(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:
﷽
(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ۚ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ۚ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) ۞ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53))
الحمد لله مُكرمنا بالقرآن، وبيانه على لسان عبده المُصطفى سيد الأكوان، اللهم أدم منك عنَّا الصلوات والتسليمات في كل آن، عليه وعلى آله وأهل بيته المُطهَّرين عن الأدران، وعلى صحابته الغُرِّ الأعيان، وعلى من وآلاهم فيك واتَّبعهم على مدى الأزمان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل العِرفان، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا كريم يا منّان.
أما بعدُ،،
تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43))
فإنَّنا في نِعمة تأمُّلنا لكلام ربنا -جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه-، وصلنا في سُورة يُوسُف إلى قول الله جلَّ جلاله: (وَقَالَ الْمَلِكُ)، مَلِكُ مِصرَ في ذلك الزَّمان، يُقال له الرَّيَّان، قال للملإِ حَواليه بَعد أن جَمع مِن العلماء وذوي الشّأن في دولته جَمعًا، وأخْبرهُم بِرُؤيا رآها وقَعت مَوقِعًا في قلبه وبالِه، وأحسَّ أنَّ مِن ورائها مَعانٍ وشَيئا يَجبُ أنْ يتنبَّه له.
(وَقَالَ الْمَلِكُ):
(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ)، أي وأرى (وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ)، أي: رأيت ذلك.
(يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ)، كبار أهل مملكته والقوم عنده. (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ) أَفْتُونِي في أمري، (أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ)، أي عبِّروا لي هذه الرؤيا، واذكروا لي تأويلها، (إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43))، تعرفون تأويل الرؤى، فأوُِّلوا لي هذه الرؤيا.
قَذَف الله الرؤيا في قلب هذا الملِك وأراهُ إيّاها:
وهكذا نعرف السِّر الذي أودعه الله -تبارك وتعالى- في الرُّؤى، وأنَّ منها ما يكونُ أضغاثُ أحلام، كما ظن هؤلاء القوم في هذه الرؤيا، وكان ذلك؛ لضعف علمهم، ولنقص إدراكهم، ولما وصلت إلى عند الذي هو أهلٌ للفهم.. عبَّرها وأوَّلها وأقام عليها ترتيبًا في وضع الناس في حياتهم، ترتَّب عليه نفع كبير، ودرءٌ لشر خطير ومجاعة شديدة صعبة لو لم يقم ذلك التدبير بأمر العلي الكبير جلَّ جلاله.
ومع ذلك فإن فيها رَبطًا لهذا الإنسان بشأن الروح؛ لأن الرؤيا في المنام راجعة إلى الروح، من المعلومِ أن الجسد في وقت المنام يتعطل بصره وينقطع عن الرؤيا؛ ولكنه يرى!، فكيف يرى وهو مغمض العينين؟!
فما هي إلَّا حركة الروح، ونشاط الرّوح، ومَدارِك الرّوح.. إلَّا أن الناس يختلفون في صفاء أرواحهم بصفاء أجسادهم عن الحرام، وصفاء بالهم عن الفكر الفاسد والدني والسيء والساقط:
ولقد كان مِن أنواعِ الوحي الذي يُوحيه الله إلى أنبيائه ورسله الرُؤيا؛ فرؤيا الأنبياء وحي..
إذا علمنا ذلك.. ولمّا كان مصدر الرؤيا، رؤيا النظر وإدراك الروح فهي من الله، تعرَّض الذي يَكذب في الرُّؤيا إلى عذابٍ وبُعدٍ أكثر من الكذب الآخر، فإن الكذب مع أنه كله قبيح ومذموم، إلَّا حيث أُبيح للضرورة:
ما عدا ذلك فالكَذِب كله قبيح، وكله مذموم؛ ولكن بعضه أقبح من بعض، فيتضاعف إثم الكذب ويَعظُم خطرُه وشرُه، إذا كان كذِب على مؤمن صالح، يفتري عليه، أو يتقوَّل، أو يترتب على الكذب إضرار بأحد، فإذا كذب على رسول الله كان أشد..
معنى أنَّه يَشتدّ عليه العَذاب؛ لأنَّه كَذَب، قال: رأيت كذا، لأنه كأنه كذب على الله، أنَّه أراهُ؛ وهو لَم يُرهِ ذلك، لأنّ هذه الرُّؤيا إنَّما تكون مِن شأن الرُّوح، ليس باكتساب بصره الجسدي.
وعندما ينامُ الإنسان تخفُّ علاقة الرُّوحِ بالجسدِ الكثيف وبالمادة؛ فتسرح في عالَمِها، وهكذا..
مع ذلك كله، فالرُّؤيا، ومع دلالاتها من أي أحد كان من الأُمة؛ محكومة بحكم الشّرع:
ومن هنا قالوا: أنّه لا تُوخذُ الأحكام من الرؤيا، ولا تُغير الحكم الشرعي من غير شك، ولا يُقبل من المرائي ولا الكشوفات إلَّا ما وافق شرع الله ووحيه وتنزيله وسُنّة نبيه محمد ﷺ، وبذا قال الإمام الجنيد ابن محمد -سيد أهل التصوف ببغداد- قال: لا أقبلُ رُؤيا ولا كَشفًا واطِّلاعًا ولا خَاطِرًا إلَّا بشَاهِدَي عدل، اثنين شُهود عدل، ما هما؟ قال: الكتاب والسنة؛ إن شَهدا لصحَّتِها قبلتُها وإلَّا؛ لا أقبل شىء، وهو الأمر كذلك؛ فهذا هو الميزان الذي جاءنا به خير إنسان ﷺ، والمرجع إليه.
علمنا ذلك، وعلمنا مع ذلك مكانة الرؤيا بعد ذلك في أن فيها دلالات على بعض الغيبيات، على ماضيات، أو مستقبلات، وفيها تنبيهات، وفيها بشارات، وفيها إنذارات، وفي ذلك جاءنا في الصحيحين:
إذًا فلها اعتبار تحتَ حُكم الشّرع، وتَحت مَنهَج الحقّ -تبارك وتعالى-، بِدلالات تَدلُّ عليها، وقد تَحمل البِشارة، أو الإنْذار، أوكشف أمرٍ ماضٍ أو مستقبل؛
تفسير قوله تعالى: (قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44))
وتقدم معنا رؤيا صاحبيِ السّجن وتأويل يوسف لها، وهذه رؤيا الملِك: (سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46)) لما قصَّ الملك رؤياه على الملأ مَن عنده مِن العلماء، والوزراء، وكبار دولته؛ لم يجدوا تفسيرها
وقالوا: (أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ)، أي: أخلاط اختلطت عليه؛ لأنه قد يُؤثِّرُ على الرؤيا:
وأصل الضِّغث أخلاطٌ تؤخذ مِن النَّبات، ويُضمُّ بعضُها إلى بعض؛ ضغث، فجمعه: أضغاث.
تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45))
جرى ذلك وكان السّاقي للملِك الذي كان في السّجن مع سيدنا يوسف ونسي أن يذكُر سيدنا يوسف للملِك -رآهم- فعَرض الملِك عليهم رؤياه، وعَجِزوا عن تأويل الرؤيا، تذكَّر..
(وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا)، من الاثنين؛ الفَتيين الّلذين كانا في السّجن مَع سيدنا يُوسف.
أُوه! (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ)، ادَّكَرَ: تذكَّر.
(بَعْدَ أُمَّةٍ)، بعد مدة سبع سنين، ولم يتذكر، والحَقُّ أنساه؛ لأنه يُريد أن يبقى سيدنا يوسف هذه المُدَّة في السجن، فنسي هذا.
(وَادَّكَرَ)، تذكر الأمر بعد أُمة.
(أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ)، -اييييه-! هذه الرؤيا سيُعبِّرها ذاكَ الغُلام العِبرانِي الذي في السجن، فلما ذَكَره للمَلِك تغيَّر وجهه، قال: ما ذُكِر لي من سنين! قال: وأنا نسيته، وكنت عنده في السجن، وكان من حاله كذا وحاله كذا. قال: اذهب إليه واخبرهُ عن الرُّؤيا واسأله.
فأمر لهم الملِك أن يُرسَل ويَذهب به إلى يوسف، فدخل على سيدنا يوسف، وقد أكَّد له وقت خروجه أن؛ اذكرني عند ربك (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ) [يوسف:42]، ونسيه هذه الفترة كلها، وبعد سبع سنين يأتيه -مرحبا- ومعه رؤيا.. أريدك أن تفسرها، قال: وأنت ماذا فعلت في حَالي وفي قضيتي من البداية، ولا ذكرتنا، والآن تأتيني وقت حاجتك؟! سيدنا يوسف لم يؤنّبه! ولم يُعاتبه، ولم يخاطبه في شأن نسيانه له وعدم قيامه بحقه! ورأى أنّ الرؤيا متعلقة بشأن العباد ومصالحهم؛ أجابه مُباشرة.
تفسير قوله تعالى: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46))
دَخل عند سيدنا يوسف وعرض عليه: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا)، جاوب علينا وخبّرنا ونبّئنا: (فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ)، في رؤيا رآها الملِك وهي: (سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ)، تلتوي اليابسات على الخضر فتُغطيهن، (لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ) الملِك والملأ وقومه..
قال له سيدنا يُوسف مُباشرة الجواب كذا كذا..
تفسير قوله تعالى: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47))
فالطَّريقة لكفايتكم شر الجدب والمجاعة:
(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا)، متواصلة؛ (فَمَا حَصَدتُّمْ)؛ وأخْرجتموه من الزرع، من أكْلِكم:
تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48))
(ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ) السبع سنين هذه:
تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49))
وزادهم عِلمًا لا يتعلَّق برويَا الملِك: (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)، لا علاقة له في الرؤيا هذه! الرؤيا هي ما رأى الملك؛ سوى سبع بقرات، سبع سنوات فقط.. انتهت المسألة! لكن سَيدنا يوسف نبَّأهم عمَّا بعد ذلك مِمَّا علَّمه الله -جلَّ جلاله-؛ أنَّ بعدَ الشِّدة، فلله سُنة، (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ)؛ يعني تَكثُر الأمطار لهم ويحصُل الغَوث لهم، ومِن الغَوث والخِصْب (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)، يعصرون الرُّمَّان، والعِنب، والزَّيتون، وأنواع ما يعصرون.
وقد كان أهل مِصرَ يَعتنون بكثيرٍ من العصَائر، يَعصِرون بها أنواع مِن الحُبوب، وأنواع مِن الثّمار.. (فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)، يعني: سَنة خِصب كامِل ورخَاء، ويَرجِع النَّاس كما كانوا مِن قبلِ السّبع السنين المُجدبة في عَصيرِهم وفي تَحصيلِِم للثمار، (فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)).
تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50))
رجع هذا الفتى يا حضرة الملِك، كلّمنا يوسف، و قال يوسف: كذا و كذا و كذا.. يتأمل! وذا كلام رَصين، قويّ، ومَعقول ومُتطابق مَع معاني الرُّؤيا!
قال: كيف تتركون هذا الإنسان وسط السِّجن إلى الآن؟!
(ائْتُونِي بِهِ)، اذهبوا، هاتوا هذا الرَّجُل إلى عندي هُنا، وابتدأ يمتلئِ بتعظيمِ سيّدنا يُوسف ومعرفة قدره؛ لِما يُريد الله مِن الخير لأهل مَملكته، حتّى كان سَبب تفْريجِ كُروبٍ لمن حواليهم من البَوادِي والأعراب.. ومِن فلسطين جاء إخوة يُوسُف ليعُولوا أهل يوسف وغيرُهم من الأُسَر من فلسطين وغيرها جاءوا، وكلهم انتفعوا ببركة يوسف -عليه السلام-، لمّا أراد الله الخير لذاك الملِك ولمملكته، قذَفَ في قلبه مَحبة يوسف؛ ليُفيضَ الخَير على أهْل تلك المملكة.
فانظر إلى دقائق الأسباب منَ المُسبِّب:
وتأمل هذا.. تَجده سُنّة ربك في الوجود.. سُنة ربك في الوُجودِ مِن أوّل الخلق، لا إله إلَّا هو، جلَّ جلاله-!.
أرادَ أن يُغيثَ أهل مملكة ذلك الملِك فسبَّب له الرُّؤيا، وفَهِم مِن كلامِ يوسف وما عظَّم به، ثم عَلِم مِن أخْبارِه ما امتلأ قلبه اكبارًا لهذا الإنسان؛ لأن الله يريد أن يرحم أهل هذه المملكة، ويكفيهم شرّ المجاعة والسبّع الشِّداد التي تمرُّ عليهم؛ فامتلأ قلب ملِكهم بتعظيمِ يوسف؛ فرحمهم ربهم -جلَّ جلاله-، بل وولَّى يُوسُف بنفسِه، وعلى يديه تنظيم الأمر وترتيبه..
قال: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ)، اخرِّجوه من السجن لماذا هذا مسجون مِن غير حق؟!
(فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ)، من عند الملِك يقول له: يا يوسف الملك يدعوك تخرج معي إليه. قال: لا، أرجع إليه. ارجع إلى ربك؛ (قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ)، يعني الملِك حقك.
(ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)؟ يعني: أوّلًا إعرفوا بَراءتي، وأنّي ما يَحومُ حَولي شَيءٌ مِن الرَّيب، ولا من الشّكّ حتّى أُخرج، -وكما يقولون هؤلاء الآن في اصطلاحاتهم: أقفل الملف-، قفِّل ملف هذا السجين، تطلع براءة كاملة، ويقفل الملف وبعدها اجعلنا أخرج ببراءة.. وتعجَّب النَّبيّ ﷺ في حِلم سيّدنا يوسف وتأنّيه وصَبره، وقال: "لو كنتُ مكانه -بعد السّنين في الحَبس- لبادرتُهم إلى الباب"، أخرج بسرعة.
لكن (قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50))؟
قال أهلُ المَعرِفة: وقولُ النبي هذا، لكونِه:
ولو يأتي واحد ثاني، ثم يقول: ائتِ بكلمة مثل هذه، ويتركونه محلّه، والملف مفتوح وفاتَ المقصود كُله، فما القُدوة فيه إلّا ما قال مُحمد: "لو كنتُ هناك لخرجت"، هو القدوة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فبذلك قال له: (ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ)، قل للملِك هذا، وفي هذا أيضًا سماحة التّعبير في ذِكر الرَّب لمَن توَلّى، كما يُقال ربَُّ الأسرة وغيرها.. وهذا بَعيد عمَّا إذا سَمع كلمَة مِن عامي، أو غيره تحتمل مَعاني، يقول: هذا شرك، وهذا كفر! يقول: ربك؟! ربك الله.
(ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ)، هذا المَلِك هو ربه هو؟!
(ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)، ما خصَّص امْرأةُ العزيز ولا ذكرها؛ لأنه يَرعى حُرمة المُجاورة وحُرمة المُصاحَبة، وأنَّ زوجها كان مالِكُه، وأنه أحْسنَ إليه في ذاكَ الوقت، فما ذكرها بالاسم.
وقال: (مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)؟
فرجع إليه يقول له: يقول لك يوسف: لا يريد الخروج من السِّجن حتى تَنظُر حاله! (مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)؟
قال: اجمعُوهن.. جمعوا النّساء اللاتي قطّعن، ومَعهنُّ امرأةُ العزيز. وخاطبهن الملِك قال: ما خطبُكنّ؟ ما هي قصتكُن؟ ما الذي حصل لكن؟
تفسير قوله تعالى: (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ۚ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ۚ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51))
(قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ)، فتكلَّمنَ كُلُّهنّ بصوت واحد:
حتى التَّعبير (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ)؛ ليس ما علمنا عليه سوءًا. (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ)؛ للاستغراق؛ يعني: ما عنده.. ماعنده، (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ).
تحرَّك قلبُ وضمير امرأة العزيز:
(الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ)؛ فكانت أصْرحَ مِنهن، وأقوى في تبرئة يوسُف مِنهُن، تداركها الحقُّ بضمير، وبقلبٍ ينطقُ بالحقّ،
(أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51))، لو قال: هي راودتني عن نفسي من البداية فهو صادق؛ لكنها قالت؛ أنا الذي كذبت هو ما كذب.
تفسير قوله تعالى: (ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52))
(وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ) -يوسف- (أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ)، دعهُ يعلم أنني قُمتُ بالإنصاف وذكرتُ الحقيقة في وقت المَوقِف المُحرِج ولا أخُنُه بالغيب، يكفي ما قَد حَصَل مِنّي مِن البداية وكذبت، الآن أنا تُبت وأنا في إصلاح لنفسي وحَالي مع الله ومع خَلقُه، (لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52))، لو استمرِّيت في الكذب؛ ستقع لي مَصائِب فوق المَصائِب، ولكن الآن أحسن تُبت.
تفسير قوله تعالى: (۞ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53))
وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) ۞ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي)، من كُلّ ما حصل منّي في الماضي، (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53))، عُيِّنتِ البراءة، ويوسف ما بقى عنده شيء.
(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي .. (54))، هذا عَقل وقِيَم ومُثُل ما حقّها أن تَضيْع، وحقَّها أن تَسْتفيد المملكة منها وأهل المملكة.
(أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي)؛ أجعله صاحب رأيِي، وصاحب مشورتي، وأرجع إليه في أمري، كيف يذهب ويضيع علينا هذا النور ونضعه وسط السجن هنا؟! ولكن (ائْتُونِي بِهِ) إلى محلّه اللائق به، (أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي)؛ فكان فضل الله -تبارك وتعالى-.
وخرج سيدنا يوسف عليه السلام، وأمسك زمام تسيير أمور الناس في تغذيتهم في ذلك الوقت، وتحرك إلى المزارع، وهو بكل ذلك يعبد الله -جلَّ جلاله-، فبِك مع أنّ التّربية كانت في مُبتَكر عمره تحت يد أبيه الكريم يعقوب بن إسحاق، ولكن عناية الله ورعايته، وهذا البذر العجيب في هذه الذات التي اختارها الله تعالى.. كيف نشأ على هذه المكارم والشمائل كلها والخدمة للأمة .. ما جلس بين يدي والده إلَّا في أيّام طفولته، وأيام صغره؛ ولكنه استفاد النّور المُضيء، فقام بحق الدّعوة إلى الله قبل السجن .. ووسط السجن .. وخارج السجن .. مثلًا راقيًا في الفضائل والمُثل والمحاسِن والمكارم.
ثم قام بخدمةِ الأمة التي هو فيها كلها؛ مُسلمهم وكافرهم:
وهكذا -سبحان الله- حتى كان الناس أيام جاء شيء من المجاعة فيما قبل سبعين سنة ثمانين سنة في البلد، وقريب من الثمانين من السنين، يُشاهد الناس أنهم صاروا يأكلون ما لا يأكلونه في الأيام العادية، وصاروا ما يحسون بالشّبع! ويأكلون كثير، وهذا أكل حق الاثنين في مرة واحدة؛ وما كان عادته يأكله! قال سيدنا يوسف: بدأت السّبع الشداد.. وهيأ نفسه للإنفاق، وأعدَّ الأماكن لاستقبال الناس ولإعطائهم من هذا الطعام، ورتب الترتيبات، ونظَّم النِّظام عليه صلوات الله وتسليماته عليه.
ورزقنا الله محبته ومحبة أنبيائه وأوليائه والصالحين من عباده، وحشرنا في زمرتهم، وأغاثنا والمسلمين، وفرِّج كروبنا والمسلمين، وكشف الضر عنا وعن المسلمين، وحوّل أحوالنا إلى أحسن الأحوال، ولا سلَذط علينا فاجرًا ولا كافرًا ولا شقيًا ولا ظالمًا، إنه القوي المتين، والقادر المعين، كافي الشرور، ومصلح الأمور، وشارح الصدور، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
بسر الفاتحة
الى حضرة النبي محمد اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله
الفاتحة
20 شوّال 1442