(640)
(489)
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المؤمنون:
( وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) )
مساء الاثنين 17 ربيع الثاني 1448هـ
الحمد لله مُكرِمِنا بوحيه وتنزيله وبيانه على لسان صفوته وحبيبه، المُبيِّنِ عن الله آياته لبرياته؛ محمدٍ صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبياء الله ورسله، وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقرَّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنَّه أكُرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أمَّا بعد،،،
تفسير قوله تعالى: (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62))
فإنَّنا في نِعمة تأمُّلنا لخِطاب ربّنا، وتوجيه ربّنا، وكلام ربّنا، وقول ربّنا، وتعاليم ربّنا، وهداية ربّنا لنا؛ انتهينا في سورة المؤمنون إلى قوله سبحانه وتعالى: (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62)).
وكان مِن كريم تعامُل الخلاَّق مع خلقه، وهو الذي أوجدهم من العدم، وهيَّأ للمُكلَّفين ما يقومون به بشؤون التكليف؛ من زيادة عقل وأسماع وأبصار ووعي: له أن يفرض عليهم ما يشاء وأن يُكلِّفهم بما يشاء، ولكنه (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة:286]، ما تتَّسِع له وتقدر وتقوى عليه، مما آتاها؛ من سِعة وقوَّة وقُدرة -جلَّ جلاله-، من لطيف مُعاملته، وحسن مُعاملته، وتنزُّله ولطفه بعباده -جلَّ جلاله-.
(وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ) ما يجمعه على أيدي الملائكة في الصحف، فيُقابَلون به يوم القيامة (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) [الإسراء:13].
(وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ) وكذلك ما أنزل الله على رسله من الكتب والتي ختمها بالقرآن، (كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ)؛ لأنهم خوطِبوا به، ووُجِّهَ الخطاب إليهم فكأنه الناطق، وهو الذي مكَّنهم الله من النطق به:
تفسير قوله تعالى: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63))
قال: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا) مغمورة بلهوٍ ونسيان وإعراض، (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا) أي في لهو وسهو وإعراض عن هذا الأمر، عن هذا الكتاب، عن هذا النبي وما جاء به عن الله تعالى.
(بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ) من دون الحق ومن دون الهدى (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)؛ لهم أعمال: مُنكرات وسيئات يكتسبونها، وتتسلسل وجهتهم وهِمَمهم وأفعالهم فيها، (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63)).
تفسير قوله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64))
وكان من سُنَّة الخلاَّق أن لا يُعجِّل بالعقوبة لعاصٍ ولا لمُخطئ ولا لفاعِل للسيئات حتى تتوالى منه وتتكاثر، فحينئذٍ يحلُّ عليه العذاب:
فكانت هذه عادة هؤلاء المُكلَّفين؛ يكفرون ويُكذِّبون، وإذا نزل بهم العذاب جأروا إلى الله؛ أي استغاثوا وصرخوا والتجأوا إليه ودعَوا، كما يُذكر عنهم عند وقوع الشدائد عليهم في البحر إلى غير ذلك، فإذا كشف الضر عنهم رجعوا إلى ما هم فيه من الباطل؛ (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ) [يونس:12].
تفسير قوله تعالى: (لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ (65))
قال: (حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ (65)) أي: لا ينفعكم اليوم استصراخكم واستغاثتكم ودعاؤكم ورجوعكم، كان هذا ينفع قبل نزول العذاب، قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) [غافر:84-85].
(لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ) وهكذا لا يُفيد الرجوع إلى الله شيئاً بعد انتهاء مُدَّة الفرصة، وبعد انقضاء مُدَّة الإمهال.
يقول: (لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ (65))، ومن لم ينصره الله فلا ناصر له، مهما استنصرَ بشيء من القوى أو القُدرات أو الآلات أو التحالفات والتجمعات بين ذا وذا وذا وذاك، مهما كان منهم ذلك؛ فإن ما قدَّر الجبار عليهم نصيبهم في الدنيا، لا يصرفه عنهم أحد، ثم جميعهم؛ كل من مات منهم على الكفر وكل من مات منهم على تكذيب الرسل والمُخالفة تنازلهم أنواع العذاب، ولا يجدون نصيرا، لا حزباً ولا هيئة ولا جماعة ولا حكومة ولا مؤسسة ولا معسكراً ولا جنوداً ولا أحد ينصر أحداً (إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ) وإذا لم ينصرهم الرحمن فمن لهم من نصير؟ ما لهم من نصير، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
تفسير قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ (66))
(قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ) قد كان ما أنزلته على أنبيائي يُتلى ويُقص عليكم ويُقرأ، (فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ (66)) ترجعون إلى الوراء، وتزدادون بكل ما يُتلى عليكم من الآيات عناداً وتكذيباً، كما قال تعالى:
تفسير قوله تعالى: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67))
(فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ):
(مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا) أي؛ تسمرون على الهُجر؛ الهُجْر والهِجْر..
(سَامِرًا):
(مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)) ومن هنا كان للسمر بالهُجْر شؤمٌ على أهله، وإنما يكون السمر:
بذلك كان سمر الأنبياء، وسمر أتباعهم الأصفياء -صلوات الله وسلامه عليهم-.
وأما ما يُرتِّبه إبليس لجنده ومَن يتْبعهم جند من شياطين الإنس والجن؛ فإنهم يُرتِّبون الأسمار:
وجاء في سنة نبينا أنه كان لصلاة العشاء يكره النوم قبلها، والحديث بعدها؛ أي الحديث الذي لا ضرورة له ولا حاجة له، مما يُشابه حال هؤلاء السُّمَّارِ المُقضَّين أسمارهم في غير الخير والمنفعة، وإلاَّ:
وكان أيضاً يُحدِّث أهله ويُباسِطهم ويُعطيهم حقَّهم من خُلقه الكريم ومُعاملته الحسنة -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، إذًا فإنَّما يُكرَه ذلك السمر في الباطل وبالباطل وفي الهُجْر.
قال: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)). وتعلَم أنّ أكثر ما رُتِّب من الشرور، عند أتباع الشر في الشرق والغرب يكون في قضاء ساعات من الليل في أنواع الفساد والضر والشر -والعياذ بالله تعالى-، فكانت هذه مسالك المُبعدين والمُفسدين على ظهر الأرض (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)).
تفسير قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68))
قال تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ)، الكتاب العزيز، الشافي، المُنوِّر، المُطهِّر للبواطن، المُزكِّي للعقول، المُتحدَّى أن يُؤتَى بمثله ولم يستطع أحد أن يأتي بمثله، (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد:24]؟
يقول جلَّ جلاله: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68)) هل ينكرون شيئاً من هذه الرسالة، ومثلها قد جاء لمن سبق؟!
يقول: (أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68))، أو أنهم لأنهم لم يُنذَرْ آباؤهم الذين أدركوهم، بقوا على خِططهم فأنكروا الحق الذي جاء به النبي ﷺ، فتأتي "أم" هذه الثانية بمعنى "بل": بل جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ، فهل يصحّ الإنكار لعدم الاعتياد والإلف فيما قبل؟ كحال الذين ألِفوا شيئاً في هذه الحياة، كل من جاءهم بما لم يألفوه أو ليخرجهم عن هذا الإلف أنكروه، وإن كان فيه الخير لهم وفيه الصلاح لهم وفيه الحق الواضِح.
(أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ)، ولم يزل تدبُّر القرآن سبباً:
فهو زادٌ من أشرف الزاد يجب أن يعتني به الصادِقون من المؤمنين تلاوة وتدبُّراً وتأمُّلاً:
قال مطر الورَّاق: هل من طالب عِلم فيُعان عليه؟! تنفتح له أبواب المعارف بواسطة تلاوة الكتاب، كما تُرتَقى الدرجات وتكثر الحسنات، فينبغي أن يكون لنا النصيب الوافي من تدبُّر هذا القول الرباني.
تفسير قوله تعالى: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (69))
(أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ) هل جاءهم محمد غريب لا يدرون من أين جاء، ولا كيف كان خُلقه، ولا كيف كانت أمانته، ولا كيف كان صِدقه؟ أهو مجهول بينهم؟!
واليوم تُكَذِّبونه بما يأتيكم؟! (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ) هل مِن شُكوكٍ تَحوم حول هذا الصادق الذي هو بالحَق ناطق، كريم الخُلق صاحب الأمانة ﷺ؟ ما الذي يَحوم حوله مِن شكوك؟ لِم يشكِّون حوله فيما يقوله؟ مَلِك الروم -هِرَقل- يقول لهم لما سأل جماعة لازالوا مشركين، منهم أبو سفيان قبل إسلامه وجماعة، قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قالوا: لا، قال: ما كان ليدع الكذب على الناس، ويكذب على الله؟! سنين عندكم لم يكذب عليكم، وحين كَبر سيكذب على الله؟! كيف يَقبَلهُ العقل؟! (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ)
تفسير قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ۚ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70))
(أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (69))، يقول: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ)، أم يَقولون عنه إنه مجنون؟! كيف يكون الجُنون؟ في استواء الخُلُق أم في حُسن القول؟ أم في إقامة الدليل؟! هذا الجنون هذا؟! الجنون يكون هكذا؟! هذه غاية العقل وكمال العقل، أين الجنون الذي فيه؟!
(أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ۚ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ) ﷺ، فهو الحَق، وهو رسول الحق، وهو الذي جاء بالحَق، وهو الناطق بالحَق صلى الله وسلم عليه وعلى آله، والأشياء الثابتة الدائم شأنها وعَظَمَتُها هي التي يُعَبَّر عنها بالحَق، ونبي الله ﷺ كان يُعَلِِّمُنا في كُل قَومَةٍ نَقومها في الليل نُناجي الرب سبحانه، يقول: "أنت الحَق، ووعدك الحَق، ولقاؤك حَق، والملائكة حَق، والنبيون حَق ومحمد.." ذَكَر النبين ومحمد دخل في النبيين لكن هذا اسمه مخصوص وحده بينهم، "ومحمد ﷺ حَق، والجنة حَق، والنار حَق، والساعة حَق"، الله أكبر!
والحَقُّ في الحَقيقة بكل معنى مِن كل جانب هو الله -جلَّ جلاله- "أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحَق، والجنة حَق، والنارحَق، والملائكة حق، والنبيون حَق، ومحمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حق، والساعة حق"، فثَبَّتَنا الله على الحَق والإيمان بالحَق وقول الحَق.
قال تعالى: (بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70))، وقال سيدنا صالح لقومه: (وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف:79]، (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)، المعنى: في منهم مَن لا يَكره الحق؟ يقول بعضهم: أَخَّرَه عنه، عَرَفَ الحق، لا يكرهه، لكنه آثر أن يَكون مع قومه حَميَّة أو عصبية، أو خاف مِن ضُرهم وأذاهم فمشى معهم على الباطل، ولكن أكثرهم؛ الحقَّ نفسَه يكرهونه، ما تَقبَله نفوسهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70)).
تفسير قوله تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ(71))
قال: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ):
ولكن الحَقُّ ما قال محمد ﷺ؛ أَنّ لا إله إلا الله، وأَنَّه عبده ورسوله، وبذلك قامت السماوات والأرض، واستمرت إلى ميقاتها وميعادها الذي رَتَّبه خالقها وموجدها جلَّ جلاله.
(وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ)؛ فَهَلك الجميع ولم يبقَ أحد.
(بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ):
أَنعم عليهم جَعَل محمد مِن بينهم، وأنزل الوحي عليه، والكتاب العزيز، قاموا يكذبونه! شَرَفهم وعِزّهم وكرامتهم لو قَبِلوا ولو أَقْبَلوا!
(فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ (71))، أَعرَضوا عَن شرفهم وعِزتهم، وعن رَسولهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعما جاء به، وعن القُرآن المُنَزَّل.
تفسير قوله تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72))
يقول الله تعالى: أم عندهم مشكلة أنك تطلب منهم مال؟! أنت ما طلبت منهم شيء أصلًا:
ما كان مِن هذا مِنهُ ﷺ؛ بل لما مَكّنه الله تعالى وآتاه مِن الخَراج الذي يأتيه، قال: "من مات وله مال فماله لورثته، ومن مات وعليه دَين فعليّ"، عليه الصلاة والسلام.
(أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا) قال: (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ)، ثوابه وإفضاله وعنايته بك أفضل مِن كل ما عندهم، ماذا تريد من الذي عندهم؟ ما تريد من عندهم شيء، (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72)) -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ) [القلم:3] صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (73))
ويقول: (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (73)):
ويَحكُم بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون، فيخسر أهل الموازين الباطلة هذه كلها:
فهم الخاسرون: (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) [الأعراف:8-9].
تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74))
(وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74))، كلما ضَعُف الإيمان بالآخرة أو عدِمَ، تَنَكَّب الناس عن الصراط الصحيح القويم، فلا تَتحكم الأهواء في الإنسان إلا؛
هنا يتسلط الهوى عليه: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26]، ما ضَلّوا ولا تغلبت عليهم الأهواء إلا بنسيانهم ليوم الحساب، ولو كان يوم الحساب في ذاكرتهم ومشاعرهم وأحاسيسهم لن يتغلب عليهم الهوى ولن تتغلب عليهم الشهوات، كما قال: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف:28]
يقول جلَّ جلاله: (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)):
تفسير قوله تعالى: ( وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75))
وهكذا أشار إلى ما يَجري مِن أولئك القوم كلما أصابتهم ضراء دعَوا ورجعوا: ( وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75))، استمروا على ما هم عليه والعياذ بالله تعالى، وهكذا (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) [الزخرف:50]، (إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) ويرجعون، وهم يقولون؛ بنو إسرائيل لموسى: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ) إننا لمهتدون (لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) [الأعراف:134-135] والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وهكذا ما أَعظم بيان الحق لنا عن أحوالنا ونفسياتنا وما يجري لنا، وتحذيره لنا مِن أن ننقطع عنه ونُسَلّم أنفسنا لأَزِمَّةِ الباطل والهوى فنخسر الدنيا والآخرة!
أحسَن البيان ربنا، وكرر في الآيات هذه المعاني، فويلٌ للمعرضين، وويلٌ للغافلين، وويلٌ للذين جعلوا القرآن وراء ظهورهم فَيَسوقهم إلى النار والعياذ بالله تبارك وتعالى.
اجعله أمامنا إمامنا يقودنا إلى جناتك، واجعلنا من أهل مودّاتك، وتدارك أمة حبيبك محمد ﷺ، وارفع الشدائد والبلايا والآفات والفتن والمصائب عنهم، واجمع شملهم على ما تحب، ورُدَّ عنهم كيد المعتدين والظالمين والمفترين والمفسدين والكاذبين، يا أكرم الأكرمين.
واحفظ اللهم لنا الحرمين الشريفين، وخَلِّص بيت المقدس، واحفظ يمننا وشامنا وشرقنا وغربنا من شر أهل العدوان والظلم والزيغ والطغيان، واجعلنا مِن الذين سبقت لهم منك الحسنى وختمت لهم بها في عافية، يا عالم الشؤون الظاهرة والخافية، يا من بيده أمر الدنيا والآخرة، لا إله إلا أنت أغثنا والأمة، واكشف الغُمة، وعامل بمحض الجود والرحمة، وأرِنا وأسمِعنا في أنفسنا وأهلينا وأولادنا وذرياتنا وذوينا ووادينا ونادينا ويمننا وشامنا، والأمة المحمدية ما تقر به عين نبيك وما يفرح به الصالحون مِن عبادك، برحمتك يا أرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
27 ربيع الثاني 1448