(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى:
﷽
(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۗ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11))
الحمد لله مُكرمنا بالبيان، وإنزال القرآن على قلب ولسان سيد الأكوان، مَن خَتم به النبوة والرسالة ودلّنا على الحق خير دلالة، اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك المُجْتَبى المختار سيدنا محمد، وعلى آله المطهرين وأصحابه الغُرّ الميامين، وعلى مَن والاهم فيك واتّبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،
تفسير قوله تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6))
فإنّنا في نعمة تأملنا لخطاب ربّنا، وكلام ربّنا، وتعليم ربنا وإلهنا وسيدنا ومولانا وإرشاده وتبيينه، وَصَلْنا إلى قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6))، جلَّ جلاله وتعالى في علاه يقول: اعْجَب من قومك وجماعتك، (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ)، بالعذاب قبل الرحمة؛ وكان الواجب على كل عاقل من البشر أن يطلب الرحمة وأن يطلب اللطف، وأن يطلب العطف، وأن يطلب الهداية، وأن يطلب الصلاح؛ والقوم يقولون: (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ) [العنكبوت:29]، وماذا عندك؟ وبمَ تُخَوّفنا؟! (ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف:77]، كما كان يقول الكفار قبلهم، فهم أعجب من هؤلاء!
كان الأَوْلى والألْيَق بهم لو عقلوا وأدركوا أن يقولوا: ادْع ربك أن يرحمنا، أن يبَيّن لنا الحقيقة، أن يهدينا، تفضَّلْ بما جئت من عنده، بَيِّنْه لنا.
لكنّ هذا الإنسان صاحب طغيان:
(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) [العنكبوت:53] في الآية الأخرى، ويقول في هذه الآية: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ)، العقوبات الشديدة قد نازلت بالأمم الطّاغين من قبلهم، فما الذي يدعوهم إلى اسْتعجال العقوبات، والعقوبات قد وقعت وسمعوا بها عن الأوّل والثاني والثالث وأمم كثيرة؟! (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ۖ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) [الفرقان:38-39]، وأنت تجيء وتقول هاتوا العذاب هذا!، ما رأيتَ مَن قد عُذِّب من قبلك؟! ، فما الذي تستعجل عليه؟! وهو تحت قدرة القادر من فوقك؟! من حقِّك بدل هذا أن تطلب الرحمة، (وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ)، فلم يعتبروا ولم يدَّكِروا.
والحقّ أنّ كل ما يجري لهم كما جرى لمن قبلهم ويجري لمن بعدهم، تجلّي جبار قويّ فعال لما يريد؛ هذا وصفه: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ)، مع ظلمهم وإساءتهم، فقد سبقتْ مغفرته سبحانه وتعالى ورحمته، وإلا (مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ ) [فاطر:45]؛ (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6))، إذا عاقب وإذا أخذ الظّالم لم يفلته، ثمّ في الآخرة (فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25].
(وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6))، ولمّا كان ﷺ أجْلَى مظاهر التجليّات من الرحمن، وأحبّ خلقه إليه، نسب هذا التصرف في الوجود في سَبْق المغفرة وإعطائها للعباد مع ظلمهم، وفي وقوع العذاب للمعذبين، نسبهُ إلى ربوبيّته تعالى لهذا العبد المقرب محمد ﷺ، ما قال إن الله لذو مغفرة -وهو الله- ولكن قال: (وَإِنَّ رَبَّكَ)، أنت يامحمد، (لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ..(6))؛ وحينئذ:
(وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6))، فتأمّل في كثير من الآيات، يقول الله؛ عندما يريد أن يصف نفسه بوصف يتجلّى به على الخلق، يقول: (ربُّك) ويوجِّه الخطاب لمحمد وهو ربّ كل شيء، لكن لمحمد على وجه الخصوص، لمكانة محمد عند الربّ، ويقول :(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ)؛ وارْتبطت بمولده الشريف، وهلاكهم وردّهم عن البيت الحرام، غَيْرة من الله ومحبة لمحمد ﷺ، فما قال له: ألم تر كيف فعل رب البيت بأصحابهم؟ جاءوا يهدمون البيت العتيق؟!! وكان مناسب أن يقول؛ ألم تر كيف فعل ربّ الكعبة، ربّ البيت، بأصحاب الفيل! ولكن أنْسب وأطْيب، قال: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ)، أنت يا حبيبنا يامولودًا بمكة، ويا مشرفًا لها، ويا مُنبّأً فيها، (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) [الفيل:1-2].
وقال: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6)). فاللّهمّ ارزقنا محبة نبيك ﷺ ومتابعته والقرب منه، واغْفر لنا به المغفرة الواسعة، وأجرنا من عقابك وأجرنا من عذابك برحمتك يا أرحم الراحمين.
ولهذا قال الحق في شأن هذا النّبيّ في بيان هذا المعنى الذي أشرنا إليه:
فالرّحمة والمغفرة والعطايا الرّبانيّة قريبة ممّن ارتبط بمحمد، ومَن اتّصل به وأحبّه وَوَالاه واتّبعه، والعذاب شديد قويّ وعِقاب عظيم على مَن خالف هذا النبي ، ومَن عاند هذا النبي أو أبغض هذا النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۗ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7))
(وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ)، وما نزلتّ آيات على نبيٍّ كما نزلت على نبيّنا، وماذا يقولون هؤلاء؟
قال الله:
وهكذا يقولون، يقولون: (لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ)، ويقولون لسيدنا هود: (مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) [هود:53]، وجاءهم بالبيّنات وآيات ومعجزات وإن لم ينصّ الله على ذكرها في القرآن، ولكن هكذا شأن الأمم مع رسلهم، ما جئتنا بآية.. ما جئتنا ببيّنة.. وهكذا حتى كان الكفار مع نبينا، يقول الذين كفروا:
وأنبأَهم عن بيت المقدس، وأنبأَهم عن عِيرهم، وأنبأَهم عن ساعة وصولها، وجاء كله كما أنبأ ﷺ، فلِمَ يقولون (لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ)، ما هذا اللعب؟! ما هذه المسخرة؟! أرادوا آيات على هواهم يعني؟! قالوا ليست على مقترحاتهم، (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ)، ويكفي ما أيّدناك به من المعجزات.
(وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7))، ويجعل الله (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)؛ هدى الأنبياء صلوات الله عليهم، أول الهدى، ثم مَن يختاره من أتباع الأنبياء؛ هداة على الحق والهدى والرشاد.
(وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، يهدون بأمر الله، (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا) [السجدة:24]:
(وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)؛ يجعل الله الهداية للأمم:
فيهدي الله بإذنهم، وعلى يَدِهم، وبِبَيَانهم من يشاء، والهادي هو الله المستقلّ بالهداية ببعث النور والتوفيق للخير، هذا هو الله جلَّ جلاله.
(وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)؛ يختاره الله -جلَّ جلاله- هذا معنى، وقال عكرمة -رضي الله عنه- : "أنت أنت أَنْتَ مُنذِرٌ وَأنت لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ"، يقول: إنّما أَنْتَ مُنذِرٌ وَأنت لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ"، وأنت هاد لكل قوم.
فأنشرنا الهداية بك في الأقوام، أيّ قوم على ظهر الأرض فهدايتهم أنت وعلى يدك، إن اتّبعوك وإن أصغوا إلى ما جئت به اهتدوا، وهو شَاهِدُ قوله في الآية الأخرى: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) [النور:54]، كل قوم، كائنين ما كانوا: شرق وغرب عرب وعجم؛ ما هدايتهم إلا من هنا، إن اتّبعوا ما أُنزل على محمد اهتدوا، وإن خالفوه فقد ضلّوا وجنَوا على أنفسهم.
يقول جلَّ جلاله: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7))، أي وأنت هاد لكل قوم، اخْترناك الهادي إلينا وإلى طريقنا، كما قال له في الآية الأخرى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) [الشورى:52-53]، فيا مَن إليه تصير الأمور ثبّتنا على قدم نبيك واهْدنا بهداه، يا أكرم الأكرمين.
(إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7))، كما جعل -سبحانه وتعالى- في جانب الظلمة والفساد والضلال أيضا أئمة وهداة إلى الشّرّ:
وهكذا في تاريخنا الحديث، كل المخالفات للشرع المصون من مثل: تبرّج النساء، والذي كان قد انتشر بحكم الإسلام حَيائهن وحشمتهن وتحجّبهن بحكم القرآن؛ انتشر، ولكن جاءوا لهم بناس من الأشرار؛ أحد من فرنسا وأحد من غيرها و جاء لهم بواحدة أواثنتين أوثلاث من بنات المسلمين، يتَسفَّرن ويتبّرجن ويتكلّمن ويَتَشَدّقن، ويجئْن بالكلام الفارغ، ويستهزئن بأحكام الله -تبارك وتعالى-، (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ لَا يُنصَرُونَ) [القصص:41].
(وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7))، وهكذا يجعل الله ويختار أيضا لمن سبقت لهم السعادة من بينهم من يُبيّن لهم، ومن أعظمهم في الأمة المُجدّدون لدين الله، الذين أشار إليهم الحديث: "إنَّ اللَّهَ يبعَثُ لِهذِه الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سَنةٍ من يجدِّدُ لَها دينَها"، أي بهم يقوى الإيمان بعد ضعفه، وتتّضح الأمور بعد إشكالها، ويتبيّن السبيل بعد تردّدهم فيه، ويهديهم الحقّ -سبحانه وتعالى- على يدِ مَن يختارهم في الزمان وفي المكان، (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ).
هذا الإله الذي رتّب هذا الترتيب، ورتّب كثيرًا من شؤون الهداية والضلال في الناس على يد بعضهم بعضا، يتأثّر بعضهم ببعض هداية، يتأثّر بعضهم بعضا ضلالًا، يتأثّر بعضهم ببعض هدى، ويتأثر بعضهم ببعض طغيانا، يتأثّر بعضهم ببعض نورًا، ويتأثّر بعضهم ببعضهم ظلمةً، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (8))
هذا الإله الحكيم القادر، (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ)؛ من الإنسان والحيوان؛
الإحاطة بهذه المعلومات ليست إلّا لله جلَّ جلاله.
ويظنُّ بعض الناس- أنه لمّا يطَّلعون على ما تكوّن -بعد تكوُّنه أهو ذكر أو أنثى صغير أو كبير- أنّهم عَلِموا مافي الأرحام!!. ماذا عَلِمتم؟ قد علِم من قبْل التكوين، وبعد التكوين، وما يصير له التكوين، وساعة خروجهم من بطون أمهاتهم، وأشكالهم وألوانهم وشقاوتهم وسعادتهم وأعمالهم وما يقولون وما يفعلون؛ يعلم ما في الأرحام، علمًا مطلقًا من كل جانب -جلَّ جلاله-، وليس إلّا لله سبحانه وتعالى.
(اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ)، ولهم أيضا تعجُّبٌ فيما اكتشفوا من شأن غيض الرحم وازدياده، وقد كان السابقون يتكلمون عن غَيْضه وازدياده، عن غَيْضه:
وحتى قالوا في أكثر الحمل من سنتين إلى أربع سنين وإلى غير ذلك مما وصل إليه اجْتهادهم:
(وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَار (8))، (كُلُّ شَيْءٍ)، من الكائنات والأمور والأحوال والصور والأشكال والحركات والسكنات، (بِمِقْدَار)، لا ينقص عنه ولا يتجاوزه، قد حدّد وبَيّن وعَيّن قبل خلق أيّ شيء، وكَوّن السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، فهي كائنة على ما قدَّر وعلى ما أراد وعلى ما حدّد وعلى ما دبّر -سبحانه الكبير المتعال-.
قال جلَّ جلاله: (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَار (9))، حدّده هو جلَّ جلاله؛ فلا يزداد أحد على مقدار الذي حدّده ولا ينقص عنه: مرضًا ولا صحةً ولا علمًا ولا جهلا ولا معرفةً ولا إنكارا ولا خيرا ولا شرا ولا جسما ولا علما ولا فهما ولا عقلا ولا نباتا ولا جمادا ولا حجما ولا شكلا ولا لونا ولا جماعةً ولا حروبا، ولا أَوْبِئَة؛ إلا وهي مقدّرة من عنده، بمقدار وقتها، ومقدار كيفيّتها، ومقدار حجمها، ومقدار أشكالها وألوانها ومقدار إصاباتها، وإلى متى؟ وإلى أين؟ ومتى ترتفع؟
(وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَار (9))، وغيره كلّهم مقدور مقدّر له؛ من ملائكة وإنس وجنّ وما سوى ذلك صَغُروا أو كبروا، والمقدار من عنده، خَلْقُ أحدهم بمقداره؛ لا يمكن لأحدهم أن يدفع خلْقهُ في الساعة التي أراد الله أن يخلقه فيها، مَن منهم يدفع ذلك؟! مَن منهم يقول! أنا رئيس الدولة الفلانية، كان الإله سيجدني في يوم كذا فأخّرته أو قدّمته!! في اليوم الذي حدّده لك، والساعة التي حدّدها؛ في حملك وتقديرك في أيام الحمل، وتقدير عَلَقَتِك بعد نُطْفَتك ومُضْغتك بعد عَلقتك وعظامك، هو الذي قدّرها، وساعة وَضْعِك هو الذي قدّرها، وأمك هو الذي قدّرها لك، ولا أحد منهم يقول: أنا حرّ أصلا جئتكم، اخْترتُ أمي واخْترتُ أبي.
أنت مقّدر، ولك المقدِّر فوقك:
اللهُ المْقُدِّرْ، وَالْعَالَمْ شُئُونْ
(وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ)، واسْمع؛ وهو قدّر موتك وأنت لا تعلم -يُقدّر موتك-، ساعة الموت مقدّرة، والكيفية التي بها ستموت مقدّرة، وستأتيك كما قدّر هو؛ ولن يغني عنك شيء: لا حَرَسك ولا جماعتك ولا إمكانيّاتك ولا أجهزتك، حيث قدّر لك هو -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
تفسير قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9))
(وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9))، (الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، بالنسبة لكم معاشر الخلائق، والحق لا غيب ولا شهادة عنده؛ كل شيء عنده سواء -جلَّ جلاله- لا يغيب عنه شيء، (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [يونس:61]..
(عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ):
والواحد منّا إذا مرت عليه سنين، ورأوها قد طالت بنسبةٍ، قالوا: كبير، قالوا: كبير السن، كان عدم، غير موجود وبعد مدة سيذهب.
(الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9))، أي العلي الرفيع، الذي ارْتفع وعلا فوق كل شيء؛ رتبةً ومكانةً وعظمةً، (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9))، -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، فلا يُنسب شيء للعلوّ، هذا أعلى من هذا، وهذا أعلى من هذا، في أي معنى من المعاني، إلا وكلّها تتضاءل في المعنى اللائق بذاته -جلَّ جلاله- و علوّه وكبريائه؛ فهو العلي فوق كل شيء. فمهما كانت ميزات هذا أعلى من هذا، وهذا أعلى من هذا؛ فتنتهي إلى حد، لكن علوَّه لا حد له، الله أكبر!.
تفسير قوله تعالى: (سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10))
قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9))، ففي علمه واطّلاعه ورؤيته وإحاطته، (سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ)، تحدّث بخاطرك، أو انْطق بلسانك، سواء.
(سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10))، (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَار)؟
(سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10))، سَارِبٌ مَاشٍ في السرَب أو داخل في سرَبٍ، يختفي فيه.
تفسير قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11))
يقول الحق هذا كله سواء، هو يعلم بكم في أحوالكم كلها: (سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، وقد جاء في رواية: أنّه جاء عامر بن الطفيل ومعه واحد من أبناء عمومته من بني عامر وأرادوا قتل النبي ﷺ، وكان النبي في المسجد، وقيل له هذا عامر بن الطفيل أقبل عليه، وقد كان مع عِوَره صاحب جمال.
تعجّب الناس من حسنه وجماله، وقال: "دعوه إِنْ يرده الله به خير يهده" ، فأقبل فقال له: يامحمد ما ليَ إن أسلمت؟ قال؛ "إن أسلمت، فلك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين"، قال: أَفَتَجعل لي الأمر من بعدك؟ قال :"ليس ذلك إليّ إنّما هو لله"، أنا ما جئت من أجل سلطات ولا إمارات ولا حكومات، قال له: أتجعل لك المدَر وتجعل لِيَ الوَبر؟ قال:" لا" ؛قال: فما تجعل لي؟ قال: "أجعلُ لك أعنَّة الخيل تقاتل عليها"، قال: هذا هو لي أصلا، قم أكلمك؛ تعال.
وقام له ﷺ؛ وذهب الثاني من ورائه واتّفق معه: أنني سأحادثه وأكلمهُ، وأنت تضربه من ورائه؛ فجاء يكلّمه، وهذا يخاصمه ويرفع صوته، وذاك أخرج شبر من السيف وامْتسك عليه مامشى، فجعل يُومئ إليه ويشير إليه يريده أن يتحرّك، وهذا ممسوكة يده والسيف ما يقدر يتحرك، فالتفت ﷺ فوجده في حالته مع السيف، قال ﷺ :"اللّهمّ اكفِناهما بما شئت، اللّهمّ اكفِنيهم بما شئت".
فخرجوا في ضحوة النهار، فإذا بصاعقة نزلت فوق هذا، صاحب السيف، فهرب عامر بن طفيل، جاء إلى بيت امرأة سلولية ونزل عندها، وأصبح مغيّر اللون، حمل أسلحته ويقول: اُبْرُز يا ملك الموت، هذا آل محمد أقتلك… وأنا سأعمل… وأمر الله ملَك، وطرحه على وجه الأرض وقام يسحب نفسه إلى بيت السلولية، وظهرت غُدة في رقبته، يقول: غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية!! ومات، فهذا قتله الله بالصاعقة، وهذا بالطاعون، وأنهاهم الله.
وعندما رأى صاحبه قال: دعوتَ علينا يا محمد، لأملأنّها عليك خيلا جُردا، وفتيانًا مُردا، قال ﷺ: "الله مَانِعك من ذلك، وبنو قيلة"؛ يقصد الأوس والخزرج؛ الأنصار الذين هيّأهم الله له، وذهب فأصابه ذلك وانتهى وانزل الله: (سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) -قيل للنبي وقيل للعموم كما سيأتي التفسير معنا- (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا)، ما نزَّل عليكم العذاب إلا وإنتم عملتم السوء، وأردتم قتل نبينا ﷺ، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (11))، الله يعصمنا من الآفات والأَسْوَاء والبليّات، ويصلح الظواهر والخفيات، ويثبّتنا أكمل الثبات وينفعنا بالآيات البيّنات، ويربطنا بخير الكائنات، ويرزقنا متابعة في النيات والمقاصد والأقوال والأفعال والحركات والسكنات.
اللّهمّ لا تخذلنا ولا تُهنّا بتبعيّة فاسقٍ ولا مجرم ولا بعيد، وارْفعنا وأعزّنا بتبعية حبيبك ذو المقام الرفيع والمسلك الرشيد.
اللّهمّ ثبّتنا على دربه، واسْقنا من شربه، وأدخلنا في حزبه، وأكرمنا بمرافقته، وأنت راضٍ عنّا وأصلح شؤون أمّته أجمعين، واجْعل العام مباركًا عليهم وحوّل أحوالهم إلى أحسن الأحوال وامْنحنا الرّضوان واحْفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللّهمّ احْفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، فاحْفظنا يا خير حافظ وتولّنا بما أنت أهله ظاهرا وباطنا برحمتك يا أرحم الراحمين .
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمّد اللهم صلِّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه
الفاتحة
18 مُحرَّم 1443