(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى:
﷽
(أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)۞ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19))
الحمد لله مُكرِمنا بأسرار الوحي والتنزيل، وبلاغ نبيه الجَليل سيدنا محمد، خاتم النبيّين وسيد المرسلين صلّى الله وسلم وبارك وكرم عليه في كل وقت وحين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغُرِّ الميامين، وعلى من والاهم في الله واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه مِن النبيّين والمُرسلين، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والمَلائكة المُقرَّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد،،
فإننا في تأمُّلنا لمعاني كلام ربِّنا وإرشاده وتعليمه وتوجيهه وتبيينه -جلَّ جلاله- انتهينا في سورة الرعد إلى قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)).
تفسير قوله تعالى: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16))
وقد تقدم قبل هذه الآية قوله سبحانه: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟ قل لهم مَن خالقها؟ مَن مُكوِّنها؟ مَن مُنشئها؟ مَن فاطرها؟ مَن مُوجدها؟
(قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟ ولا يجدون إلا أن يقولُوا: الله (قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ)
هل يستوي المؤمن والكافر؟ (أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) هل يستوي الهدى والضلال؟
(قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- تحت قهره السماوات والأرض ومن فيهن.
تفسير قوله تعالى: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17))
(أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)، من السحاب؛ أو جهة السماء التي هي فوق رؤوسكم ماءً، بالأمطار (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)، أوديةٌ ما بين الجبال، وما يَتَجمع في رؤوس الجبال فيخرج إلى وسط الأودية، من وادٍ كبير ووادٍ صغير (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)، سال فيها السيل للماء الذي نَزَلَ من السماء (بِقَدَرِهَا) كِبَراً وصِغَرٍ وطولًا وعَرضًا؛ (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا).
ولمّا سال السيل وجاء الماء:
(وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ)؛ لِيَخرُج خبثهُ، وتأخُذونَ صافِيهُ (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ):
تَعملون منها قدوركم وأوانيكُم وأسلحتكم، ولكن تعرِّضونه على النار من أجل الغِش الذي فيها والخَبَث يخرج والصدى، فهذا الخَبث الذي فيها كَمِثل الزبد الذي على السيل (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ).
( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) أي مرميًا به يمْنةً ويسْرة؛ ويَعلق بالأشجار وحافتيّ الوادي؛ (فَيَذْهَبُ) ويتلاشى ويضمحل، كذلك الخبث الذي في الحديد، في النحاس، أو في الذهب، والفضة تأكله النار ويَضمَحل، ويبقى هذا الماء الطيِّب الصافي يمكث في الأرض؛ فيشرب منه الناس والأشجار والدواب والأنعام ويُسْتعمل للغُسلِ والوضوء والتغسيل وللشرب وما إلى ذلك، وهذه الأواني والأسلحة كذلك تؤخذ وكذلك الذهب والفضة حلية و(مَتَاعٍ)؛ (حِلْيَةٍ)وزينة وبقية الأمتعة من الأدوات والأواني والأسلحة تؤخذ من الحديد (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) [الحديد:25].
يقول الحق تبارك وتعالى: (كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ) أي يَضرِب مَثَل الحقِ والباطل؛
(كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) مرميًا به، (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)، إذًا:
(كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ)؛ لن ينتفع الناس انتفاعا حقيقيًا بمُخالفٍ لشرع الله ومنهاجه كائنًا مَن كان، ولن ينتفع الناس في رفع الظُلم أواستقرار الحالِ، أو استتباب الأمن أو نزول الطمأنينة أو حصول السكينة؛ إلا مِن خلال هؤلاء المؤمنين بالله ورُسله العاملين بالصالحات، فإن كان مِن خيرٍ يُساقُ إلى الأمة فعبر هؤلاء؛ (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً)، بحضاراته بمصنوعاته بكل مَقدوراته بأسلحته (فَيَذْهَبُ جُفَاءً) ويصير كمثلِ ذلك.
إذا قالوا إنهم سَيُصلحون الناس، فإنه يُحوَّل الظلم الذي في الناس إلى ظلم أشد منهُ، والبؤس الذي فيهم إلى بؤس أتعس منهُ، ألا تراهم يفعلون كذلك؟ ويتولون بعد ذلك بباطلهم؛ إثارة البغضاء والشحناء بين الناس وضرب الناس بعضهم البعض ولَهَفهُم على المصالح؛ وهذه غاية حضاراتهم وماعندهم؛ لن ينفعوا الناس.
ولن يستقر بهم حال الإنس على ظهر الأرض ولا الجن؛ إلا بمقدار ما استُجيب لدعوة الحق ورسوله مِن قِبل هؤلاء، الذين إذا وقع الأمر في أيديهم، فهم الماء العذب الصافي الصالح للتغذية والريّ مِن الظمأ ولتغسيلِ الأبدان ولتغسيلِ الثياب، و لسقي الحيوانات و لسقي النباتات لتنبت، وهم أيضًا الحِلية والزينة وهم المتاع النافع.
(كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)؛ كان من الزَّبد في عهدهِ ﷺ؛ دُعاة الشرك والمُتشبثون بالأصنام والروم وفارس ومن يتبعها، ومن يَستقل عنها من بعض الممالك والدويلات، وكان كلٌ مِن فارس والروم يقولون؛ أنهم سيصْلحون البلاد والعباد وأنهم سينفعون الناس وأنهم سيحكمون بالحق وأنهم وأنهم…ومضى أحوال الناس مع مُلكِ هؤلاء:
ولكن محمد جاء وصبر وكابد وبَشّر وأنذر فما مرت السنُون إلا وكنوز كسرى وقيصر تنفع الناس وتصل إلى الفقير العائل وإلى المريض وإلى المحتاج وينتفعون بها على يد أتباع محمد، (كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ).
وإن كان مِن حقيقة نفعٍ مضى للناس على ظَهر الأرض، فمِن أتباع هذا النبي أو من مُشابِهِهم مِن أي ملَّة كان وعلى أي مبدأ كان في موافقته لهذا الشرع مِن؛ إسداء معروفٍ أو رحمة ضعيف وما إلى ذلك؛ كُل المنافع محصورة في هذا.
لا والله، ما انتفع لا الكُفار ولا المسلمون حقيقة الانتفاع بما خالَف الشرع وما خالَف الدين كائناً ما كان:
لا في دُنياهم ولا في آخرتهم، لا في أبدانهم ولا في قلوبهم، ما انتفعوا بتكذيب الأنبياء ولا انتفعوا بفعل المحرمات حقيقة الانتفاع، بل النفعُ انحصر، والحقُّ أعلم بما ينفع عباده فيما شَرع، وإنما قد يسري بعض النفع الحسي خارج نطاق المُستجيبين للرسل؛ مِن خلال موافقتهم بحكم فطرة أو أثر دين سابق للمُرسَلين؛ أوجب رقةً أو رحمةً أو عطفًا أو إحسانًا.
لكن الذي انتفع به الناس ليس الفكر الإلحادي ولا العِلماني وليس شيء مِن هذه المُسميات التي استُحدِثت ولكن ما وافق في العمل، ما دَّعت إليه الشريعة هو الذي ينتفع به الناس، ولو انتفاعًا حسيًا يسيراً، أما ما عدا ذلك فجلبُوا لأنفسهم الأمراض التي لم تكن في مَن قَبلهم، وجَلَبوا لأنفسهم القلق والكدر والهمّ الذي لا مَخرج لهم منه ولا يغنيهِ عنهم مُلكُ الأموال ولا شيء من المتاع مع وجود هذا القلق الداخلي في وسط الإنسان، وجَلبوا لأنفسهم هَتك الأعراض وعدم الاستقرار في أُسرةٍ ولا في مجتمعٍ إلى غير ذلك مما جلبوه بكل ما دعوا إليه يخالف ما جاء به نبِيُا، ولا يزالون كل ما دعوا إليه مما يخالف ما جاء به نبينا سيجلب لهم الضرر والشر في الدنيا، قبل الآخرة لأن خالق الدنيا والآخرة والأعلم بخيرها وشرها هو الذي بعث محمدًا، هو الذي أرسله؛ (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [التوبة :33].
وعلى ضوء ذلك نقول؛ إنَّ مَنْ على ظهر الأرض اليوم لن يجدوا حقيقة عَدلٍ وبرٍ وقسطٍ وإحسانٍ وخيريةٍ إلا:
ومن غير هذه الدائرة لا نفع على الحقيقة، الحق والباطل هكذا مَثلٌ ضَربه علّام الغيوب مَن أحاط بكل شيء علمَا وأحصى كل شيء عددا.
(أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ)، (ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ) ذهب أو فضة (أَوْ مَتَاعٍٍ) أنواع الحديد والنحاس وما إلى ذلك (زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)، فهل تَعقِلون؟ وهل تشعرون وتحسون؟ وهل تبصرون؟ وهل تتأملون؟ لتخرجوا مِن خِدع الكذب والتلبيس والإضلال وإظهار الأمر على غير وجهه؛ وهو شُغل إبليس وجنده؛ (كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)
لِيَعقل الناس في الأمور المَعنوية بواسطة ما جَعل لهم الخالق في شؤون الحسيات أمام أعينهم، هذا الزَّبد وهذا الماء، يقول نبينا: "إن مثل ما بعثني الله من الحق والهدى كمثَلِ غيثٍ أصاب أرضًا فكان منها طائفةٌ طيِّبةٌ قبِلت الماء فأنبتَتِ الكلأَ والعُشبَ الكثيرَ وكان منها طائفة -أجادب- أمسكت الماء فَسَقَوا منها الناس وزرعوا، وكان منها طائفة قيعانٌ لا تُمسِكُ ماءً ولا تُنبِتُ كلأ؛ فذلك مَثَلُ مَن فقُه في دينِ اللهِ ونفَعه هُدى الله الذي أرسلت به، ومثَل من لم يحمل بذلك رأسًا ولم ينفعه هدى اللهِ الَّذي أُرسِلْتُ به".
فما يجري النفع إلا على يد هؤلاء الذين انتفعوا بهذا السيل الرباني المعنوي وهو القُرآن والدين الذي بُعث به محمد، كما كان في الأمم السابقة ما بُعث به الأنبياء من عهد آدم إلى عيسى بن مريم عليه السلام:
تفسير قوله تعالى: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18))
هكذا ضَرَب الله الأمثال وتابع؛ أن العاقبة الكبيرة والغاية الخطيرة ستقوم على ما ضَربنا لكم من الأمثال، وسيكون الحُكم فيها على ضوء ذلك؛ (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ)، اللهم اجعلنا منهم، (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ)، سَمِعوا نداء الرب فاستجابوا، (مِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) [آل عمران :193]، (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ)، فآمنوا وعملوا الصالحات و تَجَنَبوا المعاصي.
(اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ) -لهم- (الْحُسْنَىٰ)، الْحُسْنَىٰ الكُبرى:
هذه الحُسنى لهم.
(وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ)، لَمْ يَسْتَجِيبُوا لإلههم؛ اغتَروا بشيء مِن الأمتعة، من الحضارة، مِن الأسلحة، مِن المُلك على ظهر الأرض، يقول هؤلاء يَقدِمون على عاقبة ومصير ومستقبل، (لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ)؛ لَقَدَّموه ورموا به بمباشرة فداء؛ أن لا يُعذَّبوا ولا يصيروا إلى مصير المُكَذِبين والمُعانِدين والعاصين والمُخالفين لشرع الله، يقولون: ادفعوا عنا هذا العذاب، خذوا كل ما عندنا.
(لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)؛ هل تعرف (جَمِيعًا)؟ لم يبقَ ذهب ولا فضة ولا طائرة بدون طيار ولا حضارة، (مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، اسمعوا: (وَمِثْلَهُ مَعَهُ)؛ من أين يأتي بـ(وَمِثْلَهُ مَعَهُ)؟
هو الذي (فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ليس لواحد منهم ولا لطائفة ولا لدولة منهم، ومازالوا يتنازعون ويتقاسمون؛ مِن الذي يقدرون عليه مما على الأرض، قال لو كان للواحد منهم (مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ)؛ لكان ما يساوي عذابًا يقابلونه في يوم مِن الأيام، يودُّ لو كان مع هذا كله سيفتدي به، ويقدمه -خذوه خذوه خذوه- من أجل أن ينجو، (لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ):
(سُوءُ الْحِسَابِ)، (أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ)، تطَّلع على الأفئدة، (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ) [الهمزة:7]، (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)؛ هذا نهايتهم وهذه عاقبتهم وهذا ما مَهَدوا لأنفسهم بكل اغتراراتهم وبكل افتراءاتهم وبكل مخادعاتهم وبكل تكذيبهم وبكل صَدهم عن سبيل الله وبكل ما عَمِلوا في الحياة، مهدوا لأنفسهم؛ (بِئْسَ الْمِهَادُ) -نعوذ بالله من غضب الله-.
هذه الحقائق، فلا تَغفل ولا تَذهل ولا تُخدع، هذه الحقائق التي يكلمك عنها الخالق: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ) -اللهم اجعلنا منهم- (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ) سَيُقدمونه، وأصبح لا يساوي شيء عندهم، كله حقير خذوه، ونجِّني من المصير هذا فقط، نجِّني من نتيجة تكذيبي وكُفري ومَعصيتي واجترائي على أنبياء ربي وعلى أوليائه، خذ هذا كله لا أريده، فقط خلِّصنا.
خذ النتيجة، لا يوجد خَلاص، لو أنه فعلا معك وتريد أن تقدمه ما تُقُبِل منك، (لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ) [المائدة:36]، (لَوْ أَنَّ) لكن ما هو لهم أصلًا؛ الأرض مُلكه -سبحانه وتعالى- استودعهم فيها فَتَراتٍ فاغتروا وعانَدوا وكَذبوا؛ والأرض أرضه والسماء سماؤه والدنيا له والآخرة له؛ (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [المائدة:120]، لو كان لهم فعلا مُلك لَسَلَّموه وقالوا نفتدي به مِن العذاب، ولكن لا يُقبل منهم، (مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) [المائدة:36-37].
هذه الحقائق يجب أن تكون نَصب العين وأمام الإحساس والمَشاعر، ما يَقطع الناس عن حقيقة الخيرات إلا بُعد هذا عن الحس، وتباعد وروده على الخاطر، ولو استشعروه على وجهه؛ لاستقاموا ولَصَلُحَ حالهم، يقولُ: (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ)، تَفتيش على كل صغير وكبير مِن دون مسامحة ولا عفو ولا مغفرة، (سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ).
تفسير قوله تعالى: (۞ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19))
(أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ):
كُل مَن لم يَعلَم الحق فيما بُعث به محمد؛ فهو أعمى ولو كان الفيلسوف الفُلاني والمُفَكِر الفلاني والرئيس الفلاني والمنظمة الفلانية:
تعاميت عن آياتنا ورسولنا واليوم هذه الحقيقة التي كنت عليها، يا مغترًا بفكرك القاصر، يامغترًّا بعقلك الضال، يا مغترًّا بعِلمك الناقص؛ خذها هذه نتيجتك (وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ * وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ) [طه:124-127].
اللهم أجرنا مِن عذاب الآخرة واجعلنا مِن الذين استجابوا لربهم، (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) -اللهم اجعلنا منهم- ومَنْ هم أصحاب العقول؟ من قال صعدتُ إلى القمر؟! أو من صنع أسلحة الدمار الشامل؟! هم أصحاب العقول هؤلاء؟!! لا والله ليس هُم، والله ليس هُم، والله ليس هُم.
مَن أرباب العقول؟ تأمل ربك يقول لك: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ..(22))، هَم هؤلاء، هُم هؤلاء أرباب العقول، هم الذين وَعوا وأدركوا الحقيقة، وتهيئوا للقاء رب الخليقة جلَّ جلاله.
اجعل مآلنا خيرا، اجعل مصيرنا خيرا، اللهم لَقِّنا نعم عقبى الدار، لقنا نعم عقبى الدار مع عبادك الأخيار، الأبرار يا كريم يا غفار، وفرج كروب الأمة في المشارق والمغارب وادفع البلايا والمصائب عنا وعنهم ظاهرًا وباطنا، يا مجيب الدعاء يا من لا يخيب الرجاء، ارزقنا كمال الإيمان والاتصال بالقرآن، وأسرار القرآن، والحياة على منهج القرآن، والوفاة على مسلك القرآن، واحشرنا يوم القيامة مع أهل القرآن، ومع من أنزلت عليه القرآن، وأنت راضٍ عنّا يارحمن، وأسكننا معه اعلى الجنان، واجعل ذلك من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب، ونعوذ بك من سُوءَ الْحِسَابِ، يا حي يا قيوم.
اللهم ومن حاسبته مِنّا أو من أهلينا أو أصحابنا أو طلابنا أو ذوي الحقوق علينا فاجعله حسابا يسيرا، ولقهِ جنة وحريرا، وخُلدًا ومُلكًا كبيرا، اللهم إنا نعوذ بك من سُوءَ الْحِسَابِ ونعوذ بك من سوء المآب ونعوذ بك من سوء المهاد ونعوذ بك من كل ما أحاط به علمك من السوء والشر يا كريم يا بر يا أكرم الأكرمين؛ فأعذنا ووالدينا وأهلينا والمسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي، اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وأصحابه
الفاتحة
08 صفَر 1443