تفسير سورة المؤمنون - 11- من قوله تعالى: (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)) إلى الآية 91

للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المؤمنون:

( وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (78) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (80) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُونَ (81) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (83) قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) )

مساء الاثنين 24 ربيع الثاني 1448هـ 

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • بيان شرف الوحي وتنزه النبي ﷺ عن طلب الأجر.
  • الدعوة إلى الصراط المستقيم وسبب الانحراف عنه.
  • التحذير من اتخاذ الغافلين قدوة.
  • قسوة القلوب أمام آيات العذاب والشدائد.
  • نعم السمع والأبصار والأفئدة ودلائل البعث.
  • الخلق والحشر وتقليب الليل والنهار.
  • شبهة المنكرين للبعث والرد عليها.
  • براهين التوحيد والملكوت الإلهي.
  • الملكوت والقدرة المطلقة لله وحده.
  • تنزيه الله عن الشريك والولد (برهان التمانع).

نص الدرس:

الحمد لله مُكْرِمِنا بالوحي والتنزيل، وبيانه على لسان خير معلمٍ ودليل، عبده المختار محمد، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل معرفة الله ومحبته وقربه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

أما بعد:

فإننا في نعمة تأملنا لكلام إلهنا وربنا وخالقنا جلّ جلاله وتعالى في عُلاه، انتهينا في سورة المؤمنون إلى قوله، جلّ جلاله وتعالى في عُلاه: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72)).

يقول الحق تبارك وتعالى: إنه خَلقَ السماوات والأرض بالحق، وهؤلاء أرباب الأهواء ومن يَنتهج نهج الباطل يُريدون الأشياء على أهوائهم، ولو كان الأمر كذلك لبَطلتْ الحِكمة في خَلق السماوات والأرض، ولفسدت السماوات والأرض ومن فيهن، بهذه الادعاءات الباطلة وهذا المسار المُنحرف عن الهدى. 

ولكن قال جلّ جلاله: (بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ) بالبيان لهم؛ 

  • وذِكْرِ ما يُصلحهم وما يترتب عليه من خير في الدنيا وثواب في الآخرة. 
  • وذِكْرِ ما يُفسدهم ويضرهم ويترتب عليه من شرّ في الدنيا والآخرة. 
  • وذكْرهم شرفهم وكرامتهم بما يُوجب شرفهم وكرامتهم وهو: 
    • هذا القرآن. 
    • و بعثة المصطفى. 
    • والدين الذي بُعث به. 

(بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ) متولّون غير قابلين للنعمة، كما قال في الآية الأخرى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ*جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ) [إبراهيم:28-29] 

قال جلّ جلاله: (فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا).. 

  • هل طلبتَ منهم شيئاً، مُقابل دلالتهم على الحق، ودعوتهم إلى الإيمان والتوحيد والاستقامة على منهج الخلّاق؟
  •  هل طالبتهم بشيء صَعُب عليهم كما قال سبحانه وتعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ)؟ [القلم:46]. 

وأنت الذي تدعوهم لا تُريد منهم جزاءً ولا شكوراً، ولا تنظر إلى شيء مما في أيديهم، ولا تَرجو منهم شيئاً من شؤون هذه الدنيا، وكذلك مَضَى المُرسلون يقولون لأصحابهم وأممهم: 

  • (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء:145]. 
  • (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [هود:51].  

(أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا) نفقةًً وعطاءً، (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) ما يَتولاك به ويفيضه عليك في الظاهر والباطن في الدنيا، ثم ما أعدّ من النعيم في العُقبى خير،(فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72)) جلَّ جلاله: 

  • خير المُثيبين للعاملين على أعمالهم.
  • خير المُعطين لأرباب العمل جزاءهم ومثوبتهم (وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ). 
  • خير من يَهب ويرزق في الظاهر والباطن، ولا رزّاق في الحقيقة غيره، وما غيره إلا مُجرد أسباب في أسباب:
    • (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ) [فاطر:3].

 

تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (73)) 

قال الله لحبيبه: (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) أنت الذي تَدلهم على الطريق القويم الصالح في الاعتقاد والمُعاملة والأخلاق، وفي العبادة للخلّاق جلّ جلاله: (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)

وقال له في الآية الأخرى: (إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) [الشورى:51-52] 

دَعَانَا إِلَى حَقٍّ بِحَقٍّ مُنَزَّلٍ *** عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَنِ أَفْضَلِ دَعْوَةِ
أَجَبْنَا قَبِلْنَا مُذْعِنِينَ لِأَمْرِه *** سَمِعْنَا أَطَعْنَا عَنْ هُدًى وَبَصِيرَةِ
فَيَا رَبِّ ثَبِّتْنَا عَلَى الحَقِّ وَالهُدَى *** وَيَا رَبِّ اقبضناعَلَى خَيْرِ مِلَّةِ

(وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)

فما دواعي هذا الإعراض والمُكابرة والمُقابلة بالسوء؟!  

 

تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)) 

(وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ)؛ فكراً واعتقاداً ومعاملةً، (لناكبون): مُنحرفون مُبتعدون مُعرضون، يَحيدون عن هذا السبيل، يخرجون من هذا المسلك؛ وفي هذا إشارة إلى أن أنواع الضلال والتنكّب عن الحق في الدنيا، أقوى أسبابها: 

  • عدم الإيمان بحقيقة الآخرة المُقبلة المُحتّم أمرها التي لا ريب فيها، (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ) [الحج:7]. 
  • فَبِضعف الإيمان بالآخرة تَتَسلطُ على الإنسان أهواؤه وشهواته وإيثارهُ للفانيات، فيخرج عن سواء السبيل، كما قال تعالى: (إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26].

 فَغيبة هذا المَرجِع والمآل والمصير والوقوف بين يدي الله، هو الذي يَحمل الناس على تحكيم أهوائهم وشهواتهم، وارتكابهم واقتحامهم الشدائد ومُوجبات الهلاك في الظاهر وفي الباطن. 

ولو أن أمر المَرجِع إلى الحق والمصير والوقوف بين يديه ونفوذ حكمه بين العباد في مآلهم في يوم القيامة حاضر في أذهانهم: 

  • لكان ذلك خير عون لهم على أن يَرْعَوُوا عن اتباع الهوى. 
  • وأن يخرجوا عن مسالك المًرادات النفسية والأهواء واتِّباع عدوهم الشيطان. 

ولما كانوا يرضون لأنفسهم بأن يَنحطّوا إلى فعل المحرمات وترك الواجبات واقتحام الكبائر؛ ولكن ضعف الإيمان بالآخرة سبب هذا الانهيار والانحدار والضلال عند الإنسان.

رزقنا الله كمال الإيمان باليوم الآخر، وهيّأنا سبحانه وتعالى لنيل كرامته عند الوقوف بين يديه، ونيل رحمته ورضاه ساعة العرض عليه، وكلٌّ واقفٌ بين يديه. 

ويقال لهؤلاء الذين كذَّبوا بالآخرة: 

  • (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:115] لا إله إلا الله!.
  • ويقول: (ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) [سبأ:42].
  • ويقال لهم: (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ *اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور:15-16]. 

فلنُرجّح جانب اليقين في الآخرة حتى لا نتصرف في الحياة إلا بما يُوجب الفوز هناك، والنجاح والظَفر بالسلامة من العذاب، ودخول الجنة في مراتب رضى الوهاب، والقُرب والاقتراب.

اللهم ارزقنا كمال اليقين والإيمان، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا في سبيلك ما أبقيتنا.

 (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)) وحينئذٍ لا يجوز قط لمؤمن بالله ورسوله أن يتخذ ممن لا يُؤمن بالآخرة قدوةً في خُلُقٍ، فضلاً عن اعتقاد وفكر؛ هم الناكبون عن الصراط، فكيف يصيرون قدوةً لك؟! فكيف يصيرون مرجعاً لك؟! أم غرّك شيء من مظاهر دنياهم وزُخرف ما عندهم من المتاع ومن القول؟! وكله حقير في حقير، وقصير في قصير، وزائل في زائل، وفانٍ في فانٍ، ومنتهٍ في منتهٍ، ومنقَضٍ عما قريب، ما الذي غرّك فيه؟! 

لا والله، ما فيهم صالح أن يكون قدوة لأي آدمي؛ فضلاً عن المسلم؛ في الخُلُق، ولا فضلاً عن الفكر، فضلاً عن الاعتقاد! إنما اختار الله لنا القدوات: أنبياء ورسلاً أرسلهم، اختارهم (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [الحج:75]، وقال عنهم: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْۗ) [الأنعام:90].

وغيرهم يقولون لأتباعهم في القيامة: 

  • (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) ما لنا من مخرج عن العذاب الذي نحن فيه، أصلاً ما كنا مهتدين، فلماذا اتبعتمونا؟! 
  • (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) [إبراهيم:21] لكن أصلاً نحن ضالون، وأنتم تركتم المُهتدين والهُداة ممن أرسلهم ربكم لكم! 

(وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)) 

وتَعْجَب بعد ذلك في تحذير رسول اللهﷺ يقول: هذه الحقائق واضحة، ومع ذلك يحصل في الأمة انحراف: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ"، مع تحذيرات: 

  • "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ". 
  • (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ). 
  • (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ) [المائدة:51]. 
  • (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) [الممتحنة:1].

يقول تعالى: وهؤلاء في أوصافهم، مهما نَزل بهم العذاب واشتد عليهم الحل، نسوا أهواءهم وشهواتهم وطلبوا الحل، وكان من شأن المشركين إذا اشتدّ عليهم الكَرب في البحر وأشرفوا على الغرق، نادوا الله، وأخلصوا الدعاء لله، والعبادة لله تبارك وتعالى، فلما يَرجعون إلى البر، ينكثون ويَعودون إلى ما هم عليه

 

تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75))

 يقول تعالى: (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) إذا مَستهم شِدّة وقد مرت عليهم أضرار، للجّوا في طغيانهم يعمهون، انطلقوا بقوة في طغيانهم يعمهون؛ يتخبطون، يترددون، يتشككون، لا يهتدون إلى صوابهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى:(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ) مُتخبطون مُتحيرون يشكّون؛ هذا حالهم في كل زمان: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ* وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) [النمل:4-6]

(وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)) وحَصل لِمُشركي قريش من هذا ما حصل في يوم بدر، وحصل لهم مرّت عليهم سنوات عجاف، وحصل أن مَنع ثُمامة بن أُثال الحنفي رضي الله عنه من نجدٍ عليهم المِيرة، ومنع قومه أن يَبيعوا لأهل مكة شيئاً حتى اشتَدّ عليهم الجوع، وجاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ يَستغيث به ويقول: إننا أكلنا العِلْهِز -يعني الوبر والدم- وأنت بُعثت بالرحمة وبصلة الرحم، إلى غير ذلك مما حصل، ثم حصل فتح مكة كذلك.

 

تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76))

 قال تعالى:(وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) نازلتهم الشدائد في بدر، ونازلهم القحط والسني، كَسني يوسف (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ)، وكلما حصل على الفرد منهم أو الجماعة شيء من الشدائد لا يتذللون ولا يخضعون للإله ولا يُحسنون الرجوع إليه، (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ)، قال تعالى: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام:43].

 

تفسير قوله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77))

(حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) إمّا شِدّةُ الشدائد التي تُنازلهم في الدنيا، وإما انكشاف الحق لأحدِهم بالغرغرة والموت، ثم الحُضور في يوم القيامة لدخول النار والعِياذ بالله تبارك وتعالى، (إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) آيسون من أن يتخلصوا وأن يُنقَذوا مما هم فيه.

 (حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77))

 

تفسير قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (78))

يقول الحَق لِنَبيّه: ومع أحوالهم هذه وتَنَكُّبهم هذا، فلا تزال يا عبدنا مُذَكِراً لهم، مُنقِذاً، مُنذِراً، مُبَشِراً، عسى أن يَهتَدوا، قُل لهم: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) مِن أين جئتم بها؟ وكيف تَكَونت لكم؟ خَلقكم مِن نُطف، فأروني أين السمع الذي في النطفة؟! أين محل السمع في النطفة؟! أين محل البصر؟! ماهو  القلب الذي وسط النطفة؟ قل: هذا المكوّن الذي كوّنكم هذا التكوين، القادر على أن يُحييّكُم مرة  وثالثًا ورابعًا، الذي لا داعي لإنكار البعث ولا ما أخبركم به المَبعوث بالحَق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)، (وَهُوَ الَّذِي) قال سبحانه وتعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78].

قال: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) آيات واضحات على عَظَمَتِهِ وعَظَمَة قُدرَتِهِ، وأن المرجع إليه، ومع ذلك: (قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) ذَهَبتم بأسماعكم وأبصاركم وقلوبكم إلى وراء الشهوات والأهواء، وتركتم حُسن استعمالها بما يوجب لكم النجاح والنجاة والفوز والسعادة، (قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ)، (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ:13] الذين يُؤَدون حَق السمع والبصر والفؤاد، قال تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء:36].

فيا أيها الحاضرون، ويا أيها السامعون؛ أبصاركم مِن عند الله، وأَسماعكم مِن عند الله، وقلوبكم مِن عند الله، فاتقوا الله وأَطيعوا الله، عَظّموا أمر الله، اشكروا نعمة الله، كُفّوا عن استعمالها فيما حَرم عليكم، ابعدوا عن تصريفها فيما نهاكم عنه، أَبصار ما كَونتها دول ولا حكومات ولا أجهزة ولا شيء غير الله تبارك وتعالى، (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ) [الملك:23]، (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ) -خَلَق وأَوجَد- (لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (78)).

 

تفسير قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79)) 

(وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) أَنشأكم ونَشَرَكَم فيها، (ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ)، (وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) يَجمَعكُم بعد ذلك (لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) [التغابن:9]، يقول سبحانه وتعالى: 

  • (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) تُجمَعون للحساب وللحُكم في يوم الميقات. 
  • (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ): بَثَكُم (فِي الْأَرْضِ)، كما قال تعالى: 
    • (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) [النساء:1]. 
    • (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ) [الروم:20].

(ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) جلَّ جلاله؛ كوّنكم وأنشأكم وبثكم في أطرافها، تَتَعاقبون عليها طائفة بعد طائفة، وجيلًا بعد جيل، (ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، هذا الذي ذَرَأَكم وخَلَقَكُم مِن لا شيء يَصعُب عليه جَمعكم؟! قد كنتم غير موجودين أصلًا وهو الذي خَلَقَكُم، ما الذي يُعَسِر عليه جَمعُكُم؟! ما الذي يُعَسِّر عليه حشركم؟! (وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79)).

 

تفسير قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80))

(وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، وأَحَدُكُم لا يُجاوِز تَسَبُبَاً في إحياء وإماته، ثم يُريد أن يحيا فيموت، ويُريد أن يُميت الآخَر فيحيا، ولا يَمشي الأمر على مُراداتِكُم، لكن اختَبركم سبحانه وتعالى وامتحنكم بما آتاكم من أسباب، كيف تتصرفون فيها، (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) تَعاقُبُهما واستمرارهُما، واختلافهما ظُلمًة ونوراً.. 

  • (اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) طولًا وقِصَر، وبعض الأراضي جعل النهار فيها طويل وبعضه قصير، وبعضه أشهر والشمس مشرقة وأشهر والشمس مظلمة. 
  • (وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) هو الذي رتب هذا، هل شيء من قواكم رتب هذا؟ أو شيء من أجهزتكم؟ 
  • (وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) ما يجري فيها من إسعاد وإشقاء، وضلال وهدى، وخير وشر له.

(وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ) راجع إليه (وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)، يقول جلَّ جلاله: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ما تُحسِنون الفِكر؟ ما تُتبصِرون؟ ما تُحسِنون استعمال هذه الآلة البَديعة التي كوّنها لكم مِن عَقل وسَمع وبَصَر، والدلائل أمامكم؟! (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80)).

 

تفسير قوله تعالى: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82))

(بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ) مُشكلة الكُفر هذه واحدة في كُل زمان، وطريقة الانحراف في الفِكر هذه هي على مختلف الأزمنة.

(بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81)) ماذا قال الأولون الذين كَذَّبوا الرُّسل قَبلَك؟

(قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82)) كيف جئتم مِن البداية أصلًا أنتم؟! والذي يَقول لكم إنه سَيُرجِعكُم هو الذي بَدَأَكُم وهو الذي خَلَقَكم مِن العَدم، فما وجه الاستغراب هذا؟! خروج وانحراف عن استقامة النظر وحُسن استعمال العَقل، تُنكر شيء الدليلُ على وقوعه وجودُك أنت بنفسك وحَياتك بنفسها هي الدليل عليه، ثم تستغرب ذلك!: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) نُحشر مرة أخرى ونَحيا؟!

 

تفسير قوله تعالى: (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83))

 (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَٰذَا مِن قَبْلُ) يعني رُسل قَبلك جاؤوا وقالوا أمم قبلنا وآباؤنا، وقد سمعنا مثل الكلام هذا ولكننا لا نؤمن يقولون، قالوا؛ (إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) ما يُسَطِرونه مِن اختراعاتهم وأقوالهم ليس لها حقيقة، لن نؤمن!

قال الله لِحَبيبه: راجِعهُم، مع كل هذا الاعوجاج الذي عندهم والتَّعَنُت، استَمر يا حبيبي، أنقذ ما استطعت، (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35].

 

 تفسير قوله تعالى:(قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (84))

 (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، الأرض هذه لمن؟! نريد واحد، مِن يوم أن قامت الأرض وهو مُتَحَكِم فيها إلى الآن؟ لكن لايوجد، حتى إلى الآن، من هو؟ أنت؟! أو أبوك؟! أو حكومتك؟! أو الدولة العظمى؟! مِن يوم خُلقت الأرض ماسكها لليوم؟! ولا الأرض ولا ربع الأرض، -ومتى جئت يانصر أمس بعد العصر-.

(قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا)، (لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا) مَن هذا الذي كَوّنها وبَسَطها وأبقاها تحت سيطرته إلى اليوم، وإلى أن يَقضي بِزَوالها في الوقت الذي يُريد أن يُبَدِّلها -جلَّ جلاله-؟! (لِّمَنِ)؟ 

  • (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، هو الذي رتب البحر والبَّر والجبال ومواقع الزرع، والأماكن التي تصلح للزرع والأماكن التي لا تصلح وتزرعون، وهو الذي ينشئ لكم.
  • (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا) وتَقدِرون تُغَيرون شيء فيها؟! وتقدرون تبدلونها بأرض ثانية؟! وتَقدِرون تُبَدِّلوا طبيعتها؟ رُد صلابة الجبل في سيولة الماء، ممكن؟! رُد سيولة الماء في صلابة الجبل، ممكن؟! ما هو الممكن؟ قل نتطور لا نزرع في الأرض نزرع في الهواء، ممكن؟! ممكن ؟! ما يقدرون يُغَيِّرون شيء!

 

تفسير قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85))

(لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (84)) تدّعون عِلم، تقولون إنكم علمانيون وإنكم علميون، عندكم عِلم؟! قل لي؛ (لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا) احضر علمك الآن، و عامة المشركين من حوله ﷺ إذا قيل لهم: (لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا)؛ (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) ما دام هكذا، (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)! أنكم عبيده وخَلْقه ومصيركم إليه؟! وأنه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، حُجة  (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165] أفلا تذكرون هذه الحقائق؟! قل لهم، وما قَصَّرﷺ، بيَّن وبيَّن وأرشد و وضَّح.

 

تفسير قوله تعالى: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86))

(قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) والذي تَدَّعون له حُكُم ومُلك عندكم، نفس الأرض لا يَقدر أن يتحكم فيها ولا يغير شيء فيها، فضلاً عن أن يَطْلَع إلى واحد من الكواكب يتحكم فيه؛ يوقفه أويسيّره أويُطَلِعه أويُنَزِله عن محله، لا يَقدِر! وفوقه؛ وإلى السماء، ومَن هو هذا الذي يُمسِك السماء مِن فوق؟! قل لهم: (مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) فوقه، أو عندكم أجهزة تتحكم في العرش؟! يصلح فيه شيء؟ ينزله؟ ما أنتم وما مُلكُكُم وماذا عندكم؟! 

 

تفسير قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87))

(قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) في قراءة أبي عمرو، وقرأ غيره: (سَيَقُولُونَ اللَّه)، (سَيَقُولُونَ اللَّه) كما جاء في المصحف الذي كُتِب لأهل البصرة بالألف: (سَيَقُولُونَ اللَّه)، قل: ما دام هذا هو الذي كَوّن، وبيده المَلكوت، أما تتقونه؟! أما تَحذرون من غضبه، ومن عقابه، من سخطه، ومن عذابه؟! (قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ)، أفلا تتقون سطوة هذا الخَلّاق المُبدع المُنشئ الموجِد المُكوّن، (رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)، (قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ).

 

 تفسير قوله تعالى: (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88))

(قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) أحْسِن استعمال العقل! هات لي واحد؛ إنسي، جني، صغير، كبير، عربي، عجمي، بيده ملكوت كل شيء؟! بيدهم كل شيء؟! يتحرك عِرْق عنده هنا في رقبته، يصيح لايستطيع أن يتحرك؟ لا أحد بيده ملكوت الأشياء! وهذه الحركة والوجع والشفاء من أين جاء؟! ولماذا نتعامى؟! ولماذا نتصامم؟! ولماذا نتغافل؟! ما لنا نُضَيّع عقولنا وإدراك الحقيقة؟! 

 (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ): 

  • (يُجِيرُ): يَمنَع العذاب عمن شاء، ويحفظ ما يَشاء. 
  • (وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ) إذا أراد بأحد العذاب (لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ) [الشورى:47] جلَّ جلاله. 

هل هناك أحد غيره يفعل هكذا؟ يُجيرك ويأمّنك ويقول أنا معك، ثم لا تدري؛ دقة من هنا، وأحد يدق من هنا، واحد جاء من الشق هذا، لا أحد يُجير ولا يُجار عليه في الخَلق هؤلاء، ويُعطونه وُعود وَوعود؛ سنفعل ونفعل ونطلع، ثم يطلع لاشيء! والذين أمّنوهم وطمّنوهم وقعوا في المشاكل وفي الخوف.

الذي يُجير ولا يُجار عليه، واحد اسمه -الله-، (وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ)، (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) [الرعد:11] عَزَ وجَلّ، كم مِن مُتَدرّع بأنواع الدروع والأسلحة والجند والعساكر، وهو مسكين، ذهب! واحد ولا اثنين، ثلاثة، أربعة، كل الجبابرة على مدى القرون ما عاد نفعتهم أسلحتهم ولا جنودهم ولا ما عندهم!

(فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) أهل كل حضارة منفصلة عن النور يقولون هكذا، الذين في زمانك ومن قَبْل: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)، قال الله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ) [فصلت:15-16] ما أحد ينصرهم، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:192]

وهذا يقول: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) [الزخرف:51-52] ثم في الغرق يقول: (آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) [يونس:90] وذهب وغَرِقَ مسكين، وكذّب نفسه بنفسه!

يا جماعة، القوي واحد، القادر واحد، (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) [البقرة:165] جلَّ جلاله، (وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ (89)) فما هذا الخيال الباطل الذي يَصرِفكُم ويَحرِفكم عن الأمر الواضح البَيِّن كالشمس في رابعة النهار؟! في ماذا؟! لماذا تُصَدقون الباطل؟! لماذا تُكَذِبون الرسل؟! لماذا تُكابرون عن الحق؟! 

 

تفسير قوله تعالى:(سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91))

(سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ) الذي لا ريب فيه ولا شك، وبعثنا به الرسل، (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90)) فيما يَدّعونه، (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ) حاشاه! (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص:3-4]، (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ) لا إله إلا الله، (إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ) وإلا هل هناك إله ثاني؟! إله ثاني خَلَق ماذا؟! أو يذهب لإزالته من المُلك، يمنع هذا منه، وإلا مايكون هذا إله، وهذا يريد كذا وهذا يريد كذا، ومن منهم يغلب الثاني؟! (إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)) -سبحان الله-، ما أحد يعلوه، والأمر يجري بإرادته كما قدّر وكما أراد جلَّ جلاله:

عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ *** وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ
خَلَقْتَ العِبَادَ عَلَى مَا أَرَدْتَ *** فَفِي العِلْمِ يَجْرِي الفَتَى وَالمُسِنّ
فَمَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ *** وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ

لا إله إلا الله! رزقنا الله كمال الإيمان، رزقنا كمال اليقين، نوَّرنا بنور القُرآن، فتَحَ أبواب قُلوبنا لِسر القرآن، وعظيم الخطاب من الرحمن، وجعلنا من أهل القرب والتدان، ومن أهل الاقتداء بسيد الأكوان، المُنَزَّل عليه القرآن.

 اللهم خَلّقنا بأخلاقه، اللهم أدّبنا بآدابه، اللهم وبمنزلته عندك تدارك أهل اليمن وأهل الشام وأهل الشرق وأهل الغرب، وتدارك أمته واكشف عنهم كل كرب، وحَوّل أحوالهم إلى أحسن الأحوال، واصرف قواهم وما آتيتهم في مرضاتك وما تُحب، وفي نُصرتك ونصرة رسولك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقِنا وإياهم البلايا والآفات والرزايا في الظواهر والخَفِيَّات، يا محوّل الأحوال حوّل حالنا والمسلمين إلى أحسن حال.

احفظ الحرمين الشريفين، وخلّص بيت المقدس من المعتدين الظالمين، وتدارك المسلمين من كيد الكفار والفجار والأشرار والماكرين والضالين والزائغين والمُجترئين وأهل الضلال وأهل الفِسق، ولا تُبلّغ أولئك مراداً فينا ولا في أحدٍ من أهل لا إله إلا الله.

يا من بيده الأمر كلّه تداركنا والمسلمين، وأغثنا والمسلمين، والطف بنا والمسلمين، وحوّل أحوالنا إلى خير حال يا محوّل الأحوال، وعافنا من أحوال أهل الضلال وفِعْل الجهّال، واختم لنا بأكمل الحُسنى وأنت راضٍ عنّا في خيرٍ ولُطْفٍ وعافية، يا حي يا قيوم.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

28 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

08 أكتوبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام