تفسير سورة الرعد - 4 - من قوله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ..)، الآية: 11

تفسير سورة الرعد، من قوله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ..)، الآية: 11
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى: 

﷽

(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11)  هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • عظمة الوحي وتدبر القرآن.
  • إحاطة علم الله بالسر والجهر والموجودات والمعدومات.
  • المعقبات والحفظ الإلهي للإنسان.
  • سنة الله في التغيير ومردّ أمره.
  • مظاهر القدرة الإلهية: البرق، الرعد، والسحاب الثقال.
  • عاقبة المجادلين في الله ومثل من يدعو غيره.
  • الأذكار عند سماع الرعد ورؤية البرق ودعاء الختام.

نص الدرس:

الله.. لا إله إلَّا الله.. الحمد لله مٌكرمنا بالوحي والتنزيل، وبيانه على لسان خير هادٍ ودليل، عبده المصطفى سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه خيرِ جيل، وعلى مَن والاهم في الله واتبعهم بإحسانٍ في النية والقصد، والفعل والقِيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل التفضيل والتكريم والتبجيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.

 أما بعد،،

 فإنَّنا في نعمة تأمّل كلام ربنا -جلَّ جلاله- وتدبُّر ما فيه، والإصغاء إلى تعليمه وإرشاده، وبيانه على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. مررنا على قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10))، يستوي في علمه واطِّلاعه، وهو عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

  • (سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ)، فما يُسِرّه الإنسان في باطنه أو يُظهره على لسانه فيجهر به ويعلنه هو في علم الله سواء، (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ) [البقرة:284] جلَّ جلاله.
  • (سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ)، في ظلماته (وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) بارزٌ ظاهر في الطرق يمشي في سِربه في طريقه؛ لا فرق بين هذا وهذا، الكل في علم الله -سبحانه وتعالى- سواء: 
    • (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [هود:5]. 

فسبحان عالم الغيب والشهادة، الموجودات والمعْدومات عنده سَوَاء:

  • والمعدومات ما يمكن أن يُوجَد منها، وما لا يمكن أن يوجَد، وما الذي سيوجَد مما يمكن أن يُوجَد، وما الذي لن يوجَد؟
  • والموجودات منها ما يقبلُ العدم، وما لا يقبلُ العدم، وما الذي يُمكن أن يقبلَ العدم، فماذا يُعدِمهُ مما يُمكن أن يقبل العدم؟

ولكل واحد معاني في ذاته ونفسه، وشؤونه وأحواله وأحْيازه، ودلالاته لا نهاية لها، والحق هو الذي (أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12]، وليس هذا العلم على هذا الوجه إلَّا له وحدَه -جلَّ جلاله-.

 يقول سبحانه وتعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10)): 

  • استوَوا في علمه فهو المحيط علمه بكل شيء، (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255].
  • والذي شاء أن يُعلِّمهم إيَّاه يَعْلمونه من أوجه ويغيب عنهم ما فيه من أوجه كثيرة. 

وهكذا لا يزال الإنسان في حد ذاته؛ (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذاريات:21]، مع الدلالات الواضحة على عظمة المُكوِّن المُنشئ، لا يزال ما علِموا فيه أشياء، فقد جهلوا فيه أشياء؛ عينه، أو سمعه، أو بصره، أو خلاياه، وما إلى ذلك. 

ولهذا سواء أهل العلم التشريحِ منهم، أو أهل العلم الطبي لا يستغنون عن مُواصلة التجارب والاستنتاجات؛ إذًا فهم حتى فيما عَلِموه قاصرٌعلْمُهم، ولا يستوعبون كل شيء فيما عَلِموه، فكيف فيما جهلوه؟! هذا علم الخلق، وكذلك يجب أن يكون تحت دائرة حقيقة: (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:85].

إلَّا أنّ من العلم ما يَشْرُفُ العالم به، وذلك على العلم بالله وصفاته، وعظمته، وفَّر الله حظنا من هذا العلم النافع الرافع الذي يرفعُ اللهُ أصحابه إلى الدرجات العلى، (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11].

 

تفسير قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11))

يقول -سبحانه وتعالى-: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ)؛ لهذا الإنسان المُسارب بالليل، المُستخلف بالنهار، المُسِر والجاهر بالقول؛ (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ) يأمرهم الله -تبارك وتعالى- يتعاقبون عليه. 

وحكى لنا من حقيقة خَلقنا وإيجادنا، أننا في هذا الوجود نعيش في هذه الأجناس التي خلقها لنا ونحن أيضًا مضطرون إلى حمايةٍ، مما لا نرى من كثير من الأجناس الحيّة الموجودة معنا: 

  • ومنهم الجان على سبيل المثال.
  • ومنهم ما يخرج عن سيطرتنا من حيوانات وحشرات ودواب مختلفة وحيات وعقارب. 

نَبِيتُ وهي ساكنة بيننا، قد تكون في نفس المكان أو نفس البيت أو بجوارك وأنت تنام لا تستطيع وقت النوم أن تحفظ عينك ولا أذنك ولا فمك؛ وقد تفتحه فتحًا ولا يأتي منها شيء فيلِج إليه! لمَ؟ 

وعندك جان كثير أكثر عدد منا، وما نراهم (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) [الأعراف:27]، ويمكنهم أن يضحكوا عليك في كل خطوة وكل حركة ويدقّك من هنا ويأتيك ويلعب بك كذا، وبعد ذلك! ماذا تستطيع أن تفعل؟ لاتراه! وتتفاجأ بلطمة من هنا وضربة واحدة من ورائك من هذا؟! -ممنوع- من الذي حماك؟

(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ)، ما فيهم عُتاة ما فيهم مجانين ما فيهم طغاة، لكن من الذي يمنعهم؟ ونعيش آمنين، مطمئنين، مستقرين على ظهر الأرض. من أين هذا؟ أوهل يرسل إليهم مجلس الأمن تعليماته؟!!

الله -لا إله إلَّا الله.. لا إله إلَّا الله.. لا إله إلَّا الله-.

  • (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ)، يعقب بعضهم بعضا.
  • (مُعَقِّبَاتٌ): ملائكة، يُرسلهم يتعاقبون. 

قال ﷺ: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، يجتمعون عند الفجر وعند العصر"، فبالنسبة للمصلين في الجماعة، يحضرون معهم صلاة الفجر جماعة؛ فتصعد ملائكة الليل وتبقى ملائكة النهار إلى صلاة العصر، فبالنسبة لهؤلاء المُحافظين على الجماعة، لمَّا يسأل الله الراجعين من الملائكة، كيف وجدتم عبادي؟ يقولون: أتيناهم وهم يُصلّون وتركناهم وهم يُصلّون،

ولكن ما خبر النائمين عن الفجر؟! وما خبر التاركين لصلاة العصر؟! تتركهم الملائكة غير مُصلين تأتيهم فلهم خبر آخر، لكن خبر هؤلاء الذين يحافظون على الجماعة، يقولون: يا رب هؤلاء أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون، فتكون شهادة الملائكة عند ربهم استِرحامًا لهؤلاء العباد واستِجداءاً لهم، من فائض فضل الكريم الجواد -جلَّ جلاله- أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون.

يقول: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ)، جاء في مسند الإمام أحمد والترمذي؛ أن سيدنا عثمان سأل النبي عمن يصحب الإنسان من الملائكة:

  • قال عن يمينه وعن شماله ملكان.
  • وأمامه وخلفه ملكان.
  • وعلى رأسه ملَك؛ إن تواضع رفعه، وإن تكبَّر وضعه. 
  • وعلى شفتيه ملَك.

فذكر عشرة من الملائكة يصاحبون ابن آدم؛ في الليل وفي النهار: 

  • معقبات: يعقُب هذا هذا وهذا.
  • (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ)، وقال في الآية الأخرى: (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) [الأنعام:61].

(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، أي بأمر الله، فإذا أراد بالعبد شيء، أمر الملائكة وحيًا؛ أن تخلّوا عنه للحيّة الفلانية، تخلّوا عنه للعقرب الفلاني، تخلُّوا عنه للعدو الفلاني، تخلُّوا عنه للأمر الفلاني ليصيبه، فيتخلّون عنه، الأمر أمره جلَّ جلاله. 

وهكذا حتى قال بعضهم: كنا جالسين في أيام صِفِّين قالوا: وإذا بسيدنا علي يمشي وحده، جاء وقد اختلط الظلام بالليل،   ذهب ضوء النهار وبدأ الظلام وإذا به على عُكّاز يمشي ويعرفه بعضهم قال: أأمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: وهكذا تمشي وحدك، وما تخاف أن يغتالوك ولا أن يعملوا؟! قال إن بين يدي كل مؤمن ملَك، وبين يدي كل إنسان ملَك، من بين يديه ومن خلفه فلا يحصُل له شيء حتى يأتي قَدَرُ الله؛ فيتخلَّون عنه، إذا جاء القدر لا ينفع حرس ولا غيرهم ، وإذا ما هناك شيء ما يقدِر أحد على أن يصيبك بشيء. 

(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) -أي بأمر الله جلّ جلاله- (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ):

  • فإذا أنعم على قومٍ بنعمة ظاهرة، أو باطنة فإنه يُديمها عليهم حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم؛ بالجحدِ بهذه النعمة والمعصية بها فيتغير حالهم.
  • وإذا كانوا على حال سيء من المعاصي والذنوب وأحوالهم صعبة فتابوا وأنابوا إليه وأقاموا طاعتهم؛ يُغيِّر حالهم إلى الحال الحسن.

فهذه سنّته مع خلقه -سبحانه وتعالى- (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأعراف:96]. 

وهكذا يقول جلَّ جلاله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)، أي جعل أسباب التحويل من حال إلى حال: 

  • تحوُّلهم من طاعة إلى معصية، فيتحوَّلون من حال حسَن إلى حال سيء. 
  • أو من معصية إلى طاعة، فيتحولون من حال سيء إلى حال حسن. 

(أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ) [النمل:62]، لا إله إلَّا الله.

قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)؛ ولهذا قل للذين يريدون التغيير إلى الأحسن في شيء من أحوالهم: 

  • هذه سُنَّة الله في تغيير الأحوال، أما أن  تعمل مظاهرات تعمل ثورات، تنتقل إلى مشاكل تقول: يا ليت من قبل، الوضع الأول أحسن، أنت تريد وتطلب التغيير من أين؟ من عند مَن؟ الله!.
  • الله ما يغيُّر ما بك حتى تُغيِّر ما بنفسك؛ تُب إليه وارجع إليه وأقِم أمره، ترى ماذا يفعل لك: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ) [طه:123]، كما قال جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

وهكذا،  فالذين يَطلُبون التغيير من دون أن يَأخذوا ميزان القدير في تغيير ما بأنفسهم  فَهُم يُحاولون مَحالاً (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ).

(وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ)، لا يُمكن لأحدٍ أن يَرُدَّه، إن أرادَ بهم مَرضًا، أو أَرادَ بهم هَلاكًا، أَو أَرادَ بهم فَقرًا، أو أرادَ بهم عَمَىً، أو أرادَ بهم ضُرَّا يَنزل بهم، أو أرادَ بهم وَباءًا. 

(وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ) -سبحانه وتعالى- (مِن وَالٍ (11))، مَن يَتَولى أمرهم ويُنقذهم، فليطلبوا الخلاصَ والإنقاذ من عِندِ مَن بيده الأمر -إذا عَقَلوا- هكذا يقول جلَّ جلاله: (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ)؛ لا تُغنيهم بعد ذلك؛ لا أسلحتهم، ولا حُصونهم ولا استِعداداتهم، ولا أجهزتهم ولا ماعندهم. 

إذا أرادَ بأحد سوء يأتيه؛ أراد له مَغصَةً في بطنه تَدخُل إلى عنده؛ حَرَس ما ينفع، قوة ما تنفع، قصر ما ينفع، طائرة ما تنفع، مَغصة مَغصة، صَدعة في رأسه صَدعه، أراد قَتْلة لَهُ -في أَعز مَكان وأحرى مكان- يُقتَل.

نَحنُ في عُمرنا القَصير وَجَدنا بَعض رؤساء الدول في استعراض القوى العَسكرية الكبيرة، قُتِل وهو رئيس الدولة، ورأينا بعض الأمراء بيد الحارس الذي يعتَمِد عليه،  خُدِع أو قُتِل.

(وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ)؛ لا حارس ولا قُوى ولا حِراسة ولا استِعراض عسكري، إذا يُريدَك بسوء يأتيك، -لا إلٰه إلَّا الله-، المُلك مُلكه، ولا مُلك في الحقيقة لِسِواه.

قال: (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11))، وفي تَهديداتِ بَعض أَهل الصراعات على مَظاهرالأرض وهم بطريقة تَفكيرِهم، لكن لله سبحانه في كل شيءٍ حِكمة، وبِطَريقَتهم واسلوبهم يرسلون تهديد لِمسؤول مُعَين، وأنّ قَتلك في اليوم الفُلاني، في الساعة الفُلانية، يُحَدِّدون له، فقد يُخطِئون وقد يُصيبون، ولكن بِتَرتيباتٍ سَبَبِية يُقَيمونها من الأسباب، وإذا بأحدِهم وقد هُدِّد وحُدِّدت له الساعة يأتي إلى مَكتبه الخاص وعِنده الحارس الخاص والحَرَس من ورائه في الساعة التي يُحَدِّدونها، ويقول: هل أحد جاء؟ 

يقول الحارس: باقي عشر دقائق، هل جاء أحد؟ ما أحد جاء ، لكن باقي عشر دقائق، ثم أكمل العشر دقائق وقال: خُذ، ضَرَبه بِنفسه، حارِسُه قَتله في الساعة المحددة لا إلٰه إلَّا الله.

أنت تَطلب الحياة مِن عند غير المُحيي! أو الموت من عِند غير المُميت؟!، يُحيي ويُميت (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك:2]، فلا بُدَّ من أن تَرتَفع مَعنوياتنا وثِقَتُنا وحَقائق إيماننا بالحق الحي القيوم و نُوقِن.

 أعلم أن "ما أخطأكَ لم يكن لِيُصيبَك وما أصابكَ لم يَكـن لِيُخطِئك، واعلم أن النصرَ مع الصبر وأن الفَرجَ مع الكربِ وأن مع العُسر يسر، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كَتَبهُ الله لك، ولو اجتمعوا على أن يَضروكَ لم يَضّروكَ إلَّا بشيءٍ قد كَتَبه الله عليك رُفِعت الأقلام وجَفَّت الصُحف" -صدق الله وصدق رسوله-، فارزقنا يا رب قوة الإيمان وقوة اليقين والصدق وجنّبنا الآفات والبلايا في الدنيا والآخرة في الظواهر والخفايا. 

 

  تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12))

(فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا)، وهذا اللّمعان الذي تَرونَه في السحابِ في السماء من أين يصدر؟ وبأمر مَن؟ وتحت تَقدير وتَرتيب وتَدبير مَن؟ 

(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا): 

  • يَخافُ منه، مَن يَخافُ أن يكون فيه صاعقة. 
  • يَخافُ فيه، مَن يَخافُ أن ينزلَ مطرٌ يُغرِقُه. 
  • يَخافُ فيه، مَن يخاف من هذا البرق. 

(وَطَمَعًا)، يَطمع مَن يطمع فيه أن يَسقي أرضه وأن يُحَوّل جذبه إلى خِصب، (خَوْفًا وَطَمَعًا)، وهو بشيء واحد يرحم ويُعَذّب، بشيء واحد، يَنزِل المَطر في وقته على هَيئَته إلى أماكنه فتكون رحمة، يُنزِله في غير وقته ويُنزله بكميّة ما يُطيقَها المكان أو أهله يُخَرِّب بها ديار، ويكسر أو يغرق بها الناس وهو نفسه عذاب، يُعَذّب بالمَطر، يرحم بالمطر، جلّ القوي.

إذًا فلا الرحمةُ في مَطَرٍ ولا كل السوء في جَدب، ولكن الله يرحم مَن يشاء ويعذب مَن يشاء، اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة.

(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12)):

  •  (السَّحَابَ): جمع سَحابة، الواحدة سحابة والجمع سَحاب. 
  • (وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ)، بالمياة الغَزيرة الكبيرة الكثيرة ،التي تملأُ ساحات الأرض وتُجري سيولًا.

 

 تفسير قوله تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13))

(وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ):

  • (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) إما اسمٌ للمَلَك، (الرَّعْدُ) المَلك المُوَكّل بشأن هذه الحوادث المُتعلقة بالسحاب، 
  • (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ)، أو نَفسُ الرعدِ وهذا الصوت صوتُ تَسبيحٍ للحق؛ لأنه يُسَبّح بحمده كلَ شَيء.

(وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ)، بحمد الله تعالى، (وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ)؛ يُسبِحون من خَشية الجبار الأعلى هيبةً وتَعظيمًا لِحَضرة الله، إذ قد عَرَفوا من جلاله ما لا يَعرِفه غَيرُهم فَهُم أهل الخَشية.

(وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ)،

(وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ) هذا الترتيب في الكون كله، وهذه الآيات، وهم يُجادِلونَ في الله! يُنكِرون وجوده، يَنسِبون إليه ما هو مُنَزهٌ عنه، يَتَجَرَأون على رُسله، يَتَجَرَأون على كُتُبه.

(وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13)) شديدُ الأخذِ إذا أَخذ، (شَدِيدُ الْمِحَالِ) المَكر والأخذ بقوة من حيث لا يَشعُرون، يأخُذهم من حيث لا يخطُر على بالهم، كيف يأخذهم ويُنهيهم، (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) جلّ جلاله وتعالى في عُلاه. 

هو الذي أدخل الحَشرة إلى أنفِ، أو أُذنِ النمرود، وهو الذي أغرق فِرعَون، وهو الذي أَرسلَ الرياح على عاد قومِ هود، وهو -جلَّ جلاله- (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ).

(وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ)، وهكذا كان من بعض أولئك في الزمن النبوي يَتَكلم ويَتَجَرّأ على الحَق -جلَّ جلاله- وشَكَوه للنبي، قال:اذهبوا فادعوه، ذهبوا، وقالوا: رسول الله؛ قال: من هذا الله؟ من ذهب؟ من فضة؟ اقشعرّوا من كلامه، قال رسول الله ما أعَتاه؟! ثاني مرة ادعوه، ذهبوا يدعونه وتكلم به، قالوا: يارَسولَ الله أتى بكلام أشد، قال: ادعوه ثالث مرة ، ذهبوا يَدعونه، وإذا بسحابة فوق وهو يَتَكلّم وانقضّت منها صاعقة وأخذت قَحف رأسه وسقط مكانه، وأنزل الله على نبيه: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ).

 

 تفسير قوله تعالى: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14))

حتى تَلَقّاهم بَعض الصحابة لما جَاءوا، قالوا: هَلَك صاحبكم؟ نَزَلت عليه الصاعِقة؟ قالوا: من قال لكم؟ قالوا: هذه الآية نزلت على نبينا هنا، وهم عند الرجل والآية هنا نزَلَت، وكان أحد الذين أهلكهم الله -تبارك وتعالى- وهو يَتَكَلم على الجبار الأعلى، ما أكفر الإنسان، ما أَطغاه، ما يَعرف قَدر نفسه ولا حُدود نَفسه ولا يَعرف عَظمة خالقه، والحمد لله على نعمة الإسلام اللهم زدنا إسلامًا وإيمانا..

  • (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) جلَّ جلالة؛ دَعوةَ التوحيد -لا إلٰه إلَّا الله- هذه دعوة الله، وهو الذي يَستَحِقُ التوحيد والإجلال والإكبار.
  • (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ)، ومَن يَدعوه فقد دعا القادر، دعا المالِك، دعا الذي يَفعل ما يُريد.

(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ) -كائنين مَن كانوا- (لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ)، ماهومثَلُهم؟ (إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ)، عطشان يُريد يَشرب؛ يأتي إلى الماء يَبسط يده للماء من أجل أن يصل للفمِ ممكن؟! 

الله لم يجعل هذا، يقول: هذا دُعاؤهم لأصنامهم ولأي شيء غير الله مثل هذا؛ ما يَنفَعونكم، ما يَرفَعونكم، ما يُنقِذونَكُم؛ الدعاء هي دعوة الحق:

  • أن تَدعو القادر.
  • أن تدعو الفَعال لِما يُريد. 
  • أن تدعو مَن بيده مَلَكوت كل شَيء -جلَّ جلاله-.

(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ)، يَمُدَّ كَفَّيه للماء يبسُط يديه للماء: يا ماء يا ماء يا ماء يا ماء؛ عطشان. يا ماء يا ماء، ثم ماذا يا ماء؟!، وكذلك مَن يدعو غير الله؛ (كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14))؛ فهم وكل ما يَعتَمِدون عليه في ضَلال.

دفع الله عنا كل الضلال والمكر والشر والآفات ياشديد المَحال لا تهلكنا بغضبك، وأقبل بوجهك الكريم علينا، برحمتك يا أرحم الراحمين .

  • قد كان بن عباس يقول إذا سمع صوت الرعد : "سبحان مَن يسبح  الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير"، يقول: من قال هذه الكلمات عِند الرعد فأصابته صاعقة فدِيّته عَلَيّ، أي: لا يُصيبه شيء أبدًا، إذا ذَكَر الله عند الصواعق.
  • قال الإمام جعفر الصادق: "إن الصواعق تُصيبُ المؤمن وغيره، ولا تُصيبُ الذاكرَ لله" جلَّ جلالة، وبهذا كانوا يستحبّون إذا:
    • رأوا البرق يقولوا: سبحان من (يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا).
    • وإذا سَمِعوا صوت الرعد يقولوا: سبحان من يُسَبح الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، جلَّ جلاله.

رَزَقَنا الله الأمنَ في الدنيا والآخرة من الآفات والعاهات بِشدّة خوفِه وقوة رجائه -جلَّ جلاله-، اللهم ثبتنا على الحق فيما نقول، وفيما نفعل، وفيما نعتقد، وزِدنا إيمانًا ويقين. 

وفرِّج كروب المسلمين وادفع البلاء عنهم وأنقذهم وأغِثهم يا قدير، يا مَن بيده التدبير، يا مَن بيده التقديم والتأخير، ياسميع يا بصير، يا لطيف يا خبير، تدارك أمة نبيك البشير النذير، والسراج المنير، وحوِّل أحوالهم إلى أحسن الأحوال وادفع عنهم جميع الآفات والأهوال يا أكرم الأكرمين. 

بسر الفاتحة

 إلى حضرة النبي محمّد اللهم صلِّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه

 الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

24 مُحرَّم 1443

تاريخ النشر الميلادي

01 سبتمبر 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام