تفسير سورة يوسف - 10 - من قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ..)، الآية: 43

تفسير سورة يوسف، من قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ}، الآية: 43
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى: 

﷽

(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ۚ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ۚ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) ۞ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • رؤيا الملك والعجز عن تعبيرها.
  • قواعد وأحكام في حقيقة الرؤيا و ميزان الشريعة:
    • حقيقة ارتباط الرؤيا بالروح والحكمة منها.
    • مكانة الرؤيا في الوحي وعِظَم إثم الكذب فيها.
    • ميزان الشريعة الحاكم على الرؤى والكشوفات.
  • عجز الملأ وتذكّر الساقي ليوسف عليه السلام.
  • طريق الفرج من التأويل إلى إظهار البراءة:
    • تأويل يوسف للرؤيا وحسن بيانه.
    • طلب الملك ليوسف واشتراط إظهار البراءة.
    • ظهور الحق و اعتراف امرأة العزيز.
  • تمكين يوسف وإدارته لأزمة السنين الشداد.

نص الدرس:

الحمد لله مُكرمنا بالقرآن، وبيانه على لسان عبده المُصطفى سيد الأكوان، اللهم أدم منك عنَّا الصلوات والتسليمات في كل آن، عليه وعلى آله وأهل بيته المُطهَّرين عن الأدران، وعلى صحابته الغُرِّ الأعيان، وعلى من وآلاهم فيك واتَّبعهم على مدى الأزمان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل العِرفان، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا كريم يا منّان.

أما بعدُ،،

تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)) 

فإنَّنا في نِعمة تأمُّلنا لكلام ربنا -جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه-، وصلنا في سُورة يُوسُف إلى قول الله جلَّ جلاله: (وَقَالَ الْمَلِكُ)، مَلِكُ مِصرَ في ذلك الزَّمان، يُقال له الرَّيَّان، قال للملإِ حَواليه بَعد أن جَمع مِن العلماء وذوي الشّأن في دولته جَمعًا، وأخْبرهُم بِرُؤيا رآها وقَعت مَوقِعًا في قلبه وبالِه، وأحسَّ أنَّ مِن ورائها مَعانٍ وشَيئا يَجبُ أنْ يتنبَّه له. 

(وَقَالَ الْمَلِكُ): 

  • (إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ)، ورأيتُ فِي مَنامي سبعَ بقرات ذواتِ سِمَنْ وقوَّة، وإذا سَبع بقرات عَجفَاء ضَعيفة هَزيلَة، فأكلت السَّبعُ الهزيلة السَّبعَ القويَّة السَّمينة.
  • (وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ) ينبتن في الأرضِ فتأتي سبع سُنبلات يابساتٍ فيحتوين على السَّبع الخُضر ويُغطِّينَهُنَّ. 

(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ)، أي وأرى (وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ)، أي: رأيت ذلك.

(يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ)، كبار أهل مملكته والقوم عنده. (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ) أَفْتُونِي في أمري، (أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ)، أي عبِّروا لي هذه الرؤيا، واذكروا لي تأويلها، (إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43))، تعرفون تأويل الرؤى، فأوُِّلوا لي هذه الرؤيا.

قَذَف الله الرؤيا في قلب هذا الملِك وأراهُ إيّاها: 

  • لتكون سببًا لخروج سيدنا يوسف من السّجن. 
  • و لقيامه بمُهمة في الحياة في نفع الناس، والسعي في مصالحهم، وحفظ الغذاء والطعام لهم. 

وهكذا نعرف السِّر الذي أودعه الله -تبارك وتعالى- في الرُّؤى، وأنَّ منها ما يكونُ أضغاثُ أحلام، كما ظن هؤلاء القوم في هذه الرؤيا، وكان ذلك؛ لضعف علمهم، ولنقص إدراكهم، ولما وصلت إلى عند الذي هو أهلٌ للفهم.. عبَّرها وأوَّلها وأقام عليها ترتيبًا في وضع الناس في حياتهم، ترتَّب عليه نفع كبير، ودرءٌ لشر خطير ومجاعة شديدة صعبة لو لم يقم ذلك التدبير بأمر العلي الكبير جلَّ جلاله.

ومع ذلك فإن فيها رَبطًا لهذا الإنسان بشأن الروح؛ لأن الرؤيا في المنام راجعة إلى الروح، من المعلومِ أن الجسد في وقت المنام يتعطل بصره وينقطع عن الرؤيا؛ ولكنه يرى!، فكيف يرى وهو مغمض العينين؟! 

فما هي إلَّا حركة الروح، ونشاط الرّوح، ومَدارِك الرّوح.. إلَّا أن الناس يختلفون في صفاء أرواحهم بصفاء أجسادهم عن الحرام، وصفاء بالهم عن الفكر الفاسد والدني والسيء والساقط:

  • فمن صفا باطنه -بالهُ وذهنه- عن الفكر في سفاسف الأمور والظنون والخيالات الباطلة، وصفا قلبه عن الكُدورات من معاصي القلب من كبر وعجب، ورياء وغرور وحسد وما إلى ذلك، وصفت جوارحه عن الذنوب والمعاصي كمل صفاء روحه؛ فإذا رأى الرؤيا؛ فالرُؤيا حق، تُنبؤُ عن أخبارٍ وأحوالٍ كثيرة. 
  • وإذا تكدَّر البال بالخيال والضلال، والقلب بالكبر، أوالعجب أو الغرور، أو الحسد، أو الحقد أو الرياء وما إلى ذلك، أو الجوارح بالذنوب والمعاصي؛ تكدَّر صفاء الرُّوح، فلا تُدرك الأشياء على ما هي عليه، وتختلط عليها الأمور وتلتبس.

ولقد كان مِن أنواعِ الوحي الذي يُوحيه الله إلى أنبيائه ورسله الرُؤيا؛ فرؤيا الأنبياء وحي..

  • ولقد كان أول ما بُدِىء به خاتم النبيين، نبينا محمد ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة -الرؤيا الصالحة-؛ "فَكانَ لا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ".
  • وقال الحق -تبارك وتعالى- عن سيدنا الخليل إبراهيم في خطابه لإبنه سيدنا إسماعيل: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ)، أرى في المنام، ولكنها رؤيا منام من خليل الرحمن، فهي وحي من الله، تتضمَّن الأمرَ بأن يذبح هذا الولد، قال:  (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) [الصافات:102].

إذا علمنا ذلك.. ولمّا كان مصدر الرؤيا، رؤيا النظر وإدراك الروح فهي من الله، تعرَّض الذي يَكذب في الرُّؤيا إلى عذابٍ وبُعدٍ أكثر من الكذب الآخر، فإن الكذب مع أنه كله قبيح ومذموم، إلَّا حيث أُبيح للضرورة:

  •  في الإصلاح بين الناس.
  • وفي الحرب. 
  • ولجلب مَودَّة الزوجة، -فيما يتعلق بالمودة فقط-.

ما عدا ذلك فالكَذِب كله قبيح، وكله مذموم؛ ولكن بعضه أقبح من بعض، فيتضاعف إثم الكذب ويَعظُم خطرُه وشرُه، إذا كان كذِب على مؤمن صالح، يفتري عليه، أو يتقوَّل، أو يترتب على الكذب إضرار بأحد، فإذا كذب على رسول الله كان أشد.. 

  • قال ﷺ: "إنَّ كَذِبًا عليَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ ، ومَن كذب عليَّ مُتعمِّدًا ، فلْيتبوَّأْ مقعدَه من النَّارِ". 
  • كما يتضاعف إثمُ الكذب ويعظُم عذابه؛ إذا كذب في رؤيا.. وقال: إني رأيت.. وهو لم يرى، وقد جاء وصحَّ في الحديث عن نبينا: "مَن كلَّف عينيه بما لَم تَريا -كَذَبَ على عَينَيه قال: رأيت، وما رأى في النوم-؛ كُلِّفَ أن يَعقِدَ بين شعيرتين من نّارِ يوم القيامة، كيف يعقد بين شعيرتين ومن النار؟ لو شعيرتين عاديتين ما يقدر يَعقِد بينهن، كيفَ وهي مِن النّار أيضًا؟ كيف يَعقِد بين شَعيرَتينِ من نار؟

معنى أنَّه يَشتدّ عليه العَذاب؛ لأنَّه كَذَب، قال: رأيت كذا، لأنه كأنه كذب على الله، أنَّه أراهُ؛ وهو لَم يُرهِ ذلك، لأنّ هذه الرُّؤيا إنَّما تكون مِن شأن الرُّوح، ليس باكتساب بصره الجسدي. 

وعندما ينامُ الإنسان تخفُّ علاقة الرُّوحِ بالجسدِ الكثيف وبالمادة؛  فتسرح في عالَمِها، وهكذا..

  • كلما كان في يقظته على طُهر وعلى طاعة؛ سهُل ارتقاءُ الروح إلى معهدها الأصيل، وإلى مقام الرِّفعة الجليل.
  • وإذا كانت مُكبَّلة بأنواعِ الذُّنوب والمعاصي؛ سفُلت رؤياها، ورأت أنواع الشُّرورِ والمفاسدَ والمناظر السَّيئة وإلى غير ذلك.

مع ذلك كله، فالرُّؤيا، ومع دلالاتها من أي أحد كان من الأُمة؛ محكومة بحكم الشّرع:

  • لا يُمكن أن يُقبل من دلالة أي رؤيا مخالفة لأمر الشرع ولو في سُنّة، ولو مكروه، ولا إباحة مباح، فضلًا عن واجب، أو عن حرام، لا قبولَ لرؤيا أحد تُغيِّر واجبًا ولا تُغيِّرُ سنة. 
  • الشَّرعُ هو الحاكم على اليقظة والمنام، وعلى العقول والأفكار والآراء والرُّؤى كلها، شرع الله وسراجه ونوره هو الحاكم على كل ذلك.

ومن هنا قالوا: أنّه لا تُوخذُ الأحكام من الرؤيا، ولا تُغير الحكم الشرعي من غير شك، ولا يُقبل من المرائي ولا الكشوفات إلَّا ما وافق شرع الله ووحيه وتنزيله وسُنّة نبيه محمد ﷺ، وبذا قال الإمام الجنيد ابن محمد -سيد أهل التصوف ببغداد- قال: لا أقبلُ رُؤيا ولا كَشفًا واطِّلاعًا ولا خَاطِرًا إلَّا بشَاهِدَي عدل، اثنين شُهود عدل، ما هما؟ قال: الكتاب والسنة؛ إن شَهدا لصحَّتِها قبلتُها وإلَّا؛ لا أقبل شىء، وهو الأمر كذلك؛ فهذا هو الميزان الذي جاءنا به خير إنسان ﷺ، والمرجع إليه. 

علمنا ذلك، وعلمنا مع ذلك مكانة الرؤيا بعد ذلك في أن فيها دلالات على بعض الغيبيات، على ماضيات، أو مستقبلات، وفيها تنبيهات، وفيها بشارات، وفيها إنذارات، وفي ذلك جاءنا في الصحيحين:

  • عن نبينا ﷺ: "الرؤيا الحسنةُ مِنَ الرَّجُلِ الصالحِ جزءٌ مِنْ ستةٍ وأربعينَ جزءًا مِنَ النبوةِ".
  • وجاءنا في الصحيح أيضًا: "ذهبت النبوة وبقيت المبشرات.. قيل والمبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له".

إذًا فلها اعتبار تحتَ حُكم الشّرع، وتَحت مَنهَج الحقّ -تبارك وتعالى-، بِدلالات تَدلُّ عليها، وقد تَحمل البِشارة، أو الإنْذار، أوكشف أمرٍ ماضٍ أو مستقبل؛

  • وقد رأى بعضَ الصَّحابة أحوالَ بعضِ الأموات، وعُرضَ ذلك على النّبي، وأقرَّ أنَّ حاله في البَرزَخِ كما رأى ذلك الرائي. 
  • وحتَّى قال له بعضُ الصّحابة: ورأيتُ فلانًا يا رسول الله وهو في حُلّة مِن حُلل الجنّة وتحدَّثتُ معه وقال لي.. ولكنّه كان يستُر يَده، فسألتُ عن يده، فقال إنّه جَرح يده، فقيل له: أنت بيدك أفسدتَ هذا فلا نُصلِحه، فبقي أثر الجُرح فيهِ فكان يَستُره، فلما قصَّ الرؤيا على نبينا قال: "اللهم وليَديه فاغفر، اللهم وليَديه فاغفر؛ فأقرَّ الرُّؤيا أنها حال هذا الميِّت في القبر وفي البرزَخ كذلك، وأنَّه بقيَ الأثر الذي في يَديه لم يُغفر. قال: اللهم وليديه فاغفر، إلى غير ذلك مما جاءنا.

 

تفسير قوله تعالى: (قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44))

وتقدم معنا رؤيا صاحبيِ السّجن وتأويل يوسف لها، وهذه رؤيا الملِك: (سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46)) لما قصَّ الملك رؤياه على الملأ مَن عنده مِن العلماء، والوزراء، وكبار دولته؛  لم يجدوا تفسيرها

 وقالوا: (أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ)، أي: أخلاط اختلطت عليه؛ لأنه قد يُؤثِّرُ على الرؤيا: 

  • إمّا فِكرُ الإنسان. 
  • وإما نوع الطعام الذي يتعاطاه إلى غير ذلك.
  • وقد يلتبسُ الأمر.

وأصل الضِّغث أخلاطٌ تؤخذ مِن النَّبات، ويُضمُّ بعضُها إلى بعض؛ ضغث، فجمعه: أضغاث. 

  • (قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ)، يعني، اختلاطات وتلبيسات. 
  • (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44))، ما عندنا علم عن رؤياك هذه ولا نعرف فيها شيء. 

 

تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45))

جرى ذلك وكان السّاقي للملِك الذي كان في السّجن مع سيدنا يوسف ونسي أن يذكُر سيدنا يوسف للملِك -رآهم- فعَرض الملِك عليهم رؤياه، وعَجِزوا عن تأويل الرؤيا، تذكَّر..

(وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا)، من الاثنين؛ الفَتيين الّلذين كانا في السّجن مَع سيدنا يُوسف.

أُوه! (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ)، ادَّكَرَ: تذكَّر. 

(بَعْدَ أُمَّةٍ)، بعد مدة سبع سنين، ولم يتذكر، والحَقُّ أنساه؛ لأنه يُريد أن يبقى سيدنا يوسف هذه المُدَّة في السجن، فنسي هذا.

(وَادَّكَرَ)، تذكر الأمر بعد أُمة.

(أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ)، -اييييه-! هذه الرؤيا سيُعبِّرها ذاكَ الغُلام العِبرانِي الذي في السجن، فلما ذَكَره للمَلِك تغيَّر وجهه، قال: ما ذُكِر لي من سنين! قال: وأنا نسيته، وكنت عنده في السجن، وكان من حاله كذا وحاله كذا. قال: اذهب إليه واخبرهُ عن الرُّؤيا واسأله.

  • (أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ)، أنا سآتيكم بخبر هذه الرُّؤيا وتأويلها من مَصدر موثوق.
  • (فَأَرْسِلُونِ)، أرسلوني إلى المكان الذي فيه يوسف في السجن، (فَأَرْسِلُونِ(45)).

فأمر لهم الملِك أن يُرسَل ويَذهب به إلى يوسف، فدخل على سيدنا يوسف، وقد أكَّد له وقت خروجه أن؛ اذكرني عند ربك (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ) [يوسف:42]، ونسيه هذه الفترة كلها، وبعد سبع سنين يأتيه -مرحبا- ومعه رؤيا.. أريدك أن تفسرها، قال: وأنت ماذا فعلت في حَالي وفي قضيتي من البداية، ولا ذكرتنا، والآن تأتيني وقت حاجتك؟! سيدنا يوسف لم يؤنّبه! ولم يُعاتبه، ولم يخاطبه في شأن نسيانه له وعدم قيامه بحقه! ورأى أنّ الرؤيا متعلقة بشأن العباد ومصالحهم؛ أجابه مُباشرة. 

 

تفسير قوله تعالى: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46))

دَخل عند سيدنا يوسف وعرض عليه: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا)، جاوب علينا وخبّرنا ونبّئنا: (فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ)، في رؤيا رآها الملِك وهي: (سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ)، تلتوي اليابسات على الخضر فتُغطيهن، (لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ) الملِك والملأ وقومه.. 

  • (لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46))؛ يعلمون تفسير الرؤيا.
  • و(يَعْلَمُونَ) فضلك ومنزلتك .. أنت الذي نسيناك في هذا المكان، ولم نعلم بك في هذه السنين كلها..
  • (لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) يعلمون تأويل الرؤيا، ويعلمون منزلتك و مكانتك وقدرك يا يوسف.

قال له سيدنا يُوسف مُباشرة الجواب كذا كذا..

  • السّبع السِّمان البقرات؛ سبعُ سنوات مُخصبة، فيها غذاء وخير للناس كثير. 
  • والسبع البقرات العِجاف؛ سبع سنوات مُجدبة، يَقِلُّ فيها الأكل على النّاس، ولا تُنبت لهم الأرض. 
  • والسّبع السُّنبلات الخضر؛ السنين الخَصِيبة، تخضرُّ فيها الأرض وينبُت فيها الزرع. 
  • والسَّبع السُنبلات اليابسة؛ سبع سنوات مُجدبة، سنوات قحط وجدب.

 

تفسير قوله تعالى: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47))

فالطَّريقة لكفايتكم شر الجدب والمجاعة: 

  • أن تنتبهوا في السّبع السّنوات الخَصيبة. 
  • وتحفظوا الطّعام -الحبوب الغذاء- في السنابل.

(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا)، متواصلة؛ (فَمَا حَصَدتُّمْ)؛ وأخْرجتموه من الزرع، من أكْلِكم: 

  • (فَذَرُوهُ)، اتركوه (فِي سُنبُلِهِ)؛ لا تخرجوه من السنابل؛ لأنّ الحبوب هذه إذا خرجت من السنابل تتعرض لأن تتسوس، وتتعرض للتَّلف، لكن ما دامت وسط السُّنبلة تبقى محفوظة، ولا يأكلها الدُّود ولا غيره، فصار خبير زراعي غذائي -عليه صلوات الله تعالى-.
  • يقول: (فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ)، الذي تحتاجونه لأكلُكم الحاضر فقط، تاخُذونه شَيئًا فشَيئا، قليلًا؛ (إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47)). 

 

تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48))

(ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ) السبع سنين هذه: 

  • (سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ)، كل الذي خبأتموه في السبع سنين الأولى تستغرقهُ السّبع سنين التي بعدها، ولا يَبْقى لكم مِنْه شيء.
  • (يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48))، تخزِّنونه وتحافظون عليه ولم تستعملوه، فهو الذي سَيبقى مِن خِلال حَصِيلةَ كُلّ ما خزَّنتُم في السّبع السّنوات الأولى.

 

تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49))

وزادهم عِلمًا لا يتعلَّق برويَا الملِك: (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)، لا علاقة له في الرؤيا هذه! الرؤيا هي ما رأى الملك؛ سوى سبع بقرات، سبع سنوات فقط.. انتهت المسألة! لكن سَيدنا يوسف نبَّأهم عمَّا بعد ذلك مِمَّا علَّمه الله -جلَّ جلاله-؛ أنَّ بعدَ الشِّدة، فلله سُنة، (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ)؛ يعني تَكثُر الأمطار لهم ويحصُل الغَوث لهم، ومِن الغَوث والخِصْب (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)، يعصرون الرُّمَّان، والعِنب، والزَّيتون، وأنواع ما يعصرون.

وقد كان أهل مِصرَ يَعتنون بكثيرٍ من العصَائر، يَعصِرون بها أنواع مِن الحُبوب، وأنواع مِن الثّمار.. (فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)، يعني: سَنة خِصب كامِل ورخَاء، ويَرجِع النَّاس كما كانوا مِن قبلِ السّبع السنين المُجدبة في عَصيرِهم وفي تَحصيلِِم للثمار، (فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)).

 

 تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50))

رجع هذا الفتى يا حضرة الملِك، كلّمنا يوسف، و قال يوسف: كذا و كذا و كذا.. يتأمل! وذا كلام رَصين، قويّ، ومَعقول ومُتطابق مَع معاني الرُّؤيا!

قال: كيف تتركون هذا الإنسان وسط السِّجن إلى الآن؟!

(ائْتُونِي بِهِ)، اذهبوا، هاتوا هذا الرَّجُل إلى عندي هُنا، وابتدأ يمتلئِ بتعظيمِ سيّدنا يُوسف ومعرفة قدره؛ لِما يُريد الله مِن الخير لأهل مَملكته، حتّى كان سَبب تفْريجِ كُروبٍ لمن حواليهم من البَوادِي والأعراب.. ومِن فلسطين جاء إخوة يُوسُف ليعُولوا أهل يوسف وغيرُهم من الأُسَر من فلسطين وغيرها جاءوا، وكلهم انتفعوا ببركة يوسف -عليه السلام-، لمّا أراد الله الخير لذاك الملِك ولمملكته، قذَفَ في قلبه مَحبة يوسف؛ ليُفيضَ الخَير على أهْل تلك المملكة. 

فانظر إلى دقائق الأسباب منَ المُسبِّب: 

  • إذا أراد الخير فمَصدرُ الخير واحد؛ أنبياؤه وأولياؤه. 
  • وإذا أراد أن يُفيضَ على مَن عداهم قذف في قلوب مَن عداهم؛ ولائهم وتعظيمهم ومحبتهم ففاض عليهم.

 وتأمل هذا.. تَجده سُنّة ربك في الوجود.. سُنة ربك في الوُجودِ مِن أوّل الخلق، لا إله إلَّا هو، جلَّ جلاله-!.

أرادَ أن يُغيثَ أهل مملكة ذلك الملِك فسبَّب له الرُّؤيا، وفَهِم مِن كلامِ يوسف وما عظَّم به، ثم عَلِم مِن أخْبارِه ما امتلأ قلبه اكبارًا لهذا الإنسان؛ لأن الله يريد أن يرحم أهل هذه المملكة، ويكفيهم شرّ المجاعة والسبّع الشِّداد التي تمرُّ عليهم؛ فامتلأ قلب ملِكهم بتعظيمِ يوسف؛ فرحمهم ربهم -جلَّ جلاله-، بل وولَّى يُوسُف بنفسِه، وعلى يديه تنظيم الأمر وترتيبه.. 

قال: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ)، اخرِّجوه من السجن لماذا هذا مسجون مِن غير حق؟!

(فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ)، من عند الملِك يقول له: يا يوسف الملك يدعوك تخرج معي إليه. قال: لا، أرجع إليه. ارجع إلى ربك؛ (قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ)، يعني الملِك حقك.

(ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)؟ يعني: أوّلًا إعرفوا بَراءتي، وأنّي ما يَحومُ حَولي شَيءٌ مِن الرَّيب، ولا من الشّكّ حتّى أُخرج، -وكما يقولون هؤلاء الآن في اصطلاحاتهم: أقفل الملف-، قفِّل ملف هذا السجين، تطلع براءة كاملة، ويقفل الملف وبعدها اجعلنا أخرج ببراءة.. وتعجَّب النَّبيّ ﷺ في حِلم سيّدنا يوسف وتأنّيه وصَبره، وقال: "لو كنتُ مكانه -بعد السّنين في الحَبس- لبادرتُهم إلى الباب"، أخرج بسرعة.

لكن (قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50))؟

قال أهلُ المَعرِفة: وقولُ النبي هذا، لكونِه: 

  • في مَحَلّ القُدوة العامَّة للجميع سيعمل ذلك؛ لأنه ليسَ لأحد مِن النّاس أن يكون في أمرٍ لا يدري ما عَاقبته. 
  • يقول: ارجع فسأله، فهل يرجع له، أو يتركه مكانه في السجن؛ لكن سيّدنا يوسف على بَصيرة، وعلى بيِّنه، وعلى عِلم من عِند ربّه.

ولو يأتي واحد ثاني، ثم يقول: ائتِ بكلمة مثل هذه، ويتركونه محلّه، والملف مفتوح وفاتَ المقصود كُله، فما القُدوة فيه إلّا ما قال مُحمد: "لو كنتُ هناك لخرجت"، هو القدوة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

  • وهذا حال مخصوص لسيدنا يوسف عليه السلام في كمالِ صبره، ولكونه على عِلم بَينَه وبينَ الله وأنّه سَيخرج من هذا السّجن، ويَعلم العاقبة.

فبذلك قال له: (ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ)، قل للملِك هذا، وفي هذا أيضًا سماحة التّعبير في ذِكر الرَّب لمَن توَلّى، كما يُقال ربَُّ الأسرة وغيرها.. وهذا بَعيد عمَّا إذا سَمع كلمَة مِن عامي، أو غيره تحتمل مَعاني، يقول: هذا شرك، وهذا كفر! يقول: ربك؟! ربك الله.

(ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ)، هذا المَلِك هو ربه هو؟!

  • يُطلق عليه لفظ الرَّب؛ لكونه مُربٍّ، ولكونه مالك في المُلك الظّاهري، يُطلق عليه في اللغة هذا اللفظ. 
  • فما يَحتاج إلى تشدُد، ولا إلى تشدّق، ولا إلى تَضييق على عبادِ الله فيما يتسع له المعاني والمَجال.

(ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)، ما خصَّص امْرأةُ العزيز ولا ذكرها؛ لأنه يَرعى حُرمة المُجاورة وحُرمة المُصاحَبة، وأنَّ زوجها كان مالِكُه، وأنه أحْسنَ إليه في ذاكَ الوقت، فما ذكرها بالاسم. 

وقال: (مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)؟ 

  • ليست هي قطعت يدها، الأخريات هن اللاتي قطعن أيديهن، لكن يُعلم من الكلام، يعني: ما بالُ النّسوة اللاتي أثرنَ الكلامَ على يوسف، وبلبلن في البلادِ على هذا الإنسان؟!
  • (مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50))، قال: ربي يَعلمُ ما تُكِنُّه الضَّمائر وما يَحِلُّ في السَّرائر؛ (إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ). 

فرجع إليه يقول له: يقول لك يوسف: لا يريد الخروج من السِّجن حتى تَنظُر حاله! (مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)؟ 

قال: اجمعُوهن.. جمعوا النّساء اللاتي قطّعن، ومَعهنُّ امرأةُ العزيز. وخاطبهن الملِك قال: ما خطبُكنّ؟ ما هي قصتكُن؟ ما الذي حصل لكن؟

 

 تفسير قوله تعالى: (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ۚ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ۚ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51))

(قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ)، فتكلَّمنَ كُلُّهنّ بصوت واحد: 

  • (حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ)، هذا الإنسان ما عَلِمنا عليه شَرّ، ما عَلمْنَا عليه أيّ مَساءة.
  • (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ)، يعني: ما شككنا في نَظَرِه ليَنظُر إلينا، ولا شَككنا في التِفَاتِه، ولا رأينا مِنه أدنى حَركة تدلُّ على سوء. 

حتى التَّعبير (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ)؛ ليس ما علمنا عليه سوءًا. (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ)؛ للاستغراق؛ يعني: ما عنده.. ماعنده، (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ).

تحرَّك قلبُ وضمير امرأة العزيز: 

  • (قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ)، يعني يتبيّن ويتَّضح بعد ما كان في خفاء. 
  • (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ)، تبيَّن وظَهر وبَرز بعد خَفائه.

(الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ)؛ فكانت أصْرحَ مِنهن، وأقوى في تبرئة يوسُف مِنهُن، تداركها الحقُّ بضمير، وبقلبٍ ينطقُ بالحقّ،

(أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51))، لو قال: هي راودتني عن نفسي من البداية فهو صادق؛ لكنها قالت؛ أنا الذي كذبت هو ما كذب. 

 

 تفسير قوله تعالى: (ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52))

(وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ) -يوسف- (أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ)، دعهُ يعلم أنني قُمتُ بالإنصاف وذكرتُ الحقيقة في وقت المَوقِف المُحرِج ولا أخُنُه بالغيب، يكفي ما قَد حَصَل مِنّي مِن البداية وكذبت، الآن أنا تُبت وأنا في إصلاح لنفسي وحَالي مع الله ومع خَلقُه، (لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52))، لو استمرِّيت في الكذب؛ ستقع لي مَصائِب فوق المَصائِب، ولكن الآن أحسن تُبت. 

 

 تفسير قوله تعالى: (۞ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53))

وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) ۞ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي)، من كُلّ ما حصل منّي في الماضي، (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53))، عُيِّنتِ البراءة، ويوسف ما بقى عنده شيء.

(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي .. (54))، هذا عَقل وقِيَم ومُثُل ما حقّها أن تَضيْع، وحقَّها أن تَسْتفيد المملكة منها وأهل المملكة.

(أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي)؛ أجعله صاحب رأيِي، وصاحب مشورتي، وأرجع إليه في أمري، كيف يذهب ويضيع علينا هذا النور ونضعه وسط السجن هنا؟! ولكن (ائْتُونِي بِهِ) إلى محلّه اللائق به، (أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي)؛ فكان فضل الله -تبارك وتعالى-.

وخرج سيدنا يوسف عليه السلام، وأمسك زمام تسيير أمور الناس في تغذيتهم في ذلك الوقت، وتحرك إلى المزارع، وهو بكل ذلك يعبد الله -جلَّ جلاله-، فبِك مع أنّ التّربية كانت في مُبتَكر عمره تحت يد أبيه الكريم يعقوب بن إسحاق، ولكن عناية الله ورعايته، وهذا البذر العجيب في هذه الذات التي اختارها الله تعالى.. كيف نشأ على هذه المكارم والشمائل كلها والخدمة للأمة .. ما جلس بين يدي والده إلَّا في أيّام طفولته، وأيام صغره؛ ولكنه استفاد النّور المُضيء، فقام بحق الدّعوة إلى الله قبل السجن .. ووسط السجن .. وخارج السجن .. مثلًا راقيًا في الفضائل والمُثل والمحاسِن والمكارم. 

ثم قام بخدمةِ الأمة التي هو فيها كلها؛ مُسلمهم وكافرهم: 

  • قام يخدمهم بهذه التغذية وترتيبها، ويعطي الكل، ويرتب للكل، وبنفسه باشرَ سبع سنين الإشراف على المَزارِع، وتَخزين الطعام؛ لأجل السّبع الآتية، وهكذا لم يزل ويترقّب متى تبدأ السبع الآتية. 
  • كان يُعُد للرّجل عنده طعام رجلين، كل يوم يعطيه إيَّاه، يأكل نصفه ويترك النصف، حتى كان يوم أكلهُ كله. قال سيدنا يوسف: هذا أول يوم من السبع الشداد، بسم الله بدأت السبع الشداد، وبدأ القحط في الأرض.

وهكذا -سبحان الله- حتى كان الناس أيام جاء شيء من المجاعة فيما قبل سبعين سنة ثمانين سنة في البلد، وقريب من الثمانين من السنين، يُشاهد الناس أنهم صاروا يأكلون ما لا يأكلونه في الأيام العادية، وصاروا ما يحسون بالشّبع! ويأكلون كثير، وهذا أكل حق الاثنين في مرة واحدة؛ وما كان عادته يأكله! قال سيدنا يوسف: بدأت السّبع الشداد.. وهيأ نفسه للإنفاق، وأعدَّ الأماكن لاستقبال الناس ولإعطائهم من هذا الطعام، ورتب الترتيبات، ونظَّم النِّظام عليه صلوات الله وتسليماته عليه. 

ورزقنا الله محبته ومحبة أنبيائه وأوليائه والصالحين من عباده، وحشرنا في زمرتهم، وأغاثنا والمسلمين، وفرِّج كروبنا والمسلمين، وكشف الضر عنا وعن المسلمين، وحوّل أحوالنا إلى أحسن الأحوال، ولا سلَذط علينا فاجرًا ولا كافرًا ولا شقيًا ولا ظالمًا، إنه القوي المتين، والقادر المعين، كافي الشرور، ومصلح الأمور، وشارح الصدور، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

بسر الفاتحة 

الى حضرة النبي محمد اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

20 شوّال 1442

تاريخ النشر الميلادي

01 يونيو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام