تفسير سورة الرعد - 1 - من أول السورة

تفسير سورة الرعد، من قوله تعالى: {المر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ۗ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ..)، الآية: 1
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سوالرعد، من قوله تعالى:

﷽

(المر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ۗ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • مقدمة وافتتاحية بتأمل سورة الرعد.
  • إعجاز الحروف المقطعة ودلالاتها في أول السورة.
  • بيان أن ما أُنزل على النبي ﷺ هو الحق المطلق.
  • أمنية الرسل ومكائد الشيطان وعلّة كفر المعاندين.
  • دلالة خلق السماوات ورفعها على قدرة الخالق ووحدانيته.
  • الاستواء وتدبير الأمر وتسخير الشمس والقمر.
  • آيات الأرض والرواسي والأنهار.

نص الدرس:

الحمدلله، الحمدلله مُكرِمنا بالوحي والتنزيل وبلاغ النبي الجليل، اللهم أدم صلواتك على عبدك الهادي إلى أقوم سبيل سيدنا محمد وعلى آله وصحبه خير جيل، وعلى من والاهم فيك واتبعهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين رفعت لهم القدر والشأن، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وملائكتك المُقرَّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

وبعدُ،،

 فإنَّنا في تأمُّل كلام ربنا -جلّ جلاله- انتهينا إلى أول سورةِ الرعد، وهو آيةٌ من آياتِ الله -تبارك وتعالى- يُحدِثُها، وحالهُ كما قال: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ (13)). 

 

تفسير قوله تعالى: (المر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ۗ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1))

يقول جلّ جلاله: 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ، (الٓمٓرۚ). 

وهكذا وجدنا الرحمن يبتدئ بعض السور بحروف مُقطَّعةٍ، وعلِمنا أنه لا يُحيط بها كبقيَّة آيات القرآن وبعِلمها إلا هو، وأنّ من أهل العلم من أخذ فيها إشارات، وأنها أسماء لهذه السور؛ فهي بها مُسمَّيات، وأنها تدل دلالات، كلٌ منهم حدَّث عن شيء مما وصل إليه: 

  • وعن ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنهما، وقد دعا له نبينا ﷺ بتعليم تأويل القرآن "وعلِّمه تأويل الكتاب" "اللهم فقًَّههُ في الدينِ، وعلِّمْهُ التأويلَ"، قال في معنى (الٓمٓر): أنا الله أعْلَمُ وَأَرَى، فأشار: 
    • بالألف إلى قوله أنا. 
    • وباللامِ إلى اسم الجلالة. 
    • وبالميمِ إلى أعْلَم. 
    • والراء إلى أَرَى، أنا الله أعلم وأرى، (الٓمٓرۚ). 
  • ثم قال بعض أهل المعرفة: يُخاطبَ بها نبيه ﷺ. 
  • وقال بعضهم: وجَّه الخطاب بها إلى المؤمنين. 
  • وكل سورة ابتُدئت بأحرف؛ فالأحرف المذكورة في أول السورة هي المُتكررة بكثرة في تلك السورة، لا يفوقها غيرها من الأحرف في تكرارها، مما وجد ذلك؛ والحِكمة عند الله -جلَّ جلاله- وهو أعلم.

وكان من جملة الدلالات فيها أنّ النبي الأمي يُفرِّق بين (أَلَمْ) و (الٓمٓ)، وهو لا يقرأ ولا يكتب.. 

  • ويقرأ: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) [الفيل:1]. 
  • ويقرأ: (الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم) [آل عمران:1-2]. 
  • ويقرأ: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة:1-2]. 
  • ويقرأ: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ) [الروم:1-2] ﷺ. 

ومن العجيب أنها أُنزلت هكذا، وتلاها ﷺ وتلقَّاها الصحابة، وسمعها غير الصحابة، ودُهِشوا بمعاني ما خُوطِبُوا به، ولم يسأل منهم أحدٌ عن معنى هذا، لم يتساءل الكفار الذين يسمعون القرآن ولا أحد من الصحابة، قال للنبي ﷺ ما (كهيعص) [مريم:1]،؟ ما (حمَ * عَسَقَ) [الشورى:1-2]؟ ما (الم) هذه؟ ﷺ، ودُهشوا بالمعاني التي تلاها عليهم، ووقفوا يقرأونها كما تلاها عليهم صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

(المر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ)، (تِلْكَ) هذه السورةُ المُشرَّفة (آيَاتُ الْكِتَابِ) أي آيات من الكتاب؛ وهو القرآن، (وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ) هذه السورة وجميع ما أُنزل إليك من القرآن (مِن رَّبِّكَ)، (أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ)، -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. (أُنزِلَ)؛ جاء بهذا اللفظ؛ لتعظيم المُنزِل وأنه معلوم. ثم قال له: (مِن رَّبِّكَ) جاء بإسم الربوبية وأضافهُ إلى الكاف للخطابِ للمصطفى محمد. 

(وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ)، هذه آيات من الكتاب، كل (وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ)، أي هو الحق:

  • (وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ)، فهو مُبتدأ، (إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ). 
  • والخبر هو (الْحَقُّ)، أي الواقع البيِّن الصريح، فما خالفه فهو باطل. 

(وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1))؛ لا يؤمنون بالحقِ لسوء استعمالهم لعقولهم، لسوء نظرهم في تأمُّل الأمر، وهو واضحٌ بيِّن لمن هداه الله تبارك وتعالى، (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1))،

اللهم ارزقنا كمال الإيمان وزدنا إيمان، في كل لمحةٍ ونفسٍ يا كريمُ يا منّان. وقال: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) [الأنفال:2]، (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) [محمد:17]. 

(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ)، هذا الوحي الذي أنزلناه إليك وهو الجدير بأن يُسمَّى بالكتاب، وقد أنزل الله كُتباً كثيرَة، ولكنّ هذا آخر الكُتُب وأعظمها، ومصدقاً لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليه، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) [ المائدة:48]، (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ  ۗ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ ..(1)). 

 (الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ ..(1))، هو الحق الصريح الواضِح البيِّن، قال عبد الله بن سلام: لمَّا نظرتُ إلى وجه رسول الله، علِمتُ أنه ليس بوجه كذَّاب. الحق بائن في وجهه الكريم، وفي لفظه القويم، وفي صراطهِ المُستقيم، وفي التنزيل العظيم الذي أنزل عليه؛ (وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ ..(1)) حملت هذه الكلمات تعظيم القرآن، وتعظيم مُنزِله، وتعظيم من أنزَلهُ عليه، وقال له: (مِن رَّبِّكَ) وأضاف الربوبية إليه، لمكانته عند الربّ التي لم ينزلها غيره صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

حتى قال لنا في الآية الأخرى عن إيمان المؤمنين من الأمم قبلنا، بما أنزل الله من الوحي على أنبيائهم. ويقول سبحانه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [الحج:52]؛ ليجعل ما يلقي الشيطان، يعني كلما جاء رسول من الله إلى الخلق بوحي الله -تبارك وتعالى-، يُلْقِي الشَّيْطَانُ في أمنيته.

وأمنية كل رسول أن يؤمنوا ويهتدوا إلى الحق ويعرفُوا الحقيقة ويستمسكوا بالعروة الوثيقة، ويدخلون إلى الجنة؛ هذه أمنية كل رسول. (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)، يقول لهم لا تُصدِّقونه، ليس هذا هو الحق، هذا بشر مثلكم؛ يوسوس لهم: (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) [الحج:52]، من قلوب الذين سبق لهم الخير بالإيمان وسبقت لهم السابقة بالتصديق.

(ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ) [الحج:52-54]، قال من أين؟ قال: مِن رَّبِّكَ. فربك هو نزَّلَ القرآن، قال: (وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ)، والمؤمنين من قبلك في الأمم السابقة يعلمون (أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ) [الحج:54]، ذكرالربوبية له صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، في إيمان المؤمنين في الأمم السابقة بالوحي الذي نزل على أنبيائهم، قال سبحانه وتعالى: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) [الحج:54]

فسريان الإيمان في قلوبهم من ربِّ محمد ﷺ، ولِمَ ذكره في هذا؟ لأنه السبب في رحمة الله لخلقه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. والذين انطوى الأنبياء تحت رايته وظِلِّه -صلّى الله عليه وعلى صحبه وسلم-. 

(وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1))، للغَبش الذي على بواطنهم، وعقولهم، وقلوبهم، وأفكارهم، ولغلبة شهواتهم ونفوسهم عليهم، ولسوء استخدامهم لما آتيناهم من أسماع، وأبصار، وعقول، فبكل ذلك مالَوا إلى الكفر وإلى الجحود وإلى العناد -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. 

وهكذا يقول لنا بعض الأخيار في وسط المؤمنين أنفسهم -المسلمين-، يقول قائلٌ لذاك: أعلمُ أنّ ما تدعُو إليه خير، وأنا أُناقضك وأدعُ إلى الغير؛ لأنك أنت ليس لديك فلوس تُعطيني إياها، قال له: وفيما تقوم به من دعوة تعلم أنك على كذِب، قال: نعم من صدق الكذب، هو أدرى بنفسه، أنا أُريد الفلوس فقط، أريد الفلوس، سأتكلم وأخطب من أجل الفلوس، وأنا أعلم أنه باطل. 

وكذلك شأن أكثر الناس في هذه، من يغلب عليهم شهواتهم وهواهم يُكذِّبون والحق صريح، حتى أبو جهل، فرعون هذه الأمة، رأس من رؤوس الكفر بباطِنه؛ يعلم أن محمد رسول الله صادِق ناطِقٌ بالحق؛ وعاند وكابر وكذَّب وصرَّح بذلك كما جاء -لا إله إلا الله-. 

(أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ)، اتباع شهواتهم وأهوائهم. (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ)، فالحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان، اللهم كما أنعمت علينا بالإسلام فزدنا منهُ، وكما أنعمت علينا بالإيمان فزدنا منهُ، وكما أنعمت علينا بالعافية فزدنا منها، وكما أنعمت علينا بالعمر فبارك لنا فيه، (ولكن أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ (1)) فالحمد لله على نعمة الإيمان، اللهم زدنا إيمانا في كل لمحة وفي كل نفس.

 

تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2))

يقول الحق تبارك وتعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)، شغِّلوا عقولكم، حرِّكوا قلوبكم، استفيدُوا من أسماعكم، وأبصاركم،؛ من الذي رفع السماوات؛ حزب من منكم؟ حكومة من منكم؟ جامعة من منكم، آلهة من منكم؟ غير الله تعالى؟! 

يا عبدة الشمس! يا عبدة القمر! يا عبدة الأصنام! من رفع السماء؟! هاتوا تفسير لرفع السماوات؟! الله الذي (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ) أي كوَّنها مُرتفِعة، خلقها مرتفعة، ليست كانت منخفضة ثم رفعها، (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ) كما يقولون: كَبَّر الفيل وصَغَّر النملة، لم يكن الفيل صغير ثم كبَّره، والنملة ما كانت كبيرة فصغرت وما إلى ذلك، يعني خلقها صغيرة، وخلق الفيل كبير. 

(رَفَعَ السَّمَاوَاتِ )، يعني خلقها مرتفعة -الله أكبر- كوَّنها رفيعة. (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ) نريد أن نعرف من رفع السماوات! وهذه مُهمَّة كبيرة، سماوات فوقِي عظيمة، ولا أدري من رفعها! فأنا إذا مشيت تحتها ولا أعرف من رفعها! من أجهل الجهال! 

  • (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ)،  من غير عُمُدٍ، من غير أركان، من غير قوائم تقوم عليها.
  • (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) أي لا شيء من الأعمدة قطُ يمكن أن يُرى، أما القُدرة والإرادة الربانية فأمرٌ لا يُرى بالأعين؛ وبقدرته ارتفعت. إذا جُعِل ترونها إلى العمد، وإذا جُعِل ترونها إلى السماوات، هذه أمام أعينكم ترونها. 
  • (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)، ترون السماوات، ما على فوقكم من التكوين البديع؛ لأن السماء يُطلق على كل ما ارتفع، وأمّا عين السماوات السبع لا تصل أبصارنا إليها، ولكن الفضاء الذي فوقنا سماء، و(رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)؛ (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف:185] .

تأمَّل .. انظر.. وقل من هذا الذي كوَّن هذا؟ وسنة كم تكوَّن؟ وكيف تكوَّن؟ هل يتكَّون مُتكوِّن من غير مُكوِّن؟ كيف يكون؟ -لا إله إلا الله-. ستصف بالبلادة والبلاهة، من قال لك إنّ القلم من غير صانع صُنع! والخاتم هذا لا أحد صنعه، من نفسه تكوَّن! من أين؟ فأنت مجنون، ما صدَّقت في خاتم وقلم! وتأتي للسماوات وتقول كذا تكوَّنت! أنت أجنُّ المجانين إذاً، إذا هذا مجنون فأنت ألف مجنون.

فهكذا يفعل المُلحدون يتجننون ويأتون يقولون: تجنّنا. واذا تجنّنتوا، ماذا عليٍّ منكم؟ تريدونني أن أتجنن مثلكم؟! يقولون: الأمر لا يدخل في العقل، لا يوجد إله! والخلق هذا كله من أين؟ أخبرني من الذي كوّن السماوات؟ كيف رُفِعت؟ 

(أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) [الغاشية:17-20]، يقول: (ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ) -جلّ جلاله وتعالى في علاه-، وهو هذا الجسم الهائل الكبير أعظم ما خلق -جلّ جلاله-، جعله مُحيط ببقية المصنوعات، الكائنات، الأجسام المخلوقة كلها. العرش، (ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ)؛ استواءً يليق بجلاله، لم يُكلِّفنا بتحديد معناه -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. 

ومن المعاني الصحيحة أنه يُستعمل هذا الاستواء، أنّهُ مِن على ما يستوي الملوك عليه من أسِرَّة وعروش يُدبِّرون شؤون مملكتهم، فهل أناط الله تدبير هذه الكائنات بالعرش المصون؟! وجعل الأمر يتنزَّل من هناك إلى الملائكة، إلى الكائنات ويُوحي إلى الكائنات والمخلوقات، وجعل مناط التدبير بها مُعلَّقاً بذلك؟ 

كل ذلك ممكن؛ القصدُ أنه لا يمكن أن يوصف الحق -سبحانه وتعالى- بمشابهة الخلق ولا بشيء حادث ولا بجسمٍ ولا بمماسَّةٍ ولا استقرار أصلاً قط؛ فهذا مُتناقِض مع القرآن:

  • قال: (اللَّهَ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص:2-4].
  • يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11].
  • (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) [الزمر:67] جلّ جلاله. 

إذاً هذا التصور ممنوع عن الاستواء و عن غيره من كل صفات الحق جلّ جلاله، فالمعنى الذي أراده والوجه الذي قاله حقٌ وصدقٌ ولا مرْية ولا ريب ولا شك.

(ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ):

  •  سخَّر الشمس والقمر تسخيراً منهُ جلّ جلاله؛ ينتفع منه الإنسان والنبات والحيوان.
  • (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)، والبر والبحر لها فوائد من الشمس والقمر بتسخير خالق الشمس والقمر.
    • ومَن الذي كوَّن الشمس؟ 
    • ومن الذي كوَّن القمر؟ 
    • ومن الذي سخَّرها؟ 
    • ومن الذي جعلها تجري (لِأَجَلٍ مُّسَمًّى)؟ 

قال سبحانه وتعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى)، كيف تم هذا؟ 

(كُلٌّ يَجْرِي) من الشمس والقمر، (لِأَجَلٖ مُّسَمّٗى)؛ مكان جريانه، وقوة جريانه، وحُدود الجريان الذي تكوَّن منه خلال اليوم والليلة، والنهاية للجريان عندما تُكوَّرُ الشمس ويُخسف القمر في يوم القيامة، كلٌ له أجل مسمَّى لا تتجاوزه ولا تتعدَّاه. يا من لم يعرف عظمة الإله والإيمان به، تصرَّفُوا في الشمس، تصرَّفُوا في القمر بدِّلوها، غيِّروها، قدِّموها، أخِّروها، أغنونا عنها، ائْتُوا لنا غيرها، ماذا بكم يا مُقهورون .. يا مخلوقون، تحت حُكم محكومون، من الذي سخَّر الشمس والقمر؟ 

لا يقدر أحد؛ لا هيئات ولا أحزاب ولا دول ولا تكنولوجيا.. لا تُقدِّم ولا تُؤخِّر ولا سخَّرت ولا تُسخِّر، وإذا تسلَّطت عليها لعِبت بها. لا تقدر تدنُو من هذه الشمس، ولا أبصارهم ولا أنظارهم، لا إله إلا الله. 

(وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى)، سمَّاهُ الله ورتَّبه وقدَّره، (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [يس:38] جلّ جلاله. 

ما هذا النظام؟ ما هذا الإبداع؟ ما هذا الترتيب؟ ما هذا التدبير؟ 

  • (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ): يُقدِّم يُؤخِّر، يُحيي يميت، يرفع يخفض، يُعِز يُذِل، يهدي يُضِل، يعطي يمنع، -الله أكبر- يدبِّرُ الأمر. 
  • (يُفَصِّلُ) الآيات لكم لتنظروا وتتأمَّلوا وتوقنوا، (لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2))، ويذهب عنكم الشك والوهم والظن، وتوقنون أن هذا الذي كوَّن الكون، خلقكم وإليه مرجعكم ولابُد من لقائه -جلّ جلاله-. 

 

 تفسير قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)) 

(لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ)، هذا فوق وهذا عندكم في الأرض تعيشون عليها، (مَدَّ الْأَرْضَ) بسطها (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ) جبال قويَّة ترسو، معناه تُثبِّت وتستقر عليها، فاستقرار الجسم الضخم الكبير يقال له: رُسُو، وجعل لها رواسي -جلّ جلاله- (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا)، (رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا)، وضع الأنهار بجانب الرواسي؛ لأن هذا التكوين للجبال هو سبب ظُهور الأنهار على ظهر الأرض، فتتجمع تلك المياه في رؤوس الجبال وتنصب بها، ثم تخدُّ لها خدودًا في الأرض ومجاري فتتكون الأنهار، (رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا) جلَّ جلاله وتعالى في علاه. (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖوَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ  ..(3))، وخذ لك آيات بدائع وغرائب نعيش فيها كل يوم وننسى المُكوِّن -جلّ جلاله-. 

أيقظ الله قلوبنا وهيِّأنا للاستعداد للقاء مُكوِّننا، اللهم ارزقنا حُسن الاستِعداد والتزوُّد بأشرف زاد، وارفع عنَّا الضُرَّ والفساد، واجعلنا عندك في خيار العباد، وزدنا إيمانًا ويقينًا في كل شأن، ياكريم ويا رحمن يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين. 

بسر الفاتحة

 إلى حضرة النبي محمّد اللهم صلِّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه

 الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

10 مُحرَّم 1443

تاريخ النشر الميلادي

18 أغسطس 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام