تفسير سورة الرعد - 5 - من قوله تعالى: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ..)، الآية: 14

تفسير سورة الرعد، من قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ..}، الآية: 14
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى:

﷽

(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۩ (15) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • حقيقة التوحيد وبطلان ما يُدعى من دون الله.
  • ضرب المثل بـ(كَابَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ) وبيان السنن الإلهية.
  • ضلال دعاء الكافرين في الدنيا والآخرة.
  • خضوع الكائنات وسجودها طوعًا وكرها:
    • مكانة الصلاة وعظمة السجود.
  • مقارعة الإلحاد والشرك بالحجة العقلية والفطرية.

نص الدرس:

الحمد لله مُكرِمنا بالوحْي والتّنزيل، ومُبيّنه لنا على لسان عبْده خير هادٍ ودليل، مَن ختم به النبوّة سيّدنا محمّد -صلّى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحبه- خير جيل، وعلى من والاهم في الله واتّبعهم في القصد والنيّة والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمُرسَلين المُؤتَمَنين مِنْ قِبَلِ الحقِّ لهداية الخَلق إلى سواء السّبيل، وعلى آلهم وصحْبهم وتابعيهم والمَلائكة المُقَرّبين وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين

أمّا بعد،،

فإنّنا في جلسة التّأمل والتّدبر لخطاب ربّنا -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه- ووحْيه وتنزيله وتَعليمه في القُرآن الكريم انتهينا في سورة الرّعد إلى قوله -جلَّ جلاله: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14))، يُبيّن الحقّ -سبحانه وتعالى- لنا في هذه الآيات العَظيمات، الحقيقةَ الكبرى واليَقينيّة العُظمى التي يجب على كلِّ مَنْ أُوتيَ العقل والسّمع والبصر، مِنَ المُكَلّفين على ظهر الأرض أن يهتمّ بها، وأن يسعى خلف تحقُّقها والتحقُّقِ بها، وإدراك حقائقها: مَنْ خَلقهُ؟ ولماذا؟ وإلى أين يصير؟ وانفرادُ الخالق الواحد بإبداع الوجود وإبراز الكائنات وتكوينها، مِن دون شريك له -جلَّ جلالة-  في قليل ولا كثير، ولا صغير ولا كبير.

كما مرّ معنا في قوله: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ)، فلا تظن أنّ صاعقة تنزل صدفة، ولا بذاتها ولا بنفسها؛ فما مِنْ صاعقةٍ إلّا وهو مُرسِلها (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّه)، الآيات الكبيرة أمامهم ومع ذلك يُجادلون بالباطل، ويُعاندون ويُكابرون، والأشياءُ من حوالَيْهم تُناديهم: أنْ اخْضَعوا، أنْ اخشعوا، أنَّ الأمر خطرٌ عليكم.

 

 تفسير قوله تعالى: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14))

(وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ)، (لَهُ) -جلَّ جلاله- (دَعْوَةُ الْحَقِّ)؛ 

  • (دَعْوَةُ الْحَقِّ)، توحيده. 
  • (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ)، مجْلاها لا إله إلا الله. 
  • (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ)، فمن دَعاهُ والتجأ إليه، فقد دعا القادر الذي بيده ملكوت كل شيء.
  • (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ)، فهو داعي حقٍّ، للحقّّ فهو على الحقِّ. 

(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ)، وكلُّ من يُدْعَى من دون الله؛ بمختلف معاني هذه الدَّعْوة المُناهِضة والمُناقضِة لحال العبْد مع ربِّه -جلَّ جلاله-؛ سواءًا كانت:

  •  دعوةُ المشركين مِن الكفَّار لأصنامهم.
  • وغيرهم من الذين اتَّخذوا آلهة من شمس أو قمر، أو شجر أو بقر إلى غير ذلك. 
  • أو دعوةُ الذين يَدعون مَن سلَّموا زمامهم لهم ونسوا ربّهُم: 
    • وارتضوا في تسليم زمامهم لهم أن يجعلوهم محلّ الإله يَنْقَادون لأمرهم، لا يُبالون أوافق أمر الله أو لم يوافق؛ ويَنْزجرون عمّا زَجَروهُم عنه؛ سواء أن وافق نهْي الله أو لم يوافق.
    • هؤلاء أيضًا يَدْعون أولئك لِكَشْفِ إِشْكالاتهم أو بيان شيءٍ من أخبار وحقائق الوجود لهم، أو لإنالتِهم شيئا ممّا يقدرون عليه؛ علمًا، أو معرفةً، أو مكانةً، أو مالًا، أو مادّةً، أو وَساطةً إلى غير ذلك…

(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ)، (لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ) بمعنى أنّهم لا يُقدِّمون ولا يُؤَخِّرون إلّا ما قُدِّرَ أن يأتيَ لهم من قِبَل هذا الإله الذي خَلَق؛ وهم يشاهدون، مع ذلك كلِّه:

  • أنهم كم تُرْفَضُ طلباتهم.
  • وكم يُغْرَوْنَ بأشياء ثم بعد ذلك تُنْزَعُ عنهم.
  • أو يُصادفهم فيها هموم وغموم ومشاكل يَوَدُّونَ أنهم ما أخذوها، ولا تمسّكوا بها ولا طَلَبوها. 
  • إلى غير ذلك…

 (لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ) في الحقيقة إِلَّا حالُهُم -مع هذا كلِّه- (كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ)؛ يقول الحقُّ -جلَّ جلاله- في إدراك الحقيقة الغيْبيَّةِ، العِلمية الذوقيَّة، أضرب لكم مثلا مما رتَّبْتُ لكم في عالم الحسِّ؛ رتَّبتُ لكم في الشؤون الحسية المادية التي تشاهدونها وتحسّونها، وهي أمامكم لا تنكرونها، ولا تكابرون فيها. 

أمور حسيَّة، أضرب لكم مثلا من الحسِّ الذي عندكم؛ مَنْ بَسَطَ كفّه إلى الماء؛ إمَّا وقف على البئر والماء في أسفلها، ومدّ يده لأجل أن يَصِل إلى حاجةٍ وهي أن يُسْقى من العطش؛ فلا يستطيع أن يُسْقى حتى يبلغ الماء، فلأن الذي رتّب الرِّيَّ من العطش، على بلوغ هذا الجوهر من بقية الجواهر والمعادن الموجودة -وهو الماء- إلى الفم، مَنْ رتّب هذا؟ الله، أما تَسْتَبْدِلون هذا لأنكم تقدمتم وتطورتم، وقُلتم الرّيّ  بالإصبع!! إنسان متطوّر متحضِّر متقدّم يَرْوَى بإصبعهِ!! هل هذا ممكن؟ أو برجله؟! لا بدّ مِنْ أنْ يبلغ الفم ويمضي فيه حتى يصل. الله! 

هكذا رتّب سبحانه وتعالى هذا الرَّيّ -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، هذا الذي رتبه الترتيب الحسي الموجود عندكم لا يمكنكم أن تتجاوزوه، وإذا وقف أحدكم أمام الماء فبسط يده ومدّها، إمّا ليقبضه فلا ينقبض له منه شيء، أو مِن بعيد يشير إليه بيده، أو يرى خياله فيه، فيريد أن يَصِله فلا يَصِله، ويريد بشيء مِن هذه المحاولات أن يبلغ الماء إلى فيه، فهل يمكن؟! حتى يمشي مع ما قدَّر خالق الماء في كيفية وصوله إلى الفم، ويمشي تحت هذه السُنة والترتيب الذي رتبه حتى يصل، مِن دون هذا لا يمكن أن يصل. 

والذين يَدْعونَ مِن دون الله خالفوا الحقيقة، مثل الذي أراد أن يُخالف سُنة الله في هذا الشيء الحسي وأراد أن يَُوَصِّلَ الماء إلى الفم لكن ببسط الكفّ وبسط اليد؛ لا يُمكن أن يوصل شيئًا واليد مبسوطة إلى الفم على ذلك البعد حتى يكون نوعا من الضّم الذي رتبه الله أو الإناء والكأس الذي خَلَقَهُ الله تبارك وتعالى إلى غير ذلك. 

وهذا الذي يبسط يده (إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ)؛ وكذلك مَن يعتمد على غير الله ويستند إلى سوى الله جلَّ جلاله في شؤونه وأحواله فيما يرجوه أو فيما يخافه لجلب نفع أو دفع ضر، يظن أنه يصل إلى مقصوده؛ فلن يصل إلى حقائق ذلك القصد ولن يكون إلا ما أشار إليه ﷺ في الحديث الصحيح:  "واعلم أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمعت على أن ينفعوكَ بشيءٍ ، لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروكَ بشيءٍ ، لم يضروكَ بشيءٍ إلا قد كتبه اللهُ عليكَ ، جَفَّتِ الأقلامُ ورُفِعَتِ الصُّحُفُ". 

(كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14))، (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ)؛ دُعاؤهم، دَعوَتُهُم إلى الإنصراف عن الحق أو إلى التكذيب به أو إلى إنكار وجوده أو إلى الطلب من غَيره -جلَّ جلاله- (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14))، هذا دعاؤهم، وكلّ ما دعوْا به غيره جلَّ جلاله لينقذهم؛ لأن ما يطلبه الإنسان مِن حقائق سعادة أو طمانينة أو أمن أو سكينة؛ لا يملكه غير الله ليعطيه إيّاه، فمهما طلبوه من غيره فهو ضلال باطل؛ لا يمكن أن يَحصُلَ به حقيقة المقصود.

ولقد جاء في صورة الأخنس بن شُريق، إبليس عدُوُّ الله وجاءنا في الأحاديث الصحيحة ونزلت فيه الآية وتَصَوَّرَ لجماعته تأمينًا وتطمينًا أنه معهم: أنا رئيس القبيلة التي تخافون منها، ونحن معكم (لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ) [الأنفال: 48]، ومشى معهم إلى بدر حتى لما وصلوا، رأى نزول جبريل عليه السلام بملائكة اضطرب وفرَّ هاربًا:

  • (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، (إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ). 
  • و لم يكن هؤلاء الإنس يَرَوْنَ الملائكة ولا يروْنَ جبريل، ورآه إبليس؛ (إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ)؛ هكذا شأن هذا الباطل والضلال، استندوا إلى هذا الشخص الذي أمامهم، وظنوا أنه معهم ولمّا كان في وقت الشدّة انتهى. 
  • وهذا مثال يضربه الله -تبارك وتعالى- لنا: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّهَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال:48-49]. 

يقول جلَّ جلاله: (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14)): 

  • أمّا في عالَم الدنيا؛ دَعواتهم التي يَدعونَها مِن كلّ ما ناقضَ دعوة الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- وما يَرتَجونه،  ويَطلبونه، ويُؤَمِّلون فيه من غير الله؛ ضلال، وما يَدعُون الله به؛ هم كفّار. 
  • أمّا في الدّنيا فعامّتُه وغالبُه أيضًا في الضّلال؛ لعدم قبوله عند الله منهم، وقد يستجيب لأحدهم خصوصًا إذا كان مظلوما، "اتَّقوا دعوةَ المظلومِ، وإن كان كافرا"، وهذا إلى حين نزول الأجل. 

فإذا طلبوا في الآخرة تخفيف عذابٍ أو إخراجٍ من نارٍ، حُكِمَ عليهم بالبقاء فيها لم يَصِلْ دعاؤهم -ولو للإله-؛ إلا مردودًا عليهم، لا قبول لهُ؛ لأنهم جاءتهم الحُجَّة والإنذار، فلم يُبالوا ورفضوا وعاندوا: 

  • فالآن ما ينفع منهم دعاء ولو دَعَوا الحقّ القادر القوّي الذي دُعُوا لِأَنْ يَدْعُوه في عالَم الدّنيا فأبوْا، ودَعَوْا غيره. 
  • فالآن لا يستجيب لهم كما قال سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۚ قَالُوا فَادْعُوا) [غافر:49-50]. 

أنتم إذًا أُدْعوا، أنتم الذين عاندتم، وضيّعتم الفرصة؛ ووجب عليكم اليوم العذاب، فلا مُنقذ لكم ولا مُخرج، فادْعوه (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14))،هكذا يبيّن الله الحقائق.

(له دعوة الحق)، اللهم ثبّتنا على الحقّ في ما نقول، ولا ندعو إلّا بدعْوَتك، ولا ندعو معتمدين مستندين إلا عليك يا حيّ يا قيّوم، قال: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14)) يقول جلَّ جلاله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، (يَسْجُدُ): يخضع، ويتذلّل، ويخشع (مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). 

 

 تفسير قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۩ (15))

(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)، (طَوْعًا وَكَرْهًا) ماذا؟ (طَوْعًا وَكَرْهًا) كيف؟ (طَوْعًا وَكَرْهًا): 

  • المؤمنون مِن الملائكة والنبيين وجميع المؤمنين، يسجدون لله رغبةً، ومحبةً، وطوعًا؛ موقنين أنه إلاهُهُمْ فيخضعون له، ويخشعون ويسجدون، فإذا سجدوا لله تبارك وتعالى رغبة ومحبة، وإقرارًا بالحقيقة والواقع، وعبوديةً لهذا الإله، وتعظيمًا له؛ حلَّ السجود في قلوبهم وسجدت أعضاؤهم، وآثارهم وظِلالُهم طوعًا.
  • والكفّارُ والمنافقونَ والمعاندون، هي قلوبهم التي تأبى السجود لهذا الإله -سبحانه وتعالى- بما أعطاهم الله مِن اختيار؛ فبهذا المقدار الذي أعطاهم الحقّ من الإختيار؛ أبوْا السُّجود ورفضوا الله، ثم بعد ذلك هم فوق أرضه وتحت سمائه، محكومٌ عليهم سُنّتهُ وتقديرهم؛ فهُمْ كَرْهًا ساجدون، وكلّما عاندوا أنبياؤه خذلهم، وجعل النُّصْرة لأنبيائه؛ فهم ساجدون. 

وكلُّ واحدٍ منهم، وقت ميلاده كان ساجدًا فيه؛ لم يختره، ولونه هو ساجد فيه لله؛ من الذي لوَّنك بهذا اللون؟ وشكله وتصويره ساجد فيه لله؛ مَن الذي صوَّرك؟ الله .. الله .. الله، وهيأتُه وكيْفِيَّته هو ساجد فيها، ذَكرْنا مَثَلٌ: أنَّ الله جعل الرَّيَّ من الظَّمَأ بطريقِ وصولِ الماءِ إلى الفم، فما يجدون طريقًا غير هذا؟ صحيحًا ولا سليمًا للرَّيّ، نعم، بعد ذلك يقول: 

  • هو في اختيار أُمّه وأبيه ساجدٌ، لم يختر أمّه ولا أبيه وهو ساجدٌ كُرها .. الله، 
  • هو في حاجته إلى هذا الهواء ونوع الأكسجين؛ ساجدٌ، لا يستطيع أن يستغني عنه، ولا يستطيع حتى أنْ يُحوِّلَ كيْفِيَّةَ الاسْتنشاق له من الأنف، ولا يقدر أن يعمل له طريق ثاني!! يا الله! 

ساجدين؛ ألا تراهم ساجدين؟ لكن (كَرْهًا)؛ لا ينفعهم هذا السجود؛ (كَرْهًا) لقلوبهم المُتأبِّيَة، المعاندة المكابِرة؛ يخالفون بها الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- وما جاؤوا به عن الله -جلَّ جلاله-؛ فهم (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [البقرة:15]، ثم يُلاقون الجزاء لذلك فَيُريدون السجود في الآخرة ، أي التعبير عن هذا الخضوع الكُرهيّ بصورة طوْعيّة فلا يستطيعون، لذلك يقول: قد كنّا مكّناكم من السجود الطّوْعي فأبيْتم، فاليوم لا نمكّنكم أن تسجدوا طوعًا كما لم ترْتَضوا أن تسجدوا لنا طَوْعًا؛ (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) [القلم:42-43]، أعْطيْناهم الكيْفيّة التي يعبِّرون بها عن السجود طوْعا فأبوْا؛ فاليوم تتحوّل ظُهورُهُم ورُؤوسهم كالصحيفة الواحدة كأنها خشبة أو عمود، لا يستطيعون السجود أصلًا. 

فيسجد المؤمنون الذين كانوا قد سجدوا طوعًا في الدّنيا، ويبقى الكفّار مكانَهم، يريدون أن يعبّروا عن السجود فلا يستطيعون السجود، (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) يعني يظهر الهوْل! يظهر الهول والشِّدَّة والعذاب والعظمة للإله (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ)،  يريد يسجد .. يريد يسجد؛ لايقدر يحرّك رأسهُ ولا ظهْرهُ ولا ذرّة من الحرَكة؛ مكانه، (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ ) -في الدنيا- (وَهُمْ سَالِمُونَ * فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ) -يقول صاحب القوة والقدرة- (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [القلم:43-45].

(طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم)؛  (وَظِلَالُهُم) ساجدٌ لنا .. (ظِلَالُهُم): 

  • سواءٌ كان الظلّ الذي يظهر أو آثارهم التي تَنْتُجُ عنهم فإنها (ظِلَالُهُم)
  • آثارهم وأعضاؤهم وأحوالهم ساجدة لله -تبارك وتعالى- مِن حيث رَكَّبها، ومن حيث دَبَّرَها، ومن حيث صَوَّرها؛ ساجدةٌ لله

(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) والذي في السماوات والأرض طائعةٌ لربّها -جلَّ جلاله- خاضعةٌ،(طَوْعًا وَكَرْهًا). 

قال تعالى: (وَظِلَالُهُم)؛ ساجدة (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)؛ أي هذا الوقت الذي يَظهَر الظّلُّ فيه كثيرا لكم، هي ساجدة، والمعنى أنه في مختلف الأوقات والأحوال هم كُرها ساجدون، هؤلاء طوعًا وهؤلاء كُرهًا؛ فَخيرُ أحوال المُكَلّف مِن الإنس والجنّ أن يتحقّق بالسّجود لمن خَلَقه "وأقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد"

ولذا لَمّا كانت الصلوات الخمس فيها: عظمة السّجود للرّبّ، وسرّ السّجود بالتّذلّل، ووَضْعُ الجِباه؛ مِن المستطيعين القادرين؛ على ممرّ الأيام على الأرض خضوعا لله؛ كانت عماد الدّين، وكان تارك الصّلاة كأنّه يقول: لا أخضع لك ولا أسجد لك؛ فبذا :

  • كان معاندًا؛ وقال بكُفره مَن قال في خطر التّهاون بالصّلاة وترك الصّلاة.
  •  بل تأخير الصّلاة عن وقتها -الذي هو السّهو- الذي قال الله عنه: ( فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ  عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) [الماعون:3-4]، يغْفلونَ عنها، يُؤَخِّرونها عن أوقاتها؛ لهم الويل، فكيف مَن ترك الصلاة من أصلها؟

 

تفسير قوله تعالى: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16))

يقول تعالى: (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۩ (15) قُلْ)، خَاِطبْ كُلَّ مَنْ يَعْقِلْ مِنْ هؤلاء الّذين أرْسلناك إليهم، عَربًا وعَجمًا: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟ 

(قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟ 

قل لهم: (مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟! (مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟! إن لم تعرفوا هذه القضية؛ هل ينفعك أنك صنعْت تكنولوجيا؟ هل ينفعك أنك ذهبت إلى قمر أو مرّيخ؟ ما عَلِمْتَ مَن الذي خلق السماوات والأرض يا جاهل!! مَن الّذي خلق السماوات والأرض؟ قل لهم من ربّ السّماوات والأرض؟ 

(قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟ 

وهذا أمرٌ هُمْ أيضا ما يقدرون يحاجّون فيه؛ حتى المشركين يقولون: الله، ودَعْكَ مِنْ هؤلاء الّذين يقولون لا إله! فقل لهم: فَمَنْ إذًا؟  فَكيف؟ هاتوا لنا الجواب الصّحيح! هاتوا لنا جواب!! أنتم علْميّين عقلانيّين، هاتوا لي جواب عقلي علمي، سَأسْمعُه منْكَ سَأعْرف .. كيف تكوّنت الأرض؟ ماذا يَقدرون أن يقولون؟ هؤلاء أقلّ من البقر،هؤلاء الملحِدون! يُنكرون وجود الإله الخالِق.

لو جِئْتَ تقول له: الجوّال صنع نفسه؛ سيعمل  لك مشكلة، ويقول لك أنت مجنون، عندك ما هو أكبر من الجوّال الآن! سماوات وأرض وما فيها تكوّنت عند عقليّتك مِن نفسها؟! أنت ما الذي حصل لك؟ مجنون من المجانين إذًا؟؟ ما رضيت على قَلم صنع نفسه، ما ترضى، هذا لم تصنعه شركة، ولا أيّ أحد، ولا إنسان، ولا جن… من نفسه كان؛ جاء الى عندي هذه الساعة من نفسه، ماذا؟! ماذا؟! ما الذي أنت تقول يا أخبل؟ تقول: سماء ما لها خالق! وأرض ما لها خالق! مجنون؟  قلم! لم يدخل في عقلك أنه جاء من نفسه! كيف العقل هذا؟

(قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟ 

قل لهم: (مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟ قل لهم  القانون الذي لا يستطيعون غيره؛ (قُلِ اللَّهُ)، إذا كان كذلك، فلم تتّخذون (مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا)، إذا هو الربّ الّذي خلق، فلِمَ الإلتفات إلى غيره، والإعتماد على غيره، ومناقضة أمره ودينه بالإعتماد على من سواه؟! (أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ)؟

  • (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ)؟ 
    • مَن عَرف خالِق السماوات والأرض؛ هو البصير، ومن لم يعرف؛ فهو الأعمى، هل يستوُون؟! أعمى وبصير ما يستوُون…
  • (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ)؟ 
    • الهدى، والحقّ، والتّقوى، والفضائل هل تستوي مع الضّلال، والباطل، والكفر، والفسوق، والظلم، والفجور؟؟ هل يستوي هذا مع هذا؟ 

(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا)، أو هناك مشكلة أصلًا موجودة نحلّها لكم؟، (جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ): 

  • يعني هذه السماوات والأرض التي أمامنا والمبسوطات: بعضُها الله خلقها وبعضُها أصحابهم؟!! آلهتهم هم خلقوها!! وتشابهت عليهم، والآن وقعوا في مشكلة!: لا يوجد. 
  • إذا كان لا يوجد أصلًا، (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) [الأحقاف:4]؟؟ أنا أريد أعرف العِلم المتطوّرالذي عندكم، أيّ قارّات الأرض هو الّذي تفرّد بخلْقها أو الّذي كَوَّنَها؟ .. 

أُتْرُكْ عنك قارّة، دولة؛ أُتْرُكْ عنك دولة، مدينة؛ أُتْرُكْ عنك مدينة، قرية؛ نريد نعرف مَن الّذي كوَّنَ قريةً واحدةً من القُرى غير الله؟ قِطعةٌ، ذراعٌ مِن بَرٍّ أو بحرٍ كوَّنه غير الله، هل يوجد؟ .. هل يوجد؟ .. لايوجد. 

(أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ)، قالوا نحن ما عرفنا!  هذا خلَقَ؟ وهذا خلَقَ وكلهم يستحقون العبادة، والان ما نعرف مَنْ نَعبُد.

  • أصلًا ما وَجدْتُم شيئا خَلَقهُ غيرُه؛ (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)). 
  • فَحُقَّ لكم أن تخْضعوا لجلاله، وأنْ تُقْبِلوا عليه، وأن تتهيَّأوا لِلِقائه؛ فهذه هي الحقيقة التي يُخاطِب بها الأنبياء، ثم أتباعهم مِن أهل الصدق.

 جعلنا الله وإيّاكم مِن أتباعهم من أهل الصدق، يخاطِبون بها أصناف الكفّار في شرقِ الأرضِ وغربها: (مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟ (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ)؟.

انقذوا أنفسكم، فإنّنا أمام مصيرٍ كلّنا نصير إليه: 

  • فلا نجد بعد ذلك المصير إلا ما قرَّرَه، وحدَّثنا عنه مُوجِدُ الواقِع الّذي نحن فيه، ومُوجِدُ الحالِ الّذي نحن فيه، ومُوجِدُ الكَوْنِ الّذي نعيش فيه. 
  • لن يصير بعد انقطاعنا عن هذه المظاهر إلّا ما قال هُوَ -المُكَوّن جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. 

فبهذا صار الإنذار على ألْسُنِ الأنبياءِ لعبادِ الله والتّبشير: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) [الأحزاب:45-46].

اجعلنا من أهل دعْوَة الحقّ، وثبّتنا على الحقّ فيما نقول وفيما نفعل وفيما نعتقد برحمتك ياأرحم الرّاحمين، بارك الله في إخواننا الذين تَكلّموا وسمعتم حديثهم وكلامهم، وزادهم توفيقا، واجَعَلَنَا وإيّاهم أعْوانا على دَعْوة الحقِّ، ونُصْرة الحقّ، وإحْقاقِ الحقِّ وإبْطالِ الباطل بكلّ ما أُوتينا من قوّةٍ سجودًا لله وخضوعًا، وتهيُّئا لِلِقائه جلَّ جلاله: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) [الإنشقاق:6] بعد ذلك، فاجْعل لِقاءنا يارب وأنت راضٍ عنَّا، نُحبُّ لقاءكَ وأنتَ تُحبُّ لِقاءنا؛ وتولَّنا بما أنتَ أهلُهُ في الحسِّ والمعنى، ظاهرًا وباطنًا يا أرحم الرّاحمين ويا أكرم الأكرمين.

بسر الفاتحة

 إلى حضرة النبي محمّد اللهم صلِّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه

 الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

30 مُحرَّم 1443

تاريخ النشر الميلادي

07 سبتمبر 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام