(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى:
﷽
(وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) ۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6))
الحمد لله مُكرِمنا بكِتابه، وبيانه على لسان سيِّد أحبابه، صلى الله وسلم وبارَك وكرَّم عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى أهل ولائه، ومحبَّته، والاقتِداء به وعلى آبائه وإخوانه من أنبياء الله ورُسله صفوة أصفيائه، وأهل حضرة اقترابه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقرَّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الراحمين.
أما بعد،،
فإننا في تأمُل كلام ربِّنا -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه- وتُذكرِنا لخِطابه وما وجَّه إلينا، مرَرنا على أوائل سورة الرعدِ التي قال فيها جلَّ جلاله:
بسم الله الرحمن الرحيم
(المر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ۗ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ..(2))،
(كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى) لِحدٍّ محدودٍ، وعددٍ معدودٍ، ومقدارٍ معلومٍ،؛ فمن الذي حدَّد، ومن الذي قدَّر، ومن الذي عَلَّم، ومن الذي عيَّن؟ أيُّ قوةٍ، أيُّ جماعةٍ، أيُّ هيئةٍ، وكلُّ من أدُّعيت له الألوهية غيرُ الله، لا نجدُ له فعلاً في هذه الأشياء ولا تقديمًا ولا تأخيرًا ولا تصويرًا ولا تقديرًا ولا تسييرًا.
فمن الذي سَيَّر؟ ومن الذي قدَّر؟ ومن الذي دبَّر؟
قال تعالى:
وَالْمَرَدَّ إِلَيْهِ كَمَا أَنْبَأَكُمْ -جَلَّ جَلَالُهُ- وكل ما تشاهدونه يدلُّكم على صدق ذلك، وعلى عَظمة هذا الإله المالك؛ (لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)، اللَّهُمَّ ارْزُقُنَا كَمَالَ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ.
وقد سمعنا قول سيدنا أبي بكر الصديق، و قول سيدنا علي بن أبي طالب: "لو كُشِفَ الغِطاءُ مَا ازَّدْدتُ يَقِينَا"، أي:
تفسير قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3))
(لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ)، بَسَطها لكم سبحانه وتعالى وهَيَّأها، فلا تقِف في أي بُقعةٍ منها، إلا ووجدتَ امتِدادًا أمامك يملأُ عينك، ولا ينتهي إليه طرفُك.
أليست هذه مشاهداتٌ معايناتٌ لكل ذي عقل؟ أليست كافية؟ بعدما ذَكرَ الله لنا آيات السماوات من فوقنا، وهذه في الأرض فالسماوات تنادينا، والأرض تنادينا؛ آمِنوا بربكم، هذه قوتُه، هذه قُدرتُه، هذا خَلقُه، (فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) [لقمان:11]، تُشاهِدُ الأبصارُ كلَّ هذه الآيات البديعة العجيبة ثم يُنكَر وجودُ الخالق! ثم يُكذَّبُ برُسلِه! ثم يُنكَرُ البعثُ بعد الموت!.
يقول تبارك وتعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)، في تَقابُل بين أجناس الوجود، ما من جنس الا وله مُقابل من الجنس؛ ذكر وأنثى، أسود و أبيض، أحمر وأصفر، حامض وحلو، حلو ومُر:
كل شيء له مُقابل مِن الكائنات والمخلوقات، فسبحان الفردُ الوتر، الواحد الأحد.
يقول: (وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) -نوعين- (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) كنا في نهار، مشرقة فيه أنوار الشمس؛ فجاء الليل فغشَّاها -غَطى- كما تُغطَّى الآنيةُ عن الأبصار بغِطاءٍ يوضع فوقها؛ فتنشأُ ظلمةُ الليل فتُغطِّي ما كان مشاهدًا بالنهار (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) -جلَّ جلاله- (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3))، يُحسِنون التفكُّر ويصحُّ فكرُهم:
فكذلك إذا صحَّ منك التفكير وأحسنتَ استخدام العقل، تَصل إلى معرفة المعنويات والحقائق، وأن لك ولهذه الكائنات إلٰه، وأنه يسهلُ عليه أن يُهلِكَها أو أن يرُدَّها، ومَن لم يعجَز عن هذه الآيات البدائع، كيف يعجَز أن يُعيد إنسان؟!
ومن الأغرب والعجب كما ستأتي معنا في الآيات الكريمة، أنه يتبجَّح بعقله، ويقول لك: أنا بعقلي، وعقلك؟!! مثل الذي يقول: أنا ببصري، وهو أعمش ولا يرى الأبيض، لا يرى الأسود، ويقول لك: انا ببصري، إذا عندك بصر صحيح؛ هذه طاولة وهذه أرض وهذا جدار، قال لك: أنا لن أترك بصري لبصرك، هو لا يرى مسكين، لم يُحسِن النظر! قال لك: لا، لا يوجد جدار!! هنا -بسم الله الرحمن الرحيم- مالك؟
وهؤلاء الملحدون والجاحدون والمنكرون الكفار هكذا، مع عقولهم هكذا، ما يعقلون، لو أحسنوا استخدام العقل لعرفوا الرَّب وآمنوا بمحمد، ولن يبقَ واحد منهم إلا آمن وصدق، لكن سبحان مَن يُضِلّ مَن يشاء ويهدي مَن يشاء.
تفسير قوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4))
يقول تعالى: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ) متقاربات ومتلاصقات؛ هذا مالح، وهذا عذب، وهذه خصبة، وهذه سبخة، وهذه صلبة قوية، وهذا رمل؛ في أرض واحدة وقطع متجاورة، من الذي لوّن؟ من الذي نوّع هذا؟! وكلها في مكان واحدة، أرض واحدة، ما هذا التقدير؟ ما هذا التعيين؟ هذه خصبة، وهذه سبخة، وهذه مالحة، وهذه طيبة عذبة، وهذه رمال، وهذه صلبة قوية، وهذه رخوة، ما هذا؟
(وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ) مختلفة في خصائصها، في مزاياها، وسط البحر الواحد ماء مالح يمشي بجانبه ماء عذب لا يختلط، تحرِّكه بيدك تريد أن تقلِّبه لا يختلط، تدخل يدك بين العذب والمالح لا يختلط أبدا، هذا مالح وهذا عذب، اعمل ما شئت، الذي حجز بينهم قوي:
هذا مالح، وهذا عذب، وهذا بالوسط جدار ماء بين هذا وهذا، جدار ماء؟!! كيف جدار ماء ؟ جدار و ماء؟! جدار من ماء..
والتي تعيش في الوسط -الجدار المائي- إن دخلت كذا ماتت، وإن دخلت كذا ماتت تعيش في الوسط.
ماهذه الخصائص؟ ماهذا الترتيب؟ -لا إله إلا الله- (وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا) [الفرقان:53]، ممنوع تأتي هنا، ولاهذه تأتي هنا، كل واحد له خصائصه وميزاته، من الذي كوّن هذا؟! كيف قام هذا؟! كل ساعة يأتينا واحد يقول: امشوا ورائي، اتركوا ربكم، اتركوا نبيكم، قالوا: عندنا علم، ماذا عملت؟ يا مصنوع من النطفة! وأنت كم عددك مِن نسل آدم؟ من الذي كوّن؟
يقول جلّ جلاله: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ)، (وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ) -بساتين من العنب- (وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ):
(صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ)، وهكذا.. قال سيدنا عمر للنبي ﷺ: أن عمك العباس تكلم عليّ فسكتُّ عنه، لأنه عمك ما رددتُ عليه، فقال: رسول الله ﷺ: "إنما عَمُّ الرجلِ صِنْوُ أبيهِ"، يعني أصله وأصل أبوه واحد، من أصل واحد، "إنما عَمُّ الرجلِ صِنْوُ أبيهِ".
(صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ)، شيء من أصل واحد، وشيء كل واحدة بأصلها ولكنها متفرقات، (صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ)، وهذه القطع المتجاورة والأعناب والزرع والنخيل -الصنوان وغير الصنوان- (يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ)، تسقى بماء واحد، مطر، سيل، نهر، آبار، تُسقى بماء واحد؛ والنتيجة تختلف، (وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ)، إذًا من الفَعَّال؟ لا الماء الفَعَّال، ولا الأرض هي الفَعَالة، ما الترتيب هذا؟ ما التقدير هذا؟ ما التصرف هذا؟ ما هذه القوة الباهرة؟ (وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ)
والماء الذي سَقَى به البطيخة الحلوة والتفاح هو الذي سَقَى به الحنظلة، وهذه طلعت مُرَّة من أشد المرارة، وهذه الحلوة، وكلها من ماء واحد!، وإلّا هل هناك أحد أتى بصِبِرْ يِسَقِّى هذا به، وآخر أتى بعسل يِسَقِّى هذا به؟ أبدا، (يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ) من أين؟ ونفضل (وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ)؛ لونها، شكلها، قدرها، حجمها، طعمها؛ تركيبها يختلف، هذا بقِشْر وهذا بلا قِشْر، وهذا حبّه غليظ قوي، وهذا حبّه لطيف صغير، والماء واحد،! والتربة واحدة!
(يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ)؛ يقول الله: ياعبادي كل شيء أمامكم يناديكم بعظمتي، ما هذه الغفلة؟ ما هذا العناد؟ ما هذا التكَبُّر؟
(إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4))، ولكن عند سوء استخدام العقول، وصرفها عن مسارها الصحيح، يحصل غرابة في ابن آدم هذا، وترى منه عجائب:
فتجد عجائب عند الناس الذين لم يُحْسِنوا استخدم أبصارهم، وأسماعهم وعقولهم، على الوجه الصحيح:
تفسير قوله تعالى: (۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5))
يقول الحق تعالى:
(وَإِن تَعْجَبْ)، فهناك عَجَب كثير في بني آدم:
ويكذبونك؟!! يريدون مَنْ يُكلّمهم هؤلاء؟ يريدون أن يصدِّقوا مَنْ في الوجود في العالم؟ أَعجب، قال إِعجب!! والعجب الكبير؛ آياتي أمامهم مبثوثة من كل جانب، يقولون لك: كيف نحيا بعد الموت؟! وقبل ما تحيا كيف حييت؟ من أين أتيت؟! أنت من أين أتيت أصلًا؟
قال الله: (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ)، أعظم ما يمكن أن ينصرف إليه العجب والغرابة قولهم: (أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، أصلًا مجيئكم هذا هو الغريب، وتحويلكم إلى تراب غريب، فما الذي فوق ذلك أغرب من هذا، في رجوعكم؟
قد جئتم من لا شيء! فلماذا تعجب، لكن تَعجَب في العقليات هذه!
القُدرة التي كَوَّنتك هذا يا إنسان، يا مُتكلِم، من أين جاء كلامك؟! هذا الآية التي أوجدتْ لنا الكلام، أنت في البداية عرفناك كنت نطفة، كيف تحَوّلَت الى لِسان تتكلم النطفة هذه؟! وهذا الذي حَوّل النطفة إلي لسان تتكلم، ألا يقدر أن يرجعها مرة ثانية! أو ثالثة! أو رابعة، وخامسة وعاشرة وستين مرة؟! قادر أن يرجعها، كل مرة أسهل بحكم البشر، أما عند الله لا شيء اسهل من شيء، كله سهل على الله، جلَّ جلاله.
يقول: (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، نرْجع ثاني مرة، وكيف جئتم أول مرة؟! العجب مِن أول مرة أكثر! أما ثاني مرة، قال الله؛ تَعَجبْ منهم، يُنكِرون البعث وكل شيء يدُل على قدرته، وأنِّي أُحيي وأُميت كما أشاء -جلَّ جلاله-؛ (أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ * أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) [الواقعة:58-64].
وبَذرة وحبة تدخل للأرض، لو كانت معكوسة تنقلب وسط الأرض، مَن يَقلبها؟! والثانية التي على هيئتها ما تنقلب! لماذا هي تنقلب؟ وهذه لا تنقلب؟ ثم الجانب الذي يطلع إلى فوق لديه خصائص ومزاياه، والجذر الثاني الذي تحت ينزل في الأرض له خصيصة ثانية ولون وشكل ثاني، وهذه حبة واحدة! حبة واحدة! والذي يطلع لون والذي ينزل لون ثاني -مِن حبة واحدة- وهذا جذر ثابت قاعد، وهذه أغصان، ثم تأتي لها أوراق، ولايوجد مِن تحت أوراق، وهذا الجزء مِن نفس الحبة الواحدة، تتكوّن من تحت شكل، وفوق شكل ثاني، ما هذا؟ مَن الذي دَبّر ورتَّب؟.
قال تعالى: (۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ)، وَكُلُّ شَيْءٍ يَدْعُوهُمْ إلى الْإِيمَانِ بِهِ، كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، فَالْمُكَذِّبُ بِالْبَعْثِ وَالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمُوْتِ كَافِرٌ؛ (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ)، كفروا بالله، لو عرفوا الله تعالى ما قَدروا أن ينكروا بعثه، سيبعثنا وسيأتي بنا من حيث ما كنت، ومن أين ما كنت!!
وهكذا ذَكَر ﷺ: رجل كان على قدر تفكيره وعقله في بني إسرائيل، هويؤمن بالله تبارك وتعالى، ولما دنا الموت خاف وفزع؛ وصّى أولاده وصية، قال لهم: أيُّ أبٍ كنتُ لكم؟ قالوا: نِعم الأب كنت، قال لهم: عندي طلب، قالوا: تفضل، قال: إذا أنا مت فأحرقوني حتى أَصير رماد وخذوا الرماد وأتوا بي إلى عند البحر وقت هبوب الرياح الشديد، فإذا اشتد هبوب الرياح فذروني في البحر حتى أتطير، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا، أنا مذنب، مات وعَمِلوا بما وصاهم به، فجمعه الله وأحياه، قال: عبدي، ما حملك على هذه الوصية، قال: خوفك يا رب، قال: فرحمه الله بعد ذلك، خلقك مِن لا شئ -وإن احترقت وإن لم تحترق- وإن ذهبت هنا وإن ذهبت هناك، وإن أكلك الدود والتراب وإن لم يأكلك؛ هو القادر، أول وآخر، لا يوجد فرق عنده بين هذه الأشياء، ورأيت المُناداة تناديك: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) [الذاريات:21]، وحركة الدورة الدموية التي عندك، مَن يُرتبها؟ لو وُكلت إليك مدة عشر دقائق، ماذا ستعمل؟ هو يدبرها! ماذا ستفعل؟ هويدبرها لك ، وعروقك وشعرك ، لا إله إلا هو.
قال: (۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ)
(وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5))، اللهم أجرنا من النار.
تفسير قوله تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6))
وهم في غَيِّهم وطغيانهم وتكذيبهم بالحق الواضح الصريح يستعجلونك: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) يقول: هيا ائتنا بعذاب الله، هيّا أن كنت صادق، وقالوا للمرسلين هكذا، يستعجلون مساكين!! (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) بالعذاب والعقوبة (قَبْلَ الْحَسَنَةِ)، قبل الرحمة وقبل الحِلم والعفو والصفح، يقولون لك: (ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف:77]، (إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأنفال:32].
(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) -العذاب قبل الرحمة- (وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ)، وهؤلاء الآن الذين يتكلمون بهذا الكلام، ما علموا ما فعلنا بمن قبلهم، ماذا فعلنا بآل فلان، وآل فلان، وآل فلان، وآل فلان؛ قوم إدريس، قوم نوح، قوم هود، قوم صالح..
وذاك يقول: هات، هات؛ أنتم مستعجلون على ماذا؟ أما ترى أمام عينك! ماذا عُمِل بمن قبلك؟! تأتي أنت تستعرض عضلاتك وتنسى؛ (وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ).
ولكن شأن الرحمن أنه يمد لعباده في الفِكر وفي الآجال وفي الفسحة عسى أن يرجعوا، (لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ) [الكهف:58]، (مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) [فاطر:45]، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ)، مع كثرة ظلمهم وشدة ظلمهم له مغفرة، وله حِلم؛ يؤخرهم إلى أجل مسمى، فإذا جاء الأجل: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6))، "إن الله ليملي للظالم حتى يأخذه، فإذا أخذه لم يفلته"، ولكن الناس طبيعتهم العَجَل -عَجَلة-، وأن الله لا يعجل لعجلة أحد؛ لأن كل شيء عنده بأجل مسمى، وكل شيء عنده بمقدار، وكل شيء في وقته يأتي، فنعوذ بالله من غضب الله ومن الاستعجال على عذاب الله.
ونسأل الله الثبات على ما يحبه ويرضاه، اللهم ارزقنا حسن الادّكار وحسن الاعتبار وكمال الإيمان بالآيات التي أنزلتها على قلب نبيك المختار، فرج كروب بالمؤمنين والمؤمنات، واجعل هذا العام من أبرك الأعوام علينا وعلى جميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين وعجل بالفرج، وافتح في الخير كل باب مرتج، وارفع جميع الهم والغم والوباء والضيق والحرج، وثبتنا على القدم الأقوم في خير نهج، مع خواص من نهج، وأعذنا يا مولانا من كل اعوجاج وتولنا بما توليت به الخاصة المستضيئين بالسراج، وكن لنا بما أنت أهله، وانشر الخير في جميع الفجاج، يا ذا العطاء الصيب الثجاج، برحمتك يا أرحم الراحمين.
بسر الفاتحة
اللهم صلِّ عليه وعلى آله محمد وصحبه وسلم
الفاتحة
11 مُحرَّم 1443