(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى:
﷽
(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (34) ۞ مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا ۖ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35) وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ۚ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36))
الحمد لله مُكرِمنا بالآيات البَيِّنات، على لسان خير البريّات، سيدنا محمد خاتم النبوة والرسالات، اللهم صلِّ وسلِّم أفضل الصلوات وأزكى التسليمات، على عبدك المصطفى سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار ومَن تَبِعهم بإحسانٍ على قَدم الثّبات، إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمُرسلين سادات المُقربين أهل المراتب الرّفيعات، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وملائكتك المُقَرَبين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياأرحم الراحمين، يا مُجيب الدعوات.
أما بعد،،
فإننا في تأمل كلام ربنا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- انتهينا في سورة الرعد إلى ما قال الله لنا: (مَثلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا) -اللهم اجعلنا منهم- (وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ)؛ بيّن الرحمن لنا -جلَّ جلاله-:
عَظَمَته في القيام على كل نفسٍ بما كسبت وليس ذلك لغيره، لا لإنسٍ -فردًا ولا جماعة- ولا لجمادٍ ولا لنبات ولا حيوان؛ فخالق كل نفس والقائم عليها، هو الله وحده جلَّ جلاله.
وما اتّخاذ الشُركاء معه إلا ضلالٌ وخيالٌ ووبالٌ وفسادٌ وضعف عقل؛ الإله واحد ليس معه أحد في الألوهيّة ولا في الرّبوبية، لا شريك له سبحانه، وكل ما سِواه مَخلوقٌ قاصرٌ مُحتاجٌ، وهو الغني وحده.
تفسير قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33))
يقول: (قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ)، مجرد كلام كما هو الحال في زُخرف القول الغُرور؛ للحضارات، لأنواع الدعايات، للإدّعاءات التي يَدّعيها الناس، بمُجرد تلفيق كلام.
يقولون هكذا! أين الحقيقة؟ أين الواقع؟ أين الأصل؟ أين النهاية؟ أين البرهان؟ (أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ) لا إله إلا الله.
(بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُم) -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
(مَكْرُهُم): ما مُكِر بهم من قِبل أنفسِهم وعدوهم إبليس، وزُيّن لهم أن يمكروا بأن يُخفوا الحقيقة، بل أن يُوهموا خِلافها، فكثير من المَوجودين على ظهر الأرض؛ من المُعاندين لمنهج الله ورسوله ﷺ:
يعلمون مِن حقائق الكون والأخبار كثيرًا تدُّل على صدق النبي محمد ﷺ وما جاء به، وعلى عظمة هذا الإسلام.
ولكن يخفون ذلك ولا يبدونه، وربّما تكلموا بعكسه تمويهًا وإبعاد على الناس أن يُدركوا حقِّية الهدى والإسلام الذي بُعِث به خير الأنام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ويُلَبِّسون على الناس ويُدَلِّسُون ويكذبون ويسمون الأشياء بغير أسمائها، وزُين لهم ذلك.
فهذا يضرهم ويوقعهم في مهاوي، وإن قَرَّب لهم بعض ما تخيلوه وتوهموه خيرًا لهم؛ فإن مَغبّته أنهم يزدادون بعدا، قال تعالى:
(وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)، (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) [آل عمران:178]، فهي شرٌّ عليهم.
ولو أنهم سلكوا مسلك أهل الصّدق والإنصاف لكان خير لهم، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا) لكان خيرا لهم، (وَلَٰكِن كَذَّبُوا) [الأعراف:96]، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وهكذا شأن الكافرين على ظهر الأرض؛ زُيّن لهم مكرهم، كما قال في الآية الأخرى: (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) [فاطر:8]، سوء، عمل سوء، سيء خبيث قبيح، لكن يراه حسن!! وربما يفتخرُ به.
والنبي ﷺ حَذر الأمة منْ أنّ بعض أجيالها، وبعض المُنتمين إلى الدّين فيهم، تمتدُّ إليهم خيالاتُ وضلالاتُ الكفار حتى تنعكس الموازين:
فيُرى المُنكر معروف والمعروف مُنكر، بل يُتجاوز ذلك في تبعيّة للكفر والضّلال: "كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟!"، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وعَجِبَ الصحابة، أو ذلك كائن؟ "والَّذي نفسي بيدِه وأشدُّ منه سيكونُ" -يحلف الله- "فَبِي حَلَفْتُ لأَبْعَثَنَّ على أولئك منهم فتنةً تَدَعُ الحَلِيمَ منهم حيرانًا"، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
إذا كانوا بهذا الأمر، وبهذا المستوى في الحال وفي تقليب الموازين وأمر بالمنكر ونهى عن المعروف، نعوذ بالله من غضب الله، ويا محول الأحوال حول حالنا والمسلمين إلى أحسن حال، وثبتنا على الهدى.
(وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)) -اللهم اهدنا فيمن هديت-، (أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا)؟! [النساء:88].
فاعلم الحكمة في قدرة القادر:
خَلَق الناس مؤمن وكافر.
وخَلَق الجنة وخلق النار.
و"خَلَق للجنة أهلا فهم بعمل أهل الجنة يعملون".
و "خلق للنار أهلا فهم بعمل أهل النار يعملون".
فلا تغترّ ولا ترضى لنفسك أن تكون مع أهل النار ولا أن تعمل بعمل أهل النار:
الرضاء بالكذب؛ عمل أهل النار.
الخيانة؛ عمل أهل النار.
الغش؛ عمل أهل النار.
ترك الواجبات في الشرع؛ عمل أهل النار.
الاستهزاء بالخير؛ عمل أهل النار.
موالاة الفُساق؛ عمل أهل النار، لا تعمل عمل أهل النار.
اتباع الشهوات المُحَرَمة؛ عمل أهل النار.
الزهد، الورع، غض البصر عن المحرمات، الإنصاف من النّفس، الرحمة بالخَلق؛ أعمال أهل الجنة، هذه أعمال أهل الجنة، "وبأعمال أهل الجنة يعملون":
إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت أعمال أهل الجنة.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذه أعمال أهل الجنة.
تفسير قوله تعالى: (لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (34))
قال الله في أولئك: (لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، وهؤلاء الذين أظلَّهم الله، لا يَسلَمون من كثير من الوَيلات والوَرَطات والأتعاب في الدُّنيا؛ سواءً فيهم الجندي والضابط والوزير والرئيس؛ كلهم ينالهم في الدنيا قبل آخر عذاب، في نفسه في أولاده في أهله في صحته في عقله في حاله في باله في ماله، تصيبهم أشياء كثيرة لكن (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ)!!
(وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ)!! اللهم أجرنا مِن عذابك، أخطر، أبقى، أدوم، أكبر، مُهين، أليم، شديد، غليظ؛ مَن يُطيقه؟
(فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25ـ26]، كلُّ ما تصورت من أنواع الآلام والعذاب في الدنيا ما يساويه عذاب لحظة في الآخرة في شدتها وهولها.
وكيف وأنّه يدوم للكفار؟ ويستمر لفترات لغير الكفار؟ حتى أن آخرهم مَن يُعذَّب في النار مقدار سبعة آلاف سنة!! مَن يقدر على ذلك؟
مَن يقدر على ذلك؟! وهو في قلبه مثقال ذرة من إيمان يخرج بعد سبعة آلاف سنة، سبع أيام من أيام الآخرة، سبعة آلاف سنة من حساب الدنيا، ثم يخرج، مَن يقدر على دقيقة؟ وليس ألف سنة أو سبعة آلاف سنة دقيقة واحدة؟! فالعذاب هناك شديد، اللهم أجرنا مِن العذاب.
(وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ) أين عقلياتهم هؤلاء؟ مَن يستطيع أن يمنعهم من الله الذي أنزل هذا الكتاب على لسان نبيه وحذرهم هذا العذاب وأوعدهم به؟!
وهم في الدنيا يرون أنفسهم لايقدرون أن يَقلِبوا فوق تحت ولا تحت فوق، ولا أن يستغنوا عن الأكسجين كما رتب الله تعالى، ولا أن ينظروا بغير العيون، ولا أن يَسمعوا بغير الآذان -والأسماع الآلات التي أعطاهم- مقهورين تحت قهره.
فمن يَقيهم؟ إذا أراد بواحد منهم مرَض، مرِض، إذا أراد بواحد منهم حادِث، حدَث، سقطة سقطت إذا أراد بواحد منهم زلزلة في بلاده تزلزلت،لا يقدرون أن يمنعوه.
فمن الذي سَيَقيهم من الله؟!
هذا الكلام الذي تكلم به محمد عن هذا الإله وآيات هذا الإله أمامهم، لا يقدرون يحمون أنفسهم- فمن الذي سيقيهم من الله؟
(وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ)، فلا بد أن يصيبهم العذاب في الدنيا والآخرة، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) [التوبة: 55].
تفسير قوله تعالى: (۞ مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا ۖ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35))
يقول الله: (مَثلُ الْجَنَّةِ)، يعني وصْف الجنة، اسمع مني وصف الجنة للفريق الثاني؛ الذين آمنوا وصدَّقوا الرسل واتَّبعوا شرع الله، -اللهم اجعلنا منهم-، (مَثلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ)، الذين اتقوا غضب الله وسخطه:
بترك السيئات والذنوب والمُخالفات وما نهاهم الله عنه وما حرم عليهم في قلوبهم وأعضائهم، نيّة وقصدًا وفعلًا وقولًا ونظرًا وسمعًا وبصرًا وشمًّا وأكْلًا وملبسًا.
ما حرم عليهم تركوه؛ خوفًا منه، تعظيمًا له، وفعلوا ما أمرهم به؛ هؤلاء هم المتقون وُعدوا من قِبل مَن لا يُخلف الميعاد رب العباد -القادر القوي العظيم السّخي الغني- وُعِدوا بالجنة.
(مَثلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) -اللهم ألحقنا بالمتقين، واحشرنا مع المتقين، وأدخلنا إلى الجنة مع المتقين- (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) [ق:31]، يقول ربنا -جلَّ جلاله- قال:
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) هذا وَصفها، بساتين وأشجار ومَساكن.
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، (أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى) [محمد:15]، هذا ما حدَّثنا الله عنه في الجنة من الأنهار.
و(إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) [الانسان:5-6].
وقال: (يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) [المطففين:25-28]، (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) [الذاريات: 15].
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا)، أي:
ما يُؤكل فيها دائم مُستمر، ما ينقص منه شيء بل يزداد، ما ينقص أكل الجنة، هذا ما يمكن في الدنيا، شيء تأكل منه ما ينقص؟!
إذا أكلت ثمرة من ثمار الجنة نبت مكانها خير منها في نفس الوقت..!
إذا أكلت طيرًا من الطيور في الجنة -بعد أن تنتهي من أكلهِ- يطير مرة أخرى كما كان وأحسن.
وجاءنا في الحديث عنه ﷺ قال: "رأيتُ الجنةَ فهممت أن أقطف منها عُنقودًا -عنب- ولو أخذتُه لأكلتُم منه ما بَقِيَتِ الدنيا"، يبقى العنب هذا باقي إلى آخر الزمان، إلى أن تقوم الساعة ويرجع إلى الجنة مكانه؛ لأن:
الله جعل ما كوَّن في جنته مُمَدًّا بالبقاء بإبقائِه على الدوام.
فكل ما في الجنة، مكوَّنات الجنة جعل الله فيها وصف الدوام، وصف البقاء.
أنهارها أشْجارها قصُورها ذهبها فضّتها طيورها كلها خلقت بتكوين إلهي فيه إمداد بوصف الإبقاء والإدامة.
فهي باقية دائمة بإبقَائه تعالى، فلا شيء في الجنة يقبل الزوال
حتى أجسادنا نحن، لمَّا تُهيأ لدخول الجنة تُنشأ بتكوين آخر، من هذا التكوين الآخر:
أنّ البطون التي تستقبل الطعام في الجنة؛ إلى قوة مائة رجل من أهل الدنيا في الأكل مثلًا، لا مجال فيه بالتكوين لأن يتحول إلى أمعاء ولا أن يخرج منه شيء.
ولكن مُركبة هذه البطون تركيبًا أن يتحوّل فضلُ هذا الطعام إلى رشحٍ عرقٍ أطيب من ريح المسك، تكوينُ بطونِهم وتكوينُ المادة التي يأكلونها مكونة على هكذا، الله أكبر!.
فيأكلون وما لهم مِن فضَلات، لا يبُولون ولا يَمتخطون ولا يتغوطون ولا يخرج منهم دماء ولا أي قاذُورات ولا أي وسخ، أجساد مكونة بالطيب تنفح طيّبًا أبدًا، لا تَقبَل النّتن لايمكن أن تَنتَن، هكذا كونها -جلَّ جلال-، يُكوّن ما يشاء سبحانه تعالى.
كما كونك بهذا الحال وكونك وأنت نطفة ومن ثم تتغير يُغَييّر، قبل دخول الجنة تتغير أجساد الناس لتتناسَب مع ما في الجنة، وتُمَد بحياة أبديّة وصحة وعافية أبديّة، ونضارة أبديّة وشباب أبدي، بتَأبيد الله تعالى يُؤبّدها هكذا.
فإذا جلسوا في الجنة مليار من السنين، كم عمر الواحد فيها؟
ثلاثة وثلاثين سنة، يبقى ابن ثلاثة وثلاثين سنة حتى بعد مرور مائة مليار، ألف مليار من السنين، كم عمرك فيها؟ ثلاثة وثلاثين سنة.
تركيبَته تركيبة من يعيش في ثلاثة وثلاثين سنة فقط على طول -الله أكبر-، لا يضره مرور الزمان.
الأجساد في الدنيا مرور الزمان يؤثر عليه، يُقَلّبها من حال إلى حال، لكن الأجساد التي يكونها الحق للجنة؛ لايوجد فيها هذا التغيير، لا تتغير ولا تتبدل تبقى هكذا: "إنَّ لكم أن تَصِحُّوا فلا تسقَموا أبدًا، و إنَّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، و إنَّ لكم أن تشِبُّوا فلا تهرَموا أبدًا، و أنَّ لكم أن تنعَّموا فلا تبْأسوا أبدًا"، اللهم اجعلنا من أهل جنتك.
والذين لا يكوِّنهم هكذا، يكوِّنهم أجسادا كبيرة للعذاب في النار لا تموت أبدا، (لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ) [الأعلى:13]، ولكن تحترق كثير، تلتهب كثير، وتتألم كثير، وتتعذب كثير، حتى "أنّ غِلظ جلد الكافر يصلُ في بعضهم إلى مسيرة ثلاث، وأن ضرس الكافر يكون في النار كجبل أحد" -اللهم اجرنا من النار- سبحان المُكَون، سبحان المُقدِر والمُدَبر والمُصور، لا يعجزه شيء.
(مَثلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا) أين هذا يحصل في الدنيا؟ أكلها دائم، ما يُؤكل فيها دائم مستمر، لا يتعرّض لأزمة، لا يوجد انقطاع، لا يتعرض لمنع استيراد، هذه مصائب الدنيا لا توجد في الجنة (أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا) دائم، ليس هُناك شمس تنسخ الظل، ظلال دائم في حال جميل.
لأجل التشبيه وأن كان بعيد جدا؛ ما يمر بالناس من الوقت في خلال اليوم والليلة في الدنيا، إن أردنا نُشَبّه أقرب وقت نشبهه في وقت الجنة هو ما بين الصبح إلى طلوع الشمس؛ مع وقت اعتدال الهواء، هذا الوقت، وهو شبه بعيد جدا لكن هذا أقرب شيء من أوقات اليوم والليلة ذلك الوقت، وترى الضوء ما شاء الله، وكل شيء تراه، ولايوجد شمس، أي قبل طلوع الشمس؛ إسفار ونور.
وهناك نور أعظم وأجمل وأوفق للبصر وللسمع وللأجساد، الأجساد في الدنيا تحتاج إلى الشمس، تحتاج إلى القمر، تحتاج إلى الهواء هذا، لكن هناك أجساد مكونه مُتناسبة مع ذاك النور الساطع من دون شمس، من دون قمر، شمس وقمر هذه حاجات تصير حقيرة بالنسبة لنور الجنة، يتبعونها من كانوا يعبدونها ويرمون بها في النار (وَخَسَفَ الْقَمَرُ) [القيامة:8]، لكن النور الذي في الجنة؛ -الله أكبر- مُضيء مُشرق متناسب مع الأبصار، لا شيء زايد، لا شيء ناقص، لا شيء يؤذي، لا يضرّ، لا يغمِش، لا يُتعب، الله!! دار ضيافة الربّ يُضيّف -سبحانه وتعالى- "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت".
(أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا)، -اللهم اجعلنا من الأتقياء- فأَحسن ما تكسب في حياتك تقوى الله، وعِزة ربي -تعرف قدر الحلف بعزة الله- خير ساعاتك مَضت بك في الدنيا تتنعّم بها:
وقت كفّك عن محارم الله، إذا بُسطتْ لك وتَمكّنتَ منها فتركتها خوفًا منه وإجلالًا له.
الساعات التي اجتمع قلبك عليه فيها، فَذَهِلتَ عما سواه.
هذه السّاعات من أشرف ما يمر بك في الحياة، يترتب عليها:
أعظم النعيم في الجِنان.
وأعظم الرّضوان.
وأعظم النظر إلى وجه الله الكريم.
يترتب على هذه الساعات، (تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا):
فخير ما تكسب في الدنيا أن تُقيمَ صرح التّقوى وتشيّد مبناه.
ولا يهيج على التّقوى زرع قوم، (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ) [التوبة:108].
فاكسب التقوى وتشبَّه بالأتقياء والْحق بهم.
اتق الله في بصرك، اتق الله في بصرك، فذلك خير لك، و(عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا) هذا:
والبصر المُتقي لله تعالى أعدّ له أن ينظُر إلى عجائب مِن أزهار وأشجار وأنهار وقصور الجنة؛ النظر إليها مُدهش عجيب غريب يستلذّ به البصر، وتستلذّ به الروح، وهذا أطرف ما في الجنة.
ووراء ذلك لذائذ في رؤية وجوه الأصفياء، لذائذ في رؤية وجوه الإخوان: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) [الحجر:47]، لذة أعظم منها لمّا ترى وجوه المقربين والصّديقين.
والبصر قد أُعدّ في الآخرة، البصر ليس مثل هذا البصر؛ كونه الله تكوين على حسب ما كونه الله، يحاولون شيء يُعالَج، وشيء لا يُعالَج، شيء يقوى شيء يضعف.
لكن هناك البصر بتكوين آخر:
البصر في الجنة يرى معاني، لا مجرد الصور.
البصر في الجنة يرى معاني، يرى الغيبيات.
يرى حقائق ما كانت تُدرك في الدنيا، هناك تُرى وتُشاهد:
لما ترى وجه الولي أو النبي؛ ترى نور الولاية، معاني تبدو لك مِن هذا الوجه تتنعّم بها.
الصحابة وهم في الدنيا، يلتَذون بالنظر إلى وجه الحبيب:
حتى صار أهم عندهم من كل شيء.
حتى صار أهم عندهم من دخول الجنة، وقالوا: إذا دخلنا الجنة ولا نراه ما تنفعنا الجنة.
وهم في الدنيا يقولون كذلك، -الله أكبر- لما يصافحونه ولما يشاهدونه، هذا أمر أمر آخر، وفوق ذلك كله يفسح لك النظر إلى وجهه الكريم..!! الله الله الله الله، ما لا يُكيَّف، ما لا يوصف (أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا)؛ فاكسب التقوى، فهذا عُقبى المتقين.
(وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) ما دام عُقباهم النار، أيغرّك أموالهم؟ تغرك قصورهم؟ تغرك أجهزتهم؟
عقباهم النار، مَن مات منهم على هذا الكفر وقد بلغته الدعوة؛ فآخرته: نار موقدة تطّلع على الأفئدة، (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) [النساء:56].
فماذا يعجبك فيهم؟ تغتر بأي شئ عندهم يا هذا؟
اعقل، فالعُقبى والمستقبل الكبير هو هذا لا غيره، والله، لا غيره لا غيره لا غيره؛ (تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ۖ وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ)، اللهم أجرنا من النار.
تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ۚ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36))
(وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) فالمؤمنون من الصحابة الأكرمين، وكذلك مَن أُكرم بالإنصاف من اليهود والنصارى، يعلمون صدق محمد ويفرحون بما يَنزل عليه من القرآن.
وكيف لا نفرح به؟
هو كلام ربنا لنا، خِطاب خالقنا إيانا، ونوره النازل علينا وروح من أمره، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
يجب أن نفرح بالقرآن، نفرح بما أوحي إلى حبيب الرحمن، ونتصل بذلك؛ فهمًا وعِلمًا وذوقًا واتصَالًا؛ قلبيّا، روحيا، سرّيا، بما أوحي إلى حبيب الرحمن.
يجب علينا ذلك..
فانهضوا، فانهضوا لتدركوا هذه الحظوظ الغالية، تُدرَك في هذه الدنيا، وما زينة الدنيا إلا هذا، تُدرَك حظوظ غالية خيراتها باقية دائمة.
فانهض بعزيمتك واتصل بوحي ربك وما أنزل على محمد.
ويأتي معنا الكلام إن شاء الله على هذه المعاني البديعة لهذه الآيات الشّريفة الرّفيعة المُنيرة المطهّرة المرقية المزكية المنقية المقربة المحببة الشّارحة للصدور والمنورة للبَصيرة والمُصفّية للسرائر؛ آيات ربي جلَّ جلاله.
رَبَطنا الله بالقرآن وبمن أُنزل عليه، ووفّر حظنا منه يارب، وفّر حظنا من كل سورة، وفِّر حظنا من كل آية، وفّر حظنا من كل كلمة من كلمات القرآن، وفّر حظنا من كل حرف من حروف القرآن، يا رحمن.. يا رحمن.
وفي سرِّ الاتصال بالقرآن جاءنا: "من أوتيَ القرآن فرأى أن غيره أوتي خيرا منه فقد ظلم وقد كفر بنعمة الله عليه"
لا إله إلا الله، لا شيء مثل كلام ربنا -جلَّ جلاله- فالله يوفر حظنا منه:
أما وجوده في المصاحف وفي الرفوف وفي بعض الأذهان وعلى اللسان موجود.
لكن ما هي هذه الصّلة المطلوبة بالقرآن:
صِلة القلوب والأرواح والأسرار بالقرآن.
تذوُّق لمَعانيه لارتِقاء مَراقيه؛ هذا هو المطلوب..
"إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ به آخَرِينَ".
"مَن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار".
للهم اجعلنا من أهل القرآن وارفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن واحشرنا في زمرة أهل القرآن، يا منزّل القرآن برحمتك يا أرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي، اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
11 ربيع الثاني 1443