تفسير سورة المؤمنون - 8- من قوله تعالى: ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا..(45))، إلى الآية 51
للاستماع إلى الدرس
Audio Stream
Audio Stream
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المؤمنون:
( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ (44) ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (45) إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50) يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51))
مساء الاثنين 18 ربيع الأول 1448هـ
من أبرز ما جاء في الدرس:
- تتابع الرسل والعبرة من إهلاكهم.
- رسالة موسى وهارون واستكبار فرعون:
- تكليم موسى وتأييده بهارون والآيات.
- استكبار فرعون واستنكافه من التبعية (وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ).
- حقيقة التبعية والانحراف الفكري:
- انحراف العقل بغلبة الشهوات والمصالح.
- أنواع التبعية: النافعة، الساقطة، وتبعية الرسل الخالصة لله.
- سوء الظن بالدعاة وعاقبة المستكبرين:
- لوثة الفكر المادي وحقيقة الإخلاص لوجه الله.
- سوء عاقبة المكذبين في الدنيا والبرزخ والآخرة.
- فضل الكتب المنزلة ومعجزة حفظ القرآن.
- آية عيسى وأمه عليهما السلام:
- معجزة ولادة عيسى عليه السلام وكلامه في المهد.
- الإيواء إلى الربوة ذات القرار والمعين وصفاتها.
- الأمر بأكل الطيبات والعمل الصالح:
- مفهوم الطيبات (الحلال الصافي).
- اشتراط الحلال لقبول الأعمال وطاعة الجوارح.
- ورع النبي ﷺ وواجب الأمة.
نص الدرس:
الحمدُ لله مُكرِمِنا بالنورِ والدين، والوَحي والتَنزيل على قَلبِ الحبيبِ الأمين، والهِداية إلى طَريق الحق والرُّشد المُستَبين، اللهم لك الحَمد شكرا، ولك المَن فضلا، فصلِّ وسلِّم على خاتم النبيين وآله وأهل بيته وصحابته الأكرمين وأتباعهم، وعلى آبائه وإخوانهم مِن جميع الأنبياء والمُرسَلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقَرَّبين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أمَّا بعد،،
فإنَّنا في نعمةِ تأمُلنا لكلام ربنا وتَدَبُرِنا لِما جاء عن إلهنا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، انتهينا في أوائل سورة المؤمنين إلى قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (45) إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ (46)) سُبحان الحَكيم المُرسِل -تَفَضُلًا مِنهُ وتَنَزُّل لِعباده- يَختارُ مِن بَيننا رُسلًا يَصطَفيهم ويُرسِلُهُم إلينا بأنباءَ مِنهُ، وأحكامٍ مِنهُ، وهدىً مِنهُ، ونورٍ مِنهُ، وإرشادٍ مِنهُ، وتعليمٍ مِنهُ؛ لِيُقَرِّبَنا ولِيُصَفِّيَنا، ولندرك شرف الكرامة التي خَبَأها لكل مَن يؤمن مِن عباده مِن بني آدم والجن.
تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ (44) ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (45))
قال تبارك وتعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ..(45)) بعد الرُسُلَ (تَتْرَىٰ) متتابعة كما ذَكَرنا، ذَكَر لنا عدد من المُرسلين، ثم قال: (أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ) -تتوالى تتابع- (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا (44))، نُهلِكُ هؤلاء ثم هؤلاء ثم هؤلاء ثم هؤلاء، والكُلُ عِبَر، وما أَقَلَّ مَن يعتبر!
ثم بعد قرونٍ كثيرة مِن بعدِ مَجيء سيدنا نوح -عليه السلام- وقوم عادٍ وثمود، بعد قرونٍ كثيرة، وأُمم عديدة ورُسُل كثيرة، جاء إرسالُ موسى -عليه السلام- (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (45)) -عليهما السلام- (بِآيَاتِنَا)؛ الدلائل والحُجَج والهدى والتوراة، (بِآيَاتِنَا) بالدين الحق، (وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) دلالات وآيات واضحات فيما جَعَلَ الله تعالى في عَصا سيدنا موسى -عليه السلام- وفي يده وإدخالها الجَيب، ثم ما تابع ذلك مِن الآيات، والحُجَة التي جاء بها الواضحة البَيِّنَة: (أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ).
وكانَ له مَرتَبَةُ التَّكليم -سيدنا موسى الكَليم- وعندما جاءَ إلى النارِ يُريدُ أن يأخذ منها قبسًا أو جَذوَة لِيَصطَلِيَ أهله وليستفيد منها، وإذا هو بِنِداء الحق: (يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَأَلْقِ عَصَاكَ) [النمل:9-10] فجاء بالإنباء والإرسال عليه صلوات الله وتسليماته، وجَعَلَ الله ظهور هذه النار له سببًا لِمَجيئهِ وانفراده معه بهذا المَكان لِيُكَلِمَهُ ويُخاطِبَهُ، وطَلَبَ مِن الله أن يُؤَيِدَهُ بأخيه هارون ويُرسِلَهُ معه، فأَرسَلَهُ ونبَّأهُ وأوحى إليه، والتقى بموسى وذَهَبا إلى أداء الرسالة إلى الطاغية الذي كان على ظَهر الأرض في تلك الأيام.
تفسير قوله تعالى: (إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46))
قال: (إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) القَوم العالي المَنزلة عنده، (فَاسْتَكْبَرُوا) استكبروا عن:
- الإيمان الذي فيه شَرَفهم.
- واستكبروا عن الطاعة لله ورَسوله الذي أَرسله إليهم وفيها عِزُهُم.
- استكبروا بأموالِهم وسُلطتهم ووجاهَاتِهِم وما يُسِّر لهم مِن الأسباب، وما تَسَنَّى لهم مِن شؤون الراحة والسُّلطة في هذا العالَم.
(فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ) أي: مُتَرَفِعينَ عن الإقرار بالحقيقة:
- ظالمين لِمَن حواليهم، باسطين أيديهم في الاستبداد والظُلم لمن حواليهم (وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ).
- (عَالِينَ) مُستَكبِرينَ، باسطينَ أيديهم بالظُلم على مَن حواليهم، يَرَونَ فَخرَهُم بالسُلطان والقوة واستسخار الخَلق، وبهذا الحال كان تفكيرهم على هذا المِنوال.
تفسير قوله تعالى: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47))
(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) وما دَعاهم موسى وهارون لِيؤمنوا له، ولكن ليؤمنوا لله، بالله تعالى، وأنه مِن عند الله جاء، وفي هذا لما أَدرَكَت بلقيس المُوَفَّقَة المَلِكَة نبُّوة سيدنا سُليمان آمنت وقالت: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ) قال: ولم تَقل أسلمت لِسليمان، (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [النمل:44].
ولكن يَنحَرِفُ الفِكرُ عند الإنسان بانحراف غَلبَة المُشتَهيات عليه، وما يَغلِبُ على فِكرِهِ مما يُجِلُّهُ ويُعَظِمهُ ويَجعَله غايةً له، فبحسب ذلك يَتَصَوَر وينطبع الفِكر، حتى تَجِد غرائب يَمُجُّها العقل وتأباها الفطرة، لكن من حيث غلبة الشهوة ومن حيث غلبة الفِكر المُنحَرِف المِعوَج تأتي هذه الأفكار.
(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) وهل يُرسِل الله إلى البشر إلا بشر؟
(وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47)) خاضِعون كُلهم تحت أوامِرنا يُنَفِذون ما نقول، ونحن نُقَتِّل منهم من نريد أن نقتله، وإذا جاءت سَنَة قَتَلنا أي ابن يولد لهم، وتركنا بناتهم وما إلى ذلك.
والآن يأتي منهم اثنين ويجعلونا تابعين لهم؟!
وهذه قضية يَعمَل فيها إبليس مع النفوس عملًا قويًا، قضية التَّبَعِية، تَبَعيَّة الخَلق لبعضهم البعض على مَراتِب ودرجات؛ منها ما يكون صحيحًا وحقًا بِحُكم الفِطرة والجِبِلة، تَبَعِيَّة مَن لا يَعلَم في أي مجال من المَجالات، ولِمن يَعلَم في ذلك المجال، ما دام المجال مِمَّا يُنتفع به ويُستفاد فيه؛ تَبَعية الجيش والجنود لِقُوادِهِم وقائِديهم، وتبعية عموم الناس لأُمرائهم بما يَنفع وما لا يُخالِف العقل ولا الشرع.
ولكن هناك تَبعيات تسلُب من المَتبوع قيَمهُ وعَقلهُ وحَقَّه في الإنسانية، وحَقَّهُ في البشرية، وحَقهُ في المجتمع، فهذه التبعيات الساقطة الهابطة المُنكَرَةَ، وهذه التبعيات أيضًا التي تُصيب كثيرًا من الأتباع بهوسٍ وراء المَتبوعين، ويمضون معهم حتى فيما لا خير فيه، بل فيما فيه الضُّر، بل فيما فيه الشر وما إلى ذلك.
وهناك تَبَعِية أخرى خارجة عن هذا كله، وهي حق الحَق، ونور الهُدى، وهي تَبَعِيَة رُسل الله وأنبياء الله، لم يَستَتبِعوا الناس لينالوا منهم حظًا، ولا لتعود عائدة عليهم مِن أحد، كائنًا ما كان (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) [الشعراء:145]، وما يَطلُبون منهم مقابل ذلك شيئ، وما يَدعونَهُم لِيُعَظِمهُم أحد، وإن كانوا يَعلَمون أن تعظيمهم من الدين لله تبارك وتعالى مِن تَعظيم الله، ولكن ما كان غرضهم ذلك ولا التفاتهم إلى ذلك، وإنَّما يُريدون تَشَرُّف المُكَلَفين بِمُطلَق التَّبَعِية لخالقهم رب العالمين؛ لينالوا بذلك العِز الأفخر، وهذه تبعية ليس لها دَخل في أنواع التبعيات الأخرى، ولا هي قريبة منها، بل هي أسمى وأعلى، وَوَرِثَهُم في ذلك مَن صَدَق مِن خُلفائهم وحاملين علومهم ودعوتهم من أخيار أُممهم، فما هم حول هذه التبعيات المشوِّشة على عقليات أكثر الناس في الأرض.
أكثر الناس في الأرض يحبون أن يكون له أتباع من أجل أن يُمَجدوهم، من أجل أن يتوصَّل بهم إلى مصالحهم وأغراضهم، هذا ليس في فِكر المُرسَلين ولا فِكْر خُلَّصِ الصالحين مِن أتباعهم، ليس لديهم شيء من هذا، عندهم إرادة واحدة أن يُؤدوا حقَ الإله، عبوديةً له في تقريب خَلقِه إليه، وتشريفهم بالخضوع إلى جلاله لِيُعَزوا في الدارين، هذه القضية عند الأنبياء وعند أتباعهم مِن الدُعاة إلى الله تبارك وتعالى.
لكنها بموازين الأفكار المختلفة يقولون لك: (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)؟ نتبعهم وهم كانوا لنا تابعين؟! وهُم الجماعة يَتبَعونَنا ويَمشون وراءنا ووراء أنظمتنا وأفكارنا، واليوم نسمع منهم؟! أبدًا، هذا فِكر مخبوط! أنت تَستَمِع إلى مَن ينفعك وإلى من يُفيدك حتى في شؤون دنياك، وهذا جاء لِيَنفَعَك ومُرسَلٌ مِن قِبل خالقك وخالقه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
لكنهم يقيسون، كأنهم يقولون؛ هؤلاء سينافسونا على المال أو على السلطة أو على النفوذ في الخَلق، وليس من مقاصد الأنبياء شيئا من ذلك، لكنهم لا يَعرِفون؛ لقصور نظرهم ولعدم إدراكهم لعظمة الإله والدار الآخرة، لا يظنون أن أحدًا سيتحرك ويُتعب نفسه إلا من أجل مصالح التبعية والأغراض الدنيوية لأنهم لا يعرفون إلا ذلك، فيقيسون أن الكل مثلهم.
ولا يزال الناس في أفكار كثيرة بين المسلمين أنفسهم، يُفَسِرون النشاطات والحركات والجمعيات، أن كل واحد سيستتبع! إذن من هو الصادق مع الله والمخلص والذي لا يريد جزاءً ولا شكورًا ولا مالًا ولا سلطة في هذه الدنيا؟ لا يتصورون أنَّ أحدًا هكذا، أنت تابع لمحمد الذي جاء بهذه الهداية، وما تتصور أنه أحد هكذا؟! لَوَث في الفِكر، تلوثت الأفكار عندهم حتى يُفسر أي واحد يجتهد ويدعو -ولو كان مخلصًا- يقول أكيد أنَّ له غَرَض كذا، يقيس على مُراداتِه وشهواته وأهوائه.
يقول: هؤلاء وراءهم أغراض -ممكن كذا ممكن كذا ممكن كذا-، يعني بقي ذهنه خاليًا عن تصوُّر أن هُناك مُرادات تتصل بالخالق مُباشرة، وأنَّ قومًا يريدون وجهه -جلّ جلاله-، لا يتصوَّر! هو مسلم لا يتصوَّر هذا! لأن عقلِيَّته لُعِب عليها، لَعِب بعقليَّته الأعداء، وجعلوه مثلهم، لا يعرف إلا؛ مادة في مادة، ودنيا في دنيا، وهذا مُقابل هذا، وأغراض وأطماع، لا يعرفون إرادة وجه الله، وقصد وجه الله -جلّ جلاله-، إرادة القُرب من الله: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) [الإنسان:8-9].
ولكن هذا يعرفه المؤمن، أيُّ مؤمن صادِق في الإيمان يعرف هذا المعنى، بل ويلوم نفسه عندما تُنازعه الأغراض، وعندما يَتصوَّر عن الآخر أنَّه ذو غرض، يلوم نفسه ويتَّهمها، يقول أن قياسك باطِل، وفي الناس من يريد وجه الله -تبارك وتعالى-، وفي الناس من يقصد وجه الله، وأنت يجب أن تتخلَّ عن هذه الأغراض؛ هذا الذي يدركه المؤمن.
لكن ثُلَّة كثيرة من المؤمنين ما كانوا يُدركون هذا، يظنُّون أن كلَّ حركة فيها مُقابل، وفيها غرض، وفيها مُشتهى وفيها شيء من الدنيا.
يا عبد الدنيا، يا عبد الحقير القصير، يا عبد الزائل الفاني، اتقِ الله واعبد الرب الإله الذي خلق، ذلك أولى لك.
قال الله لحبيبه عن هذا الصنف في أمته: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف:28]، وقال عن أتباعه هؤلاء: (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ) هذا غرضهم، (فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) لا يُريدون سُلطة، لا يُريدون مالًا، لايُريدون مظاهر، (فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ) [الفتح:29] إلى آخر ما وصفهم الحق -جلَّ جلاله-.
تفسير قوله تعالى: (فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48))
فقالوا: (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا)، وحتى لمَّا رأوا الآيات اهتزَّوا، لأن الآيات واضحة ويجب أن يهتدوا بها، ولكن سوابق الشقاء، وغلبة هذه الأهواء، حتى استشار فرعون قارون أو هامان فيصير يقول له: ما رأيك بموسى؟ قال: ستصبح تابعًا بعد ما كنت متبوع؟! ستصبح عبدًا بعد ما كنت إلهًا؟! أنت إله؟! -ولا هو إله، هو عبد من العباد، مسكين، في بطنه وسخ- ولكن يقول: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) [النازعات:24]، وبعد ذلك يقول: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي) [القصص:38] كلام فارِغ! فاستشار من يُهينه، من يوقِعه في شقاء الأبد -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
(فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48)) هلاك الأبد، غرق في الدنيا وعذاب في البرزخ والقيامة، ويوم القيامة (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) -والعياذ بالله تبارك وتعالى- هلاك أبد.
وهذه عاقبة كل من كذَّب الرسل وخالفهم، أفرادًا، جماعات، في أي مكان، في أي بلد، في أي زمان، من خالف وحي الله وشريعته بعد أن تبلغه دعوة الأنبياء، فهذه العاقبة له، قال الله سبحانه وتعالى: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) وهذا في أيام البرزخ، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:45-46]، وقارون قال الله عنه: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) [القصص:81] ويتجلجل إلى يوم القيامة، وانتهى من على ظهر الأرض، هلك، هلاك الأبد! وهكذا كل من خالف المرسلين -رزقنا الله حُسن متابعة سيد المرسلين وأسعدنا بذلك في الدار، آمين.
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49))
قال: (فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) وهي التوراة المُنْزلة عليه، لعلهم أتباعه ومن يؤمن يهتدون بهدي الله وبنور الله، فالكتب المنزلة فضل من الله، تفضَّل بها على عباده، وتوالى إنزال الكتب ومنها: التوراة والإنجيل والزبور، وكُتب كثيرة أُنزلت على الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم، وألواح أُنزلت أيضًا عليهم.
ولكن جاءت الخاتمة بكتاب الله العظيم: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ) [المائدة:48]، من أول كتاب، من اول ما أنزلنا على آدم إلى ما أنزلنا على عيسى، هذا مُصدِّق له ومهيمن عليه، كل الخير الذي في ذاك عندك هنا في هذا الكتاب، وتولىّ الرحمن حفظه، لا أحد يقدر أن يُبدِّله ولا يُغيَّره، ولا يحرِّف حرف واحد من حروفه، لا يقدر أن يغيِّره، فالله أكبر (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9]، وهذه معجزة! وهذا الكلام الذي لم يقدر أحد على تحريفه وتبديله، وقد بُذل في ذلك أموال وجهود وخِطط كثيرة طويلة، لم يقدروا أن يبدلوا الكلام الذي نزل على محمد ﷺ، هذه معجزة تدل على صدق رسول الله ﷺ.
قال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49)) ولكن أفكارهم هذه الساقطة أوقعتهم فيما أوقعتهم فيه.
تفسير قوله تعالى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50))
قال: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً)..
- فابن مريم يولد من غير أب ويتكلَّم في المهد.
- وأمه تحمِل من غير ذكَر، من غير زواج.
- وتهز النخلة تساقِط عليها رطب جني، الله أكبر!
- وينبع تحتها نهر، الله أكبر!
- وبعد ذلك تُشير إلى ولدها ويتكلَّم
(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) [مريم:29-30] وألقى خطبة وهو مازال في المهد، ألقى خطبة كبيرة، القرآن حفظها لنا: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم:30-33]، بُهِتوا وعلِموا أنَّها كرامة واضحة لمريم، وآية من آيات الله.
(وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا) أوصلناهما (إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ):
- ربوة: مكان مرتفِع من الأرض.
- ذات قرار: مستوية.
- ومعِين: ماء جاري عذب.
(وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50))، وكما قال سبحانه وتعالى: (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) [مريم:24-26].
وبهذا اختلفوا بعد ذلك في الربوة، هل هي هذه؟ -وهو أقرب- لأن القرآن يفسِّر بعضه بعضًا، وقيل إن هذه الربوة المُشار إليها أنَّها الرملة، وهذا قول ضعيف لا يتناسب مع لفظة الربوة، ووجود الماء فيها والأشجار، وكذا القرار: الاستواء، الاستواء فيها للجلوس عليها، ووجود الماء ووجود الثمار؛ ليكون الاستقرار فيها، ولهذا قال: (رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ) مُستوية، موجود فيها الثمار والماء؛ (ذَاتِ قَرَارٍ).
(وَمَعِينٍ) الماء الجاري، فهي صالحة للاستقرار، وقيل أنَّها بدمشق، وقيل في غوطة دمشق، وقيل أنَّها ببيت المقدس، وقيل أنَّها في مصر، ولكن دلالة واضحة أنَّها -في هذه الآية- مكان مرتفع ويجمع هذه الأوصاف: أنَّ فيه قرارًا، وفيه معينًا: ماءً جاريًا (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)).
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51))
(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)) يقول الله أنّي خاطبت الرسل، ووُجَّه الخطاب إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (يا أَيُّهَا الرُّسُلُ)، إنَّ هذا الخطاب ثابت لجميع المرسلين من قبلك، وأخاطبك كما خاطبتهم (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) ما كان حلالًا صافيًا..
- ما الحلال؟ الحلال الذي لا يُعصى الله فيه.
- وما الصافي؟ الصافي الذي لا يُنسى الله فيه.
(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) أي أرزاق حلال لا تغفلون عن الله بها، وتذكرون الله فيها؛ هذه الطيبات.
وكما ورد ذلك في صحيح مسلم، يقول ﷺ: "إنَّ اللهَ أمَرَ المُؤمِنينَ بما أمَرَ به المُرسَلينَ، فقال: {يا أيُّها الرُّسُلُ كُلوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعمَلوا صالِحًا إنِّي بما تَعمَلونَ عَليمٌ} [المؤمنون:51]".
فالأمر واحد، أن نحذر من المُحرمات والشُبهات ونأخذ من الطيبات، كل ما طاب ولذَّ لنا من الحلال الذي لا ننسى ذكر الله فيه، فلا نغفل به عن الله -تبارك وتعالى-، هذا هو الطيب، فالطيب ما كان حلالًا صافيًا.
- فحلاله أن لا تعصي الله فيه.
- وصفاؤه أن لا تنسى الله تعالى فيه.
لا إله إلا الله.
وبذلك جاءتنا السُنة: البدء ببسم الله، والختم بالحمد لله، الحمدلله الذي أطعمنا هذا الطعام ورزقنيه، لا تنسَ الله سبحانه وتعالى الذي أطعمك، قال سيدنا إبراهيم: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) [الشعراء:79] جلَّ جلاله وتعالى.
ثم إنه قدَّم الأمر بأكل الطيبات على العمل الصالح؛ إشارة إلى أن العبادات والأعمال الصالحة إنما تصلح وتحسُن وتصِحُّ إذا كان الأكل من الحلال، فأمَّا مع أكل الشبهات والحرام:
فطاعة ممن حرامًا يأكلُ *** مثلُ بناءٍ فوق موجٍ يُجعلُ
واحد يريد أن يبني قصرًا، يأتي بالأسمنت والمواد ويضعها في البحر -ستبلعك أنت والذي معك!- ولن يقوم بناء، فوق البحر! ستبني ماذا فوق البحر؟ ابحث عن مكان صلب قوي.
والذي يُطيع ويقوم بعبادات، ومأكله من حرام؛ عباداته لا تؤدي إلى نتيجة.
(كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) لأنَّ العمل الصالح يحتاج إلى قوة، ولا تُستمد القوة إلا من الطعام، جعل الله الطعام ليقوِّيك؛
- ولهذا يقول: "من أكل الحلال أطاعت جوارحه شاء أم أبى، ومن أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى، كُلْ ما شئت فمثلُه تعمل".
- ويقول سيدنا ابن عمر: "لو قمتم حتى تكونوا كالأوتار، وصمتم حتى تكونوا كالحنايا، لم يُقبل ذلك منكم إلا بورعٍ حاجز".
وجاء في الخبر عن النبي ﷺ عند أبي حاتم، أنه أرسلت إليه بعض نساء الأنصار -كان يوم صائم- أرسلت إليه بلبن، فلما جاءه الرسول، قال: قل لها من أين الشاة التي حَلبتِ منها هذا اللبن؟ فرجع يقول: يقول لكِ رسول الله ﷺ من أين الشاة التي حُلبت؟ قال: قل له إني اشتريتها بمالي، فرجعت إليه في اليوم الثاني، لَقيتُه ﷺ، قلت له: يا رسول الله -رثيت لك- وأرسلت لك من شدة ما أنت فيه من العطش، وطول اليوم في الصوم وفي الصيف أرسلت لك لبن، وأرسلت تسألني عنه؟! قال: "إنا معشر المرسلين أُمرنا بذلك ألا نأكل إلا من حلال".
(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)) فإذا كان هذا خطابهُ للرسول، فما حال الأمم بعد الرسول؟! الواجب أن ينتبهوا لأنفسهم، هؤلاء قادتهم وأئمتهم، الله يخاطبهم بهذا الخِطاب، فأنت انتبه من نفسك؛ كُلْ من الطيبات واعمل صالحًا.
الله ييسر لنا الأكل من الطيبات والعمل الصالح، أطعمنا من جوع، وآمنَا من خوف، ووفِّقنا لما يرضيك عناَّ برحمتك ياأرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
تاريخ النشر الهجري
03 ربيع الثاني 1448
تاريخ النشر الميلادي
14 سبتمبر 2026
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(43)
(170)
(636)
(6)
(384)
(32)
(535)
(56)
(71)
(20)
(27)
(6)
(13)
(1)
(368)
(8)
(26)
(12)
(379)
(15)
(86)
(48)
(31)
(4)
(10)
(6)
(480)