(637)
(486)
(369)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الأنعام، من قوله تعالى:
﷽
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2))
الحمدُ لله مُكْرِمِنا بالنور، مُزيلِ الدَّيْجور، لهُ الحمد في جميعِ الأمور، في كل بُطونٍ وظُهور، أَنْعِمْ وأَكْرِمْ به من عزيزٍ غفورٍ وبَرٍّ شكور، أرسل إلينا بدرَ البدور، وخيرَ أهلِ الخُيور، محمدًا المصطفى، محمدًا المصطفى المُجتبى، مَن جاءنا عن اللهِ بالنَّبَا، صلّى الله وسلّم وبارك عليه أبدًا سرمدا، وعلى آلهِ مصابيحِ الهدى، وصحابتهِ الأكرمين، ومَن بهديهم اقتدى، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أمَّا بعدُ،،،
فإننا وصلنا في تأملِ معاني كلامِ ربنا وشريفِ خطابه إلى أولِ سورةِ الأنعام، وهي سورةٌ مكية فيها ستُ آياتٍ مدنية، وعامتُها مكية:
وكان إذا نزلت آياتٌ من القرآن قال ﷺ: "ضعوها في موضع كذا من سورة كذا"، فلم تزل تُجّمَع آيات السور كل آيةٍ في ما حتى كَمُلَ نزول القرآن. وكان آخر ما نزل عليهِ قبل وفاتهِ بتسع ليالٍ قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) -وفي قراءةٍ: (تَرْجِعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)- (ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [البقرة:281]، فقال: "ضعوها في موضع كذا من سورة البقرة، بعد آيةِ كذا، قبل آيةِ كذا"، وتَمَّ بذلك ترتيبُ القرآنِ الكريم، بتوقيفِ الله على يدي ولسانِ حبيبه سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
هذهِ السورةُ الكريمة:
سورةُ الأنعام: سورةٌ مكيةٌ شريفة، افتتحها الله تبارك وتعالى بعد البسملة بالحمد، وهي ثاني سورةٍ في القرآن افتُتحت بالحمد:
المجموع خمس سُوَر، أولهنَّ سورةُ الفاتحة، ثم جاءت هذهِ السُوَر.
كلُّها تحميدات متفرعة عن الحمد الشامل الكامل الذي في سورة الفاتحة؛ فهي أم القران، أم القرآن.
تفسير قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1))
والحمدُ شأنه عظيم؛ قال نبينا الكريم: "والحَمدُ للَّهِ تَملأُ الميزانَ".
يقولُ الحقُُّ تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ):
وجاء بلفظ الخبر، لحِكَم؛ منها أن يعلمنا الحمدَ بمعناه ولفظه وصيغته:
وأمرٌ آخر: أنّ الله تبارك وتعالى تولى حمدَ نفسهِ بنفسه:
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، والحمدُ ياتي أخصُّ من المدحُ: فالمدحُ يتناول ما لهُ فعلٌ واختيار وما ليس له فعلٌ واختيار؛ فيقال: مُدِحَتِ اللؤلؤةُ على حُسنها مثلًا، وليس لها فعلٌ و لا اختيار، ولا يقال: حُمِدَتِ اللؤلؤة. لكن ما كان لهُ فعلٌ واختيار يقال: حُمِدَ فلانٌ على ما فعلهُ مختارًا وقَدَّمَهُ من الخير.
ووراء الحمدِ الشكر؛ فهو يكون مخصوصًا بتعظيمِ إنعامٍ وَصَلَ إلى الشاكرِ نفسه؛ لكن الحمد أشمل من ذلك؛ فلهذا كان الأنسب والأرحب؛ اختيار لفظ الحمد، وكم في هذا من معانٍ!
ولا ينطلقُ الحمدُ إلى غيرهِ؛ إلا على سبيل المجاز فقط، فإنّ كُّلَ إحسانٍ وصل على يدي شيءٍ من الكائنات إليك، فما كان إلا:
ذلك الذي أُحْسِنَ به إليك، فكأنهُ لا مُحسِنَ في الحقيقةِ إلا الله، وهو كذلك، إنَّما الإحسانُ لله ومن الله.
ثم إنَّ كل مخلوقٍ لا يُحْسِن؛ إلا وفي إحسانه منفعةٌ له، ظاهرة أو باطنة:
حتى لو أنّ إنسانًا رَحِمَ آخَرَ ضعيفًا، أو حيوانًا متألمًا، فقام بالإحسان إليه، فإنّهُ يجد في قلبهِ من الرِّقّةِ والرحمة ألمًا لحالة ذلك المكروب أو المريض، ثم يجدُّ من العطفِ عليه، والإحسان إليه، إطفاءً لِغُلَواءِ الألم الذي فيه؛ فانّتفع هو الذي قام بالإحسان، نَفَعَ نفسه وأحسن إلى نفسه بأي نفعٍ يَنفعُ به الآخرين. وقد يكون الأمر واضحًا في أنه ينفع الآخر ويُحسن إليه لتحصيل غرضٍ من الأغراض، هذا ما أكثرهً بين البشر، ولكن قد يَبْطُن هذا المعنى فيصل إلى هذا الحد الذي شرحناه. فتبين أنَّ العباد مهما أحسنوا فإحسانهم منوطٌ بشيءٍ راجعٍ إليهم.
والمخلصون الأكابر؛ رجع منفعةُ إحسانهم لمَّا قَصَدوا به وجه الله وتيقنوا أنّ إحسانهم يرضي مولاهم، فاستفادوا الفوائد الكبرى؛ نعم تخلوا عن الأغراض الدَّنِيّة والمقاصد والمرادات الفانية، لكن استفادوا من وراء هذا الإحسان ما هو أكبر من ذلك، فأحسنوا إلى أنْفسهم أيضًا. لكن المُحسن الذي يُعطيك، ولا فائدة له منك، ولا شيء يرجع إليه أصلًا منك؛ هو الله.
فالحمدُ لله، الحمدُ لله! تَعَلَّقْ بحمدِ ربك، واشكرهُ واحمدهُ بكرةً وأصيلاً. ولما صلى ﷺ مرةً، فجاء أعرابي كما جاء في صحيح مسلم، فأحرم وراء النبي: "اللهُ أكبَرُ كَبيرًا، والحَمدُ للَّهِ كَثيرًا، وسُبحانَ اللهِ بُكرةً وأصيلًا"، وهذه سُمِعَت من الأعرابي قبل أن تُسمع من النبي، وقبل أن تكون معروفة بين الصحابة، فلمَّا سلَّم ﷺ قال: "مَن القائل؟" قالوا: هذا يا رسول الله. قال: "أنا قلت يارسول الله، وما أردتُ إلا الخير". قال: "لقد عجبتُ لها، لقد فُتِحَت لها أبواب السماء!" كلماتٌ فُتِحَت لها أبواب السماء، حتى قال ابن عمر: فلم أتركهنّ منذ سمعتُ رسول الله يقول ذلك. ثم سُمِعَ منه ﷺ بنفسه يقرأ ذلك، ويقول: "اللهُ أكبَرُ كَبيرًا، والحَمدُ للَّهِ كَثيرًا، وسُبحانَ اللهِ بُكرةً وأصيلًا، والحمد لله كثيرًا".
والآخر كما جاء في الصحيح أيضًا، أنهُ لمَّا رفع النبي رأسه من الركوع قال: "رَبَّنا ولَكَ الحَمدُ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه"، فلمَّا سلّم النبي قال: "مَن القائل؟" قالوا: هذا الأعرابي يا رسول الله. قال: "رَأيتُ بضعةً وثَلاثينَ مَلَكًا يَبتَدِرونَها أيُّهم يَكتُبُها أوَّلُ"، تبادروا إلى كتابتها، ثم كان النبي بنفسه يأتي بهذه الكلمات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
حتى لمَّا أورد الشيخ ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري هذا الحديث، قال: الحديث دليلٌ على جواز إحداثِ ذِكرٍ وعلى الجهر به؛ فإن الذِّكر أحدثهُ الأعرابي، ولم يُنكِر عليه ﷺ إحداثًَا كما هو معلوم في سنتهِ الكريمة عليه الصلاة والسلام.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ)! يجب أن نحمد الله، وخصوصًا في شهر ذِكرِ محمد:
الحمدُ لِلَّهِ على نعمةِ محمد بن عبد الله، وهي أصلُ النعم المندرجة فيها جميعًا.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ)! يقول ربكم؛ اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد. لك الحمدُ بما حمدتَ به نفسك، لك الحمدُ بما حمِّدك بهِ نبيك محمد، ولك الحمدُ بما حمِّدك به الأنبياء والمرسلون، والملائكة المقربون، وعبادك الصالحون. ولك الحمدُ كما أنت أهله، وبما أنت أهله، في كل لحظةٍ ونَفَس، عدد خلقك، ورضا نفسك، وزنة عرشك، ومداد كلماتك؛ (الْحَمْدُ لِلَّهِ)!.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)؛ وأشار إلى هذين؛ لأنَّهما مَجْلى مظاهر التكوينِ والخلّق، ويدركهما العباد بمختلفِ أصنافهم، وأمَّا ما احتوت عليه الأرض، وما احتوت عليه السماء، وما بين السماء والأرض، فلا يحيط به محيطٌ من إنسٍ ولا جنٍّ ولا ملائكة، وإنَّما يعلمُ كلٌّ منهم ما أطلعهُ الله عليه؛ قال تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذاريات:47].
وانظر! كم تستمر الاكتشافات في شؤون الأرض نفسها، وطبقاتها، وما فيها من معادن، من دونِ انقطاع؛ كلمَّا اكتُشِفَ شيءٌ يُكْتَشَفُ آخر، وكذلك بَرّها وبحرها وجبالها، وكم في الفضاء يكتشفون إلى حدودٍ محدودة، والآن لا يزالون يتحدثون عن أن هناك مجموعة شمسية أخرى غير هذهِ المجموعة، غير هذهِ الشمس التي تشرق علينا ونراها على ظهرِ الأرض، بملايين من الكواكب هناك، وعجائب من قدرةِ الخلّاق: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت:53]! كما بين السماء والأرض من عجائب! فكيف السماء بعد ذلك؟! ومن سماءٍ إلى سماء إلى السماء السابعة، وعرشُ الرحمن محيطٌ بكل ذلك جلَّ جلاله!.
فما أعظم مملَّكة الله! فمَن ذا يَحِقُّ أن يُسمّى مَلِكًا؟!
واحد أخذ له كم شبار من الأرض يسمونه مَلِكًا! ولو مَلَكَ الأرضَ كلُّها ما كان حَقُّه أن يُسمّى مَلِكًا؛ أين هو من القمر، أقرب الكواكب لينا، يحكم ماذا فيها؟! وأين هو من بقية المجموعة الشمسية؟! وأين هو ممَّا بين السماء والأرض؟! لا تَبْعُدْ بعيد: أين هو من عروقه! لا يستطيع أن يحكمها؟! أين هو من دورتهِ الدموية لا يستطيع أن يُجريها بنفسه؟!
المُلكُ الله! المُلكُ الله! فمَّا أجهلَ العباد بهذا! (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ) [عبس:17-19]، كما سيذكر لنا في الآية سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ..(2))؛ فتأملوا، لا تترفعوا، لا تتجاوزوا حَدَّكم، لا تخرجوا عن قَدْرِكم وواجبكم، يا أيها المخلوقون!
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)؛ وجعل الأرضَ قرارنا، ومستقرنا، وموطننا، وفيها أسرارُ الخلافةِ عنه؛ فلهُ الحمد؛ ولذا ابتدأنا من الأرض لمَّا أراد تكوين الأجساد. ويُروى أنَّ الله سبحانه وتعالى، لمَّا أراد أنَّ يأخذ قبضةً من الطين؛ فيُكَوِّنَ منها جسدَ آدم لتتفرع منه الأجساد:
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)؛ فجعل مستقر الخلافة لنا عن الله على ظهرِ هذه الأرض؛ فنحنُ -مهما كانت الأرض مُنَغَّصَةً معيشتُها بأنواع الغُصَص- نحنُ في فرصةٍ من أشرف الفرص أن نتشرف بالقيام بهذه الخلافة على ظهرِ هذه الأرض، فنغنم أيامًا نكون على ظهر الأرض، نتصل برب السماء والأرض، مُهتدين بهدي سيدِ أهلِ السماء والأرض؛ فنفوز في الدنيا ويوم العَرْض.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) وزوّدها بكلِّ ما نحتاجه، جلَّ جلاله وتعالى فِي عُلًاه: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان:2].
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)؛ فكيف ينبغي أنَّ يلهيك شيءٌ في السماوات والأرض عنه، أويوقعك في معصيته؟!
أيها المؤمن، لا يليق بك أن تقف مع شيءٍ ممَّا في الأرض فتعصي خالق الأرض!
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)، أصناف وأنواع:
نسألك النور! نَوِّرْنا يا نور، يا نور السماوات والأرض، يا أرحم الراحمين!
(وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) ليلًا ونهارًا، جهلًا وعلمًا، إيمانًا وكفرًا.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)، وفيها أيضًا استمراريةٌ للظلماتِ لأهلها، وللنورِ لأهله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) [البقرة:257].
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ):
جعلنا الله وإياكم من أهل النور، وأنتم في ذكرى ميلاد النور، المخاطَب بقول عمه العباس:
وأنتَ لمّا وُلِدتَ أشرقتِ الأرْ *** ضُ وضاءتْ بنورك الأُفُقُ
نوّرنا الله بهذا النور.
(وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)؛ وبعد أنَّ تفرّد هذا الإله، الذي لم يشاركه أحد في خلق السماوات ولا الأرض ولا ما بينهما، وجعل الظلمات والنور، يأتي قومٌ من الخَلْقِ، خَلَقَهُم من العدم ثم يَعْدِلون بربهم شيئًا غيره، ويعبدون سواه ويشركون به! فيقول: اعجبوا أيها المؤمنون، يا من أدركتم الحقيقة، تعجبوا معي على مَن انحرف عن النور، وانصرف عن حقائق الأمور! فتعجبوا فيهم.
ثم بعد هذا كله، بعد هذه الآياتٍ البدائع، وبعد هذا الجميل والصنائع، وبعد هذا الخلْق من الإله الرافع، يأتي من يَدّعي معه إلهًا آخر! ويُشرك به! (بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)):
(ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)؛ من المشركين، ومن أهلِ الكتاب الذين أشركوا، من اليهودِ والنصارى، من أنواع الملحدين: (بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)).
والمعنى الآخر:
(ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1))، وما كان ينبغي لهم ذلك.
تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2))
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ)، (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ)؛ وإنمَّا خُلِقَ من طينٍ أبانا آدم:
تأتي معنا المعاني العظيمة، في هذا الخطابِ العظيم، من إلهنا العظيم.
اللهم نوّرنا بنورك، واجعلنا من أهل الصدَّق معك في جميع شؤوننا وأحوالنا، واسلك بنا مسالك من أحببتَ من عبادك، وثَبِّتنا على الحقِّ فيمَّا نقول، وفيمَّا نفعل وفيما نعتقد.
لك الحمدُ أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. الحمدُ لله الذي له الحمد وله المُلك وهو على كل شيءٍ قدير، الحمدُ لله ظاهرًا وباطنًا، أولًا وآخرًا. يا ربَّنا لك الحمدُ كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. سبحانك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك. لك الحمدُ حتى ترضى، ولك الحمدُ إذا رضيت، ولك الحمدُ بعد الرضا، لك الحمدُ أبدًا سرمدًا. ربنا لك الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيءٍ بعد.
فاجعلنا من الحمّادين، واحشرنا في زمرتهم مع أحمدِ خَلْقِكَ حبيبك المحمود محمد، وأَظِلَّنا بظلِ لواء الحمد يا ربَّ العالمين، والحمد لله رب العالمين.
نتوجه إلى الرحمن يُكرِمَنا وإياكم بصدق الإقبال، مع كمال القبول، وكمال التوفيق، والاستقامة على أقوم طريق، وأن لا ينصرف عنا الشهر إلا ونحن في الحمّادين، في دائرة الحامدِ المحمود، قائمين بحقِ القيام والركوع والسجود، مُوفين لربنا بالعهود، مُنَقَّيْنَ عن الآفات، مترقين إلى عَلِيِّ المقامات، ويُصْلِحَ في الأمةِ الظواهرَ والخَفِيّات، ويَخْتِمَ لنا بأكملِ حُسْنِ خاتمة، ويُعَجِّلَ بتفريج كروب المسلمين، ويُفَرِّجَ كروب أمة النبي محمد أجمعين، ويجمع شملهم على ما يحب ويرضى، ويَلْطُفَ بنا وبهم في مجاري القضاء، وعلى كل نيةٍ صالحة.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
20 ربيع الأول 1433