِكرِ إخوَة يوسف بَعدَ أن رَجَعوا إلى أَبيهم وأَخبَروه أنَهُم مُنِعوا الكَيلَ إلا أن يَأتوا بِأَخيهم -بِنيامين- شَقيقُ يوسف عَليهم الصَلاة والسلام:
(وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ)، رِحالُهم التي جَاءوا فيها بِالطَعامِ والميرَةِ مِن مِصر؛ (وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ) أي: الثمن -النُقود- التي جَعَلوها ثَمَنًا لأخذِ هذه الميرَةَ، (وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ)، كُل واحِد مِنهُم، قيمَةُ الحِمِل الذي أوتيَهُ مَوجودٌ في حِمِلِه، وسط رَحلِه، (وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي)، أيُ شَيء نُريد؟ أيُ شَيءٍ نَطلُب؟
الرَجُل أكرَمنا وَعامَلنا بالإحسان، وَرَدَ إلينا ثَمَن البِضاعة؛ (هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا):
(وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65))، أي سَهلٌ عَلينا أن نَذهَب ونُحضِرهُ، ونَحن مُحتاجون إِليه.
وقيلَ مَعنى (ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ):
قال: (وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ)، الأثمان التي حَمَلوها مَعهُم لِشِراء هذا الطَعام؛ (رُدَّتْ إِلَيْهِمْ)، وضِعَتْ في رَحلِ كُلِ واحدٍ مِنهُم الثَمَن الذي جَاءَ به..
(وَنَمِيرُ أَهْلَنَا)؛ (مَا نَبْغِي)! (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي)، لا نَروم ولا نُريدُ فَوقَ هذا وأحسن من هذا.
(ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ)، تَمَكَنا من إحضارِ هذا الكَيل، فَتَيَسَّر أمرُه عَلينا، (ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65))، لا نَستَطيع بِجُهد في إحضار الثَمَن، لا نَحتاج الآن إلى جُهد في إحضار الثَمَن، الثَمَن حاضِر والمَسافة عَرفناها والطريق، فَنَذهَب.
تفسير قوله تعالى: (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66))
(قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ)، لمَّا رَأى الحاجَةَ والإضطِرار وإلحاح الإخوةَ أن يَأخُذوا بنيامين هذا، وليكونوا صادِقين عِندَ يوسف -في ظَنِّهم- (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ)، يعني تُحضِرونه إليَّ، تُرجِعونَه (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ)، تَجيؤون به إليَّ (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ)، (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ) يُحاط بِكُم؛ تَفنون، تَهلُكون، يَنزِل عَليكُم أَمر مِن غَير اختيارِكُم، تَحصل لكم زَلزَلَة أو صاعِقة أو موت -تَفقِدون القُدرَة-.
(يُحَاطَ بِكُمْ)، إذا لَم يُحاط بِكَم وَتفنوا كلكم، فَتُرَجِعونَهُ إليَّ بِميثاق وَعهد؛ وفي هذا عِند المُؤمنين أن المَواثيق والعُهود خَطيرةَ وَصعبة:
فإذًا المواثيق خَطيرة، وهكذا تَشهدُ الفِطرة الإنسانية خَطَرَ العَهد والميثاق:
(لَتَأْتُنَّنِي بِهِ)، تَرجِعون إليّ هذا الولد -أخوكم هذا بنيامين-:
(فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66))، الله شاهد وحافظ، وهو مُحيطٌ بنا ويَنظُر ما نَفعل ويَسمَع ما نَقول فَهو الذي سَيُؤاخِذنا، (اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ)، يُذَكِّرهم بعظمة هذا المَوثِق.
وهكذا فانظر كيف صار الناس يتساهلون؛ لا عُهود ولا مَواثيق ولا أيمان ولا أحلاف -أعوذ بالله من غضب الله-، وصاحبُ هذا يوشِكُ أن يَكون من أشد الناس فضيحةً في القيامة، لا يُبالي بِأَيمان ولا بعهود ولا بمواثيق، وقد كان ﷺ جَعَل من عَلامة المُنافِق: "إذا وعَدَ أخلَفَ"، "وإذا ائْتُمِنَ خان"، و"إذا حدَّثَ كذَبَ".
تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67))
قال: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ) -يا أولادي- (لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ)، يا أبنائي لما تَذهَبون الآن -وقَدعُرِفتُم-، وأن عزيز مِصر أكرَمَكُم ومَيَزَكُم عن البَقية فصرتم مرموقين، فلا تدخلوا دفعة واحدة من باب واحد.
لماذا؟!
(يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ)، يقول بعض أهل التَفسير إنه أيضًا يَلمَح سيدنا يعقوب بِروحانِيَته إلى أنه رُبما يَجِدون يوسف في شيء من الأبواب فلا يدخلون من باب واحد، فيدركونه في شيء من الأماكن تلك، فالآن وقت اجتماع الناس في تلك المواطن والناس كُلُهم مِن كُل المَحَلات يَذهَبون لأخذ الميرة فربما وجدوا يوسف في واحد من الأبواب، فادخلوا من هنا ومن هنا ومن هنا، وهم قد وَجَدوه لَكِن ما عَرَفوه.
إلا أن المسألة فيما يَلتاح لأرواح الأنبياء مُبَيَن -فيما يأتي معنا من الآيات- أنهم لما كَشَف لَهُم عن نَفسِه سيدنا يوسف، وأعطاهم قميصه شَم الرائحة من فلسطين سيدنا يعقوب أبوه:
(وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ)، العير التي خرجت من القاهرة، شم الريح، (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) [يوسف:94] قالوا: يوسف مَن يا أبانا؟! الآن أنت ماذا بك؟ أنت في هِيامَك هذا، وتَعلُق قَلبك بيوسف، يوسف قد أكله الذئب من زمان، (فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [يوسف:96] -صلوات الله عليه-.
يقول: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ)، وفيه وُجوب القِيام بالسَبَب:
ولكن مِن جُملة ما قَدَّر الله وَرَتَّب:
(وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ):
(وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ) ظاهراً وباطناً، (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ):
(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ)، أنا مُتَوكل عليه:
قال: ومن عَرفَ عَظَمة هذا الإلٰه وأن الأمرَ كُله بيده، وهو عاقل يريد أن يتَّكِل على شَيء، يَعتَمد على شَيء، فَعَليه يَتَوَكل (وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)):
الله، لا إله إلا الله، اللهم اجعل اعتمادنا عليك واستنادنا إليك:
رَبِّى عَلَيْكَ اعْتِمَادِي *** كَمَا إِلَيْكَ اسْتِنَادِي
صِدْقاً وَأَقْصَـى مُرَادِي *** رِضَاؤُكَ الدَّائِمُ الحَـالْ
يا الله، فارضَ عنَّا، وارزقنا الاعتماد عليك؛ هكذا منهج النبوة.
يقول: (لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ)؛
(وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ) أي فوقنا قدرة تُقَدِّر الأمور وتُدَبرها، لا أحد يُقَدِّم ولا يُؤَخِّر معه، ونحن مُعتَمِدين عَليه مُتَوَكِلين عليه.
يقول: (وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67))، من أراد الحِصنَ الحَصين والقُوَّةَ الغالِبَة فليَتَوَكَّل على هذا الإلٰه، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:3]:
عَلَّمَنا النَبي كُل ما نَخرُج من بيوتنا نقول: "بسمِ اللهِ ٱمنتُ بالله توكَّلتُ على اللهِ، لاحولَ ولاقوَّةَ إلَّا باللهِ"، وأخبرنا أن من قال: "بسمِ اللهِ توكَّلتُ على اللهِ، لاحولَ ولاقوَّةَ إلَّا باللهِ"، عند خُروجه من مَنزِله ناداه مَلَك: "هُديتَ وكُفيتِ و وُقيتَ"، "هُديتَ وكُفيتِ ووُقيتَ"، هِداية وكِفاية ووِقاية، قال حتى يتنحى عنه الشيطان، فَيَقول له شيطان آخر: "كيفَ لكَ برجُلٍ قد كُفِي وهُدِي ووُقِي"؟
"كيفَ لكَ برجُلٍ قد كُفِي وهُدِي ووُقِي"؟ (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) [إبراهيم:12]:
(وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا)، بَيَّن لَنا الطَريق وبَيّن لَنا السبيل وبَيّن لَنا المَسلك: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) [إبراهيم:12]؛ يعني ما هناك مَرجِعيات يُعتَمَد عليها في الوجود أعظم من الله، فإن كان أحد يريد أن يَستند إلى شيء فهذا الإله، إن كان صِدق يعقل ويفهم وإلا فيعتمدون على غير الله، فالكل يخسرون بعد ذلك، وينالهم السوء والعياذ بالله تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ۚ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68))
قال: (وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم)، تفرقوا على الأبواب (مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ)، قال لن يَرُدُّوا شَيء مِن قضائي ولا قَدَري؛ (إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا):
(إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) نفذها وقام بحقها:
يقول تعالى: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68)).
وهم فيها دَرَجات:
تفسير قوله تعالى: (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69))
قال: (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ)..
(وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ)، أخذه عِنده وَمَيَّزهُ بينهم وقَرَّبه إليه، وأَسَرَّ له بالحَقيقة؛ لأن بنيامين صَغير ولا يُدرِك ما فَعل أخوته مع يوسف، وظَن كما نَشَروا وشَهَروا أنه ذَهَب في البَرِيَّة وأكَلهُ الذِئب، وهلك هناك.
حتى جاء في بَعض الرِوايات أنه لمَّا سَأَلَهُ قال له: ولكن كيف تكون أخي؟ لم تَكُن في صُلب يَعقوب ولم تَلِدكَ راحيل؛ بَكى سَيِدنا يُوسف وقَام واعتَنَقه، وقال: أنا أخوك، أنا يوسف بن يعقوب بن إبراهيم، بكى أخوه.
قال: (فَلَا تَبْتَئِسْ)، بِما جَرَى من إشكالات وتَصَرُّف البَشَرِيات والنفوس، ما أحل بي وبك مِن أخواني عاقِبَتُه خير (فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، واكتم الأمر بيني وبينك ففَرِح بِلِقاء أخيه، وتَشَبَّث بِه حتى لما جَهَّزَهُم بَعدَ أَن أضافهم.
تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70))
قال سبحانه وتعالى: (فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ)، هيِّأ الطَعام لهم والأحمال وما يُكرِمهم به، يرجعون به إلى أماكنهم، (جَعَلَ السِّقَايَةَ).
(جَعَلَ السِّقَايَةَ) وهي إناء غالي يَسقُون فيه أنعامَهم، ويَكيلوا به، كان يَكيل به، صواع له يَكيلُ بِه، فقال: (جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ) أي شَقيقِه. ووَدَّعَهُم ومَشوا، لمَّا مشوا، وإذا لاحِق يَلحَقهُم، سَيدنا يوسف يقول: أين السِقاية؟ قال: أين هي؟ قال :من دَخَل إلى هنا؟ من كان هنا مَعنا؟ مَن الذي وَصَل إلى هُنا؟ قالوا: الذين أكرمتهم هؤلاء، هؤلاء الذي أكرمتهم أنت وعَظَمتَهُم، لا يوجد أحد غيرهم وَصَل إلى عِند سِقايتك، قال: الحَقوهم، انظُروا، هل عندهم شي؟
خرجوا يمشون وراءهُم (أَيَّتُهَا الْعِيرُ) وَقِفوا.. (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ):
هؤلاء لما قالوا: (أَيَّتُهَا الْعِيرُ) قفوا، مالكم؟ (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ).
تفسير قوله تعالى: (قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72))
(قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ (71))؟ ما الذي فَقَدتُم من مَتاعِكُم؛ تَتَهِموننا به؟ (مَّاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ)، لم نجده، ولا أحد هناك وصل إليه إلا أنتم، لا نَتَّهِم إلا أنتم به.
(قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ)، من يَرُدَّهُ إلينا لَهُ (حِمْلُ بَعِيرٍ)، سوف نعطيه حِمِل بَعير طَعام، يَقول لَهُم هذا المُؤَذِن: (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ)، أي ضامن.
تفسير قوله تعالى: (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73))
نادوا: (تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ)، صاحَبناكُم أول مَرة وثاني مَرة، هَل رَأَيتُم مِنَّا مَظهَر فَساد؟ هل رَأيتُم مِنَّا كَلام سَيء؟ هل رَأَيتُم مِنَّا تَصَرُف غير لائِق؟ (تَاللَّهِ)، (مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ)، قالوا تَقولون هَكَذا! فَكَيف لَو حَصَلناه مَعَ أَحد مِنكُم؟
تفسير قوله تعالى: (قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75))
(قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ)؟
لو وجدنا السَرِقة عِند أَحد مُنكُم، (قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ)، قال الحُكم أنه يَكون هو والمَسروق، يَرجِع إلى المَسروق عَليه، هذا الحُكُم عِندَهُم
قَالُوا: (مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75))، مَن ظَلَم بالسَرِقة فهذا هو الحُكُم والجَزاء عِندَنا ما كان هذا في القاهرة، عِندَهُم يَضرِبونه ويُخَسِرونَه مثل السَرِقة مَرَّتين، لَكِن هُناك في شَرِع يعقوب يُستَرَق للذي سَرَق عليه، الذي سَرَق عليه، ويَرُد السرقة ويُؤخذ السارق اسير.
تفسير قوله تعالى: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76))
(قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ)، قال: هيا فَتِّشوهم، فبدأ بِالأَول، الثاني، كانوا كُلَما فَتَّشوا أحد مِنهُم استغفر الله تعالى، والثاني، والثالث، هؤلاء فَرحانين تَتَهَلَل وجوهُهُم؛ ليسوا سرَقَة، عالمين بأنفسهم لا أحد مِنهُم يَسرِق.
ولما انتهى العَشَرَة، وباقي واحد فقط، قالوا: هذا لا نَظُن أنه يَسرِق، قال: اصطبروا، فَتِّشوه، وبعد ذلك عندما نَذهَب فستِلحَقونا وتَتهمونا، فَدَعوه وفتحوا الرحل فجدوا السِقاية وَسَط الرَحل، نَكَسوا رُؤوسَهُم، وقالوا: ماذا صَنَعت؟! ماذا صَنَعت؟! ماذا عَمِلت؟! ويحك تُحرِجنا وتوقِعنا في الخِزي! قال: رأيتم السَرِقَة ظَهَرَت عندكم، هذا هو جَزاؤه، هيا اذهبوا الآن، اذهبوا احضروه وأَبقوه عندنا، هو وسرقته، وانتم اذهبوا قد حكمتم على أنفسكم، وقلتم: (جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75))، قالوا: ها!!، كيف؟
(ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)، (كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) يعني: رَتَّبنا ودَبَّرنا:
قال: دَبَّرنا ورَتَّبنا لِيوسف، من أجل أن يجلس معه أخوه في هذه المُدَّة، ويَتَوَصَّل يوسف إلى المُراد بشيءٍ من التَدريج، ولا يَكون في فَجأة يُصعَقون بها أو يَخافون أو يَشتَد الأمرُ عَليه، سبحان الله!.
(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)، دَبَّرنا ورَتَّبنا لِيوسف (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ) -سُبحان المَلِك- (إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ).
يقول الحق: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ)، فمن أراد الرِفعَه فليطلبها مِنَّا بطاعتنا وخضوعه لنا؛ فنرفعه درجات، غيرنا لا يقدر يرفع، غير الله لا يقدر يرفع، هو الذي يرفع هو الذي يخفض -جلَّ جلاله وتعالى في علاه، سبحانه الرافع الخافض-، اصدقوا معنا وأنا أرفع؛ (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ) من الخَلق (عَلِيمٌ (76))، مهما علمت فوقك أعلم منك، وهكذا وهكذا إلى أن ينتهي العِلم إلى الواحد الأحد وهو الذي (قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12] -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
وبدأت شؤون غَريبة جَديدة على القوم، وكيف يَعمَلون؟ وحَاولوا، وقالوا؛ خذ أحدنا بدله واجعلنا نَرُد هذا عند أبيه، قال: نأخذ غير الذي وجدنا متاعنا عنده؟! ما قال عند الذي سرق؛ لأنه يعلم به أنه لم يسرق، (أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ ..(79))، نأخذ أحد آخر بدله؟! ليس هذا ما نريد، وهكذا، وَرجعوا إلى أبيهم إلى آخر القصة كما تأتي معنا.
رزقنا الله الإعتبار والإدِّكار والاستنارة والاستفادة ونفعنا سبحانه بقصص الانبياء أحسن القصص، واجعلنا ممن لآثارهم اتَّبع واقتص، حتى يختصَّنا برحمته الواسعة وعجائب قُربه ومعرفته الخاصة مع من اختص، اللهم أكرمنا بما أنت أهله، وارزقنا الاستقامة على المنهج الذي ترضى به عنَّا، وتولَّنا في الحِس والمعنى، واختم لنا بأكمل الحسنى في خير ولطف وعافية يا رب العالمين.
بسر الفاتحة
الى حضرة النبي محمد اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله
الفاتحة
12 ذو القِعدة 1442