(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى:
﷽
۞ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23))
الحمدُ لله مُكرِمنا بالوحي والتنزِيل؛ وبيانِ السبيل على لسانِ خيرِ دليل؛ وأكَرمِ هادٍ إلى المَنهجِ القَوِيم الأصِيل، سيدنا مُحمد صلَّى اللهُ وسلَم وباركَ وكَرَّم عَليه؛ وعلى آلهِ وصَحبِه خيرِ جِيل، وعلى مَن وَالآهُم وأَتْبعهُم بإِحِسان إلى يوم الدِين بِغير انحرافٍ ولا تَغيير ولا تبديل، وعلى آبائهِ وإِخوَانهِ؛ مِن الأنبِياء والمُرسَلين أهلِ الكرامةِ والتَشرِيفِ والتَبجِيل؛ وعلى آلِهم وصَحبِهم وتَابِعيهم فِي النِيةِ والقَصدِ والفِعل والقِيل، وعلى ملائكة الله المُقربين وجميعِ عِباد اللهِ الصَالحين وعلينا مَعهم وفِيهم إنهُ أكرمُ الأكرَمين وأرحمُ الراحِمين.
وبعدُ،،
تفسير قوله تعالى: (۞ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19))
فَقد وصَلنا فِي تَدبُرِنا لآياتِ ربِنا وكلَامه وخِطابهِ ومِنهاجِه وشَرِيعَتِه ودَعوتهِ فِيما أوحى إلى نبينا صلَّى الله عليه وآله وسلَم، إلى قوله تعالى في سُورة الرَعد: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ.
يقولُ الله: مَن أدرَك الحَقيقة في المقصُود مِن الخَلق، وعَرفَ أنَّ الحق الذِي مِن أجلِه خَلقتُ هذا الوجُود، ما أوحَيت إليك يا مُحمد وما أنزلَتُه عَليك، فآمَن وصَدّق واهتَدى، فخرجَ مِن عَمى الكُفر وحَيرة الضلالِ، ومِن ظُلمات الإنحِصار في عالَم الحِسِّيات وعالَم المادِيات كَما سمِعتم؛ أدرك الحقيقة ففَتَح نور بصِيرتِه وأبصرَ الحق، (كَمَنْ هُوَ أَعْمَى)؟
هل يكون هذا حاله وشأنه وقَدره ومُستواه وحَاضره ومآلهُ كمِثل الأعمى؟
(وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ) [فاطر:19-21]. مَن عَميَ عن إدراكِ مَن خَلَقه ولماذا خَلَقه وما المنهج الذي يرتضِيه مِنهُ ليُحققه في هذا العالَم والحِياة الفانية؟ عَمِي عن كل هذا، فهل ينفع أن نفتح على شَجر، على ماء، على حَديد، على طائِرات، على إلكترونيات، على قُصور، على هَندسة، وهو أعمى لا يعرِف لماذا خُلق؟ ولِمَ جاء؟ ويعْمل هذا لماذا؟ وينتهِي إلى أين؟ أعمى! (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ).
فكُل الذِين لم يُؤمنوا بصِدقِ مُحمد ولم يَعلَموا صِدق ما جاء به هم العُميان بيننا؛ هم العُميان؛ عُميان البَصائر، لا يُغني عنهم الذي يشتَغلون به ولا مَا يكتسِبونه شيئًا:
أي: لَم تكُن بَصِيرًا إلّا في عَالَم الحِس والجَسد وكُنتَ أعمى في بَصِيرتِك (أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا)؛ وهذا هو العَمى (وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى).
فاَلحمدُ لله على نِعمة الإِسلام والإِيمان، اللهم زِدنا إيمانًا، وزِدنا بَصِيرة، واجعلنا نُوقن أنّ ما جاء به عَبدك مُحمد هو الحَق الذِي لا حَق وَراءه؛ والهُدى الذي ما بَعده إلا الضَلال.
(أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) الذي رَبّاك واصطَفاك فَختمْ بِك النُبوة؛ وجَعلك سَيد أهلِ المَعرِفة والفُتُوة؛ ربِك، (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) هو (الْحَقُّ)، (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ)؛ أي: هو الهُدى والحقُ الصَريح الوَاضِح الذِي ما ورَاءه حَق ولا بَعده إلّا الضَلال، (كَمَنْ هُوَ أَعْمَى)؟
لكِن التَذكُّر الذي هو نتِيجة التَفَكُّر والتَبصُّر، التَذكر لا يَحْصُل لكُلِ أحد.
(إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)؛ أربَابُ العُقول:
(إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)، يتذكر أصحاب العقول (أُولُو الْأَلْبَابِ): أهل العقول، فهل مِن أوصَاف واضحةٍ نُميز بِها أنّ هذا صاحب عَقل؟ أي مُكرم مِن قِبل الله بلُبٍّ وروح وعقل ومعرفة وفهم، أحسَن إستخدام البَصيرة واللُب والعقل والقلب، فبَانت له الحقائق فتذَكّر الحَق مِن الخالِق -جلَّ جلاله-، هل نستطيع أن نعرف هذا بأوصَاف؟
تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20))
قال: خُذوا أوصَاف الذين أحسنوا استخدام عُقولهم فأدركُوا الحقيقة، (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ)، (يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ) لُبهم وعقلهم، أوقفهُم على حقيقة عَهد بينهم وبين الذي خَلق، وأنه في عظمتِه يستَحيل أنْ يَخلُق الخَلق عبثًا، ولا أن يترُك النّاس يعملُون ما يشتَهون ثم يَذهبون، هذا يظلِم هذا وهذا يأخُذ حق هذا، وهذا يضربُ هذا ثم تنتهي المَسألة! ما هذا العَبث؟ الحق أكرَم مِن ذلك.
إذًا..
لم يَخلُق إلا لحِكمة، وإنه سُبحانه وتعالى فيما أبرَز لنا في عُقولِنا مِن إبداع عَجيب جميل مُرتب للكائِنات:
إذًا..
هُنا عَهدٌ بيننا وبين الله، كُل أُولِي الألباب يُدركون أنّ للرَّب الذي خَلَقهم عَهد؛ فيَعتنُون بالوَفاء بعهدِ الله؛ فهذه أول عَلامة على أنّ الاستِعمال للُب صَحيح:
(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ)، ما وثِّق مِن عُقود وعُهود ووعُود، ما ينقضُونَها:
(وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ)؛ ولذا وجَدنا كُلُّ مَن عاهد الأنبياء، ووفى الأنبياء بالعَهد على التَمام وزادوا، ولكن خان ونَقضَ العهد أعداؤهم والذين كَذّبوهم بِما جَاءوا، وهذا ما كان بين نبِينا وبَين مَن في عهده مِن المُشركين، ومَن في عهده من اليهود، على أنّ العُهود التي عاهِدَهُم عليها ﷺ، المواثِيق التي جَعلَها فِيها مصالِح كثِيرة لهم مِن حَيث عيشهُم وأمنَهُم وإستِقرارهم، بل ومِن حَيث ألّا يأتِيهم مِن قِبَله ضَرر، ولا مِن قِبل أحدٍ مُن أصحابه؛ على مَال ولا عِرض ولا نفس، كانوا مُستفيدين مِن هذا؛ سَواءً صُلحُه مع اليهود في المدينة المُنورة، بل وفيها فوق ما ذَكَرنا أنّه يَذُب عنهم إذا احتاجُوا، فإذا اعتدى عليهم مُعتَدي أو ظلمهم ظالِم أن يذُبّ عنهم معهم، ويدفَع الظالم والمُعتدي.
حتى يقول في آخر حُصن من حُصونهم، تحصنوا فيه، وبَقي هو وأصحابه أيامًا لا يستطيعون فتح هذا الحصن، سلَّم الرَاية لسيدنا علي في يوم فتح الحصن، قال: "أُدعُهم إلى الله؛ فواللهِ لَأنْ يهديَ اللهُ بكَ رجُلًا واحدًا خيرٌ لكَ مِن أنْ يكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ".
كان -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- يَعلَم ما عَمِلوه وما قالوه، ويَعلَم مع ذلك أنّهم خَلقٌ لله تبارك وتعالى:
يَعلَم كل ذلك، ويَعلَم أنّه رسول إلى الجميع ومبشر، وأنّ مَن قَبِل ولو أكبر مُخطط فيهم ومُنفِذ للشر، إذا آمن قَبِل منه، الله! .. الله! (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) [التوبة:11]، هل يوجد منهج في الدنيا ونِظام أصفى مِن هذا؟ وأوْفى مِن هذا وأجمل من هذا وأسهل؟!
قال لسيدنا علي : "أُدعُهم، فو اللَّهِ لأنْ يهْدِيَ اللَّه بِكَ رجُلًا واحِدًا" يُرغِّبه: أن من قدرْتَ أن تدخله إلى الإسلام و ينقذ نفسه مِن النّار ومِن التكذيب، افعل، فلما تمكّن منهم وكان يستطيع أن يَستأصلهم، وكانوا في قَبضته يَقدر أن يقتِّلهم واحد بَعد الثاني رِجال ونساء صغار وكبار، لم يفعل شيئًا مِن ذلك، قالوا استسلَموا وأرادوا الصُلح قال الصلح، أرادوا الأمان لأنفسهم، قال الأمان، قالوا: يريدون أن يَجلسوا في نَفس الأرض، يعني يريدون منك إقامة، إئذن لهم أن يُقيموا هنا، الأرض صارت لك لكن يريدون يقيمون فيها، قالوا: إقامة .. قالوا: إقامة .. قال: ما شاء الله وشِئنا، إقامة لكن ما هي لِعب ملعُوب بها على طُول الخط! بل بضوابط، قالوا: ثم بعد ذلك من أين نأكل؟ نريد كفالة للعمل، قال: عمل، اشتغلوا في الأرض ونِصف الحَرث لكم؛ نِصف ما يأتى من الثمر لكم؛ أمّنهم اقتصاديًا، وأمّنهم في دِمائهم وأنفسهم، وأمّنهم في أعراضِهم، وما حَصّلوا أحسن منه مُؤَمِّن ﷺ.
والأيام التي عَاشوها في عهدِه بعد أن مَلَك الأرض وامتدَ حُكمه إلى أرضِهم، إلى تلك الأرض التي صارت لرسول الله ﷺ والصحابة كانت أحسن أيام بالنسبة للهُدوء والاستقرار والأمن لهم عِرضًا، ونفسًا، ومالًا؛ ومع ذلك آذوه، حتى كان في عهد سيدنا عمر، أنتم انتقلتم مِن التَعب الذي في الحياة نفسها أيام كنتم في الخِيانات وأيام كنتم في التأليب على رسول الله ﷺ، وما كان عندكم إستقرار نفسي، ولا طُمأنينة، ولا استقرار اقتصادي، ولا استقرار اجتماعي، تَوفر لكم أمن اجتماعي، وأمن اقتصادي، وأمن نفسي، واستقرار، ثم مازلتم تفكرون بالأذى؟ تفكرون في الأذى! وخَلعوا يد عبد الله بن عمر، وقاتلوا واحد مِن المسلمين في مزارعهم -إنّا لله وإنّا إليه راجعون-؛ فما كان مِن سيدنا عمر أن أجلاهُم وأخرجهم مِن تلك البلاد؛ أهل نَقض المِيثاق.
وجاء الخُلفاء مِن بعد نبينا، فما أحد من الخُلفاء الراشدين ولا مِن صالحي الأمة، خان عهدًا مع صغير ولا كبير ولا فرد ولا جماعة، إنّما تحصُل خيانات مِن فُسّاق الأمة؛ ومِن شرارها ومِن الكفار إلى عصرِنا هذا؛
هذا وصف حالة التقدم في القرنِ الحادي والعشرين، والحضارة وصلت إلى هذا الطريق في الفِكر:
(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20))، لا مِيثاق ربهم ولا ما عاهدوا عليه صغيرًا أوكبيرًا.
لذا وجدنا في صُلحاء الأمة مَن يتحرَّز في كلمة مِن لسانه تخرُج لطفل مِن أطفاله، إبنهُ أو إبن إبنهُ في البيت، أن يقول له: سأشتري لك كذا أو آتي لك بهدية كذا، يتحرز من هذا؛ خشية أن ينسى أو لا يتمكن مِن ذلك، فيكون قد خان عهدًا، يكون قد أخلف وعدًا، فيقول للطفل: كيف ترى لو اشترينا لك كذا؟ كيف ترى لو أهدينا لك كذا؟ وهو ينوي إن شاء الله أن يشتريها، لكنه ما يقول سآتي لك بكذا؛ خَشية مِن أن ينقُض عقدًا مع طِفل مِن أطفاله، ولده في البيت أو ولد ولده، هل رأيت أولي الألباب؟ هل رأيت الذين انفَتحتْ أنوار بصائرهم؟ -الله أكبر- هؤلاء مَن أحسَن للعيش معهم في أمان؟ بتعيش مع مَن في أمان أحسن مِن مِثل هؤلاء؟! عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، فما أعجب العيش معهم ما أعجب مجالستهم، لا يَكذِبون حتى على البَهائم فَضلًا عن الأوادم؛ لا يُحبون الكذب ولا الخديعة ولا ظُلم بَهيمة.
تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21))
(وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ)، (أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ):
فلا يقطعون (مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ)؛ ويصلونِ إلى حد ما أُمروا به مِن وصل الدوابِ:
وأن يَعلَموا أن بينها وبينهم قِصاص يوم الوقوف بين يديّ خالِقها وخالقهم. فرُبما أُدخل النّار أحدهم بسبب حيوان مُعتقَر آذاهُ بغير حق، "حُبست إمرأة في النّار في هِرة"، يقول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، عجيب هؤلاء.
(يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ)، يأخذون الإشارة من التَفقد؛ تفقُّدُهم حتى لِمن دخل في دائِرتهم ولو كان حيوانًا، وأنّ سُليمان في مُلكه الكبير يسأل عن الهُدهد، يقول أين الهدهد؟ أين غاب الهدهد؟ ولذا قالوا:
تفقُّدُ الساداتِ خُدّامَهم *** مَكرُمَةٌ لا تُنقِصُ السُّؤْدُدَا
هذا سليمانُ على مُلكِــــــهِ *** قد قال: ما ليَ لا أرى الهُدْهُدَا؟
فيُعطون هذه الأمانة حقها، في صُلحائنا الذين أدركناهم في زماننا، يعتني بشأن مَن عاش معه في البيت مِن هِرّة:
في زماننا رأينا من عمِل هكذا؛ هؤلاء أولو الألباب، هؤلاء هم البُصراء الذين عَلِموا أنّ ما جاء به محمد حق؛ هؤلاء المستعدون للقاء، هؤلاء المتهيئون لدار الكرامة والبقاء، عليهم الرضوان، هؤلاء الذين أخذوا خير ما في الدنيا واستعدوا به للعُقبى، فعليهم الرضوان.
يقول: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ)، الذي كوَّنهم وخلقهم مِن لا شيء؛ لأن مرجعهم إليه وحسابهم عليه، ويوقنون أنّه ليس بيد غيره أن ينفعهم أو يضرهم إلا بأمره، فهم يخشون، وخشيتُهم في مَحلها للقادر؛ يخشون القادر الذي يُنفّذ الأمر والإرادة ولا يُعقّب أحد على حُكمه؛ وهو أحق بالخَشية مِن أي شيء، ومِن أي أحد (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)، أن يُحاسَبوا فيُتَقصى عليهم في الحِساب، حساب ناقص، ولا يُسَامَح فيه؛ فيهلكوا: (يَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)
(سُوءَ الْحِسَابِ) أن يُتَقصّى عليك فيه ولا تُسامَح - يالطيف-، "مَن نُوقِشَ الحِسابَ يَومَ القِيامَةِ عُذِّبَ".
وهكذا جاءنا في الحديث تقول السيدة عائشة: يا رسول الله أليس يقول الله (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا) [الانشقاق:8-9]، قال: "يا عائشة، إنَّما ذَلِكِ العَرْضُ، أما من حُوسِب عُذّب"، هلك، أنه إذا حاسبوه وأقاموا الميزان عليه، لماذا؟ وكيف؟ وهذا وذا فإنه ينتهي، لكن قال العَرْضُ فقط، تُعرض عليه أعمال بلا مُناقشة، وإذا هناك مناقشة سيهلك -لا إله إلا الله-، ولا ينجو إلا مَن رحمهُ الله، اللهم رحمتك الواسعة وعفوك العظيم.
يقول: (يَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21))، هذا سوء الحساب أن يُتقصّى ويُفَتش عليه في كل قليل وكثير ولا يُسامح في شيء ولا يُغفر؛ هذا سوء .. (سُوءَ الْحِسَابِ)، أجرنا من سوء الحساب، هذا للذين قال عنهم جلَّ جلاله: (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ..(18)) -أي: لربهم- (لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ) من سوء العذاب (أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ)، أي لهم سوء الحساب (لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ)؛ يُحاسبون محاسبة دقيقة ولا يُسامحون -أعوذ بالله- لهم سوء الحساب، (..وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18))، اللهم أجرنا من النار؛ قال هؤلاء أولو الألباب.
هل عرفت من أولي الألباب؟
فاحذر من كل ما يُوحى إليك أنّ العقلاء في عالمنا وفي زماننا في وقتنا من قالوا، ومن قالوا، ومن فعلوا، ولكن هؤلاء العقلاء بميزان ربك وما خالف هذا؛ والله باطل .. كذب .. لا حَق فيه، هذا هو الحَق.
(الَّذِينَ يُوفُونَ) -هم أعقل الناس في الدنيا- (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ)، فلا يقتحمون الذنوب والمعاصي والسيئات (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)) ويسألون الله المسامحة والعفو، اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعفُ عنا.
تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22))
(وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ)، يقول الله هذه المكارم والشمائل، تحتاج إلى صبر وإنما جعلت الجنة:
لماذا هذا الصبر؟
قال:
الصابرون:
(وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ)، اللهم اجعلنا من مُقيمي الصلاة، (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً):
(وَيَدْرَءُونَ) -يَدْفَعُونَ- (بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ)، كل السيئات يدفعونها بالحسنات، إن أسأت إليهم أحسنوا إليك، (يَدْرَءُونَ)؛ يدفعون بالحسنة السيئة، كل سيئة لا يقابلونها بسيئة؛ يدفعونها بالحسنة، يَدْرَءُونَ عن أنفسهم السيئات بالحسنات -الله أكبر-، (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ):
(أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ)، اللهم اجعلنا منهم والحِقنا بهم.
تفسير قوله تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23))
(جَنَّاتُ عَدْنٍ)، والعدن: الخلود..
(جَنَّاتُ عَدْنٍ) -وهي دار الخلود- (يَدْخُلُونَهَا) وفي قراءة: (يُدْخَلُونَهَا)، (وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ)، جاء عن بعض التابعين، قال: يَدخل المؤمن الجنة ويرفعه الله في درجاته ويقول: أين أمي؟ أين أبي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي؟ يُقال له: لم يعملوا بمثل عملك، يقول: يا رب كنت أعمل لك ولي ولهم، قال: فالحق تعالى يعطيه أُمنيته، ويقول: ارفعوا أولاده وأهله إلى درجته، فيأمرهم فيرفعونه الي درجتهم، عنده فيقرُّ عينه، كما علم أنّ عبده المؤمن في الدنيا يحب أن يجتمع مع أهله وقرابته فيجمعهم له أيضًا في الدار الأخرى كما أشارت الآية: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) [الطور:24]، فما أعجب جود الله تعالى وحسن معاملته.
اللهم اجعلنا من أولي الألباب، واجعلنا من الذين فتحتَ ونُوَّرتَ بصائرهم، لا تجعل فينا عمى القلوب ولا عمى العقول والأفكار الذي ابتليت به كثيرا من عبادك في شرق الأرض وغربها. اللهم اجعلنا ممن تنوَّر وتزكَّى وتطهَّر واقتفى خير البشر، واتبع ما له من أثر، فيما بطنَ وفيما ظهر، واجعلنا اللهم ممن تفكَّر وتبصَّر وتذكَّر، واجعلنا من خواصِ أهل اللُّب، الرَّاقين إلى أعلى مراتب القُرب، الشاربين من أحلى شُرب، الصادقين معك ظاهرًا وباطنًا في خير ولطف وعافية برحمتك يا أرحم الراحمين.
بسر الفاتحة
حضرة النبي محمد اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله
الفاتحة
14 صفَر 1443