تفسير سورة إبراهيم - 13 - من قوله تعالى: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي..)، الآية: 41
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة إبراهيم، من قوله تعالى:
(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47))
ضمن جلسات الإثنين الأسبوعية بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية
من أبرز ما جاء في الدرس:
- سلاح الدعاء والاستغفار الشامل:
- فضل الدعاء والتضرع إلى الله.
- الالتجاء إلى الله لدفع البلايا وفضل الاستغفار للمؤمنين.
- وعيد الظالمين وهول المشهد يوم القيامة.
- حسرة الظالمين وطلب الرجوع إلى الدنيا:
- الاعتبار بمصارع الأمم الخالية ومكر الله المحيط بهم.
- عزة الله وعظمته وبوار مكر الكافرين.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرِمُنا بالخطاب، على لسان سيد الأحباب، جامع المحاسن ومكارم الأخلاق والآداب، صلَّى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله خير آلٍ وأصحابه خير أصحاب، وعلى أتباعه بالمحبة والتعظيم والصدِق خير أمة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين ساداتِ أهل الاقتراب، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم ممَّن إلى الله أناب، وعلى ملائكة الله المُقرَّبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد،،،
فإنَّنا في نِعمة تأُّمل كلامنا، لخطاب ربنا في كتابه وما أرسل به عبده المصطفى سيد أحبابه، وصلنا إلى آواخر سورة سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والتسليم وآلهم وصحبهم وتابعيهم على النهج القويم.
تفسير قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41))
وكان آخر ما مررنا عليه دعوات الخليل إبراهيم التي ختمها بقوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)) والدعاء والتضرُّع إلى الله سِلاح المؤمن وعلامة صدق إيمانه:
- وسبب تحقيقه لعبوديته وشاهِد افتقاره واضطِراره إلى مولاه.
- ووسيلة كشف الشدائد ودفع البلايا ونيل المواهب وإدراك المزايا.
- وسبب لمرضاة الإله ربِّ البرايا تعالى في علاه.
الدعاء والتضرُّع؛ دَيدَن الأنبياء والملائكة والصدِّيقين والصالحين من عباد الله؛
- (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر:60].
- وقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة:186].
- وقال: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) [الفرقان:77].
فوجب أن يعتني المؤمن بالدعاء والتضرُّع والابتهال إلى الله؛
- ويُقدِّم ما جاء في القرآن من أدعية الأنبياء وما علَّمنا الله أن ندعوه به.
- ثم ما أُثِر في السنة.
- ثم عن الصالحين.
- ثم ما يُلهمه الله سبحانه وتعالى من حوائج آخرته ودنياه؛ في نفسه وأهله وأولاده.
وينزل الكل بباب القوي القدير الذي بيده الأمر -سبحانه وتعالى.
وهكذا ينبغي للمؤمنين أن يُلِحُّوا على الله سبحانه وتعالى، ويخلصوا في التّضرُّع إليه، ينجِّيهم من الشدائد والأهوال ويدفع عنهم المصائب والنوائب. قال نبينا محمد ﷺ: " ولا يردُّ القضاء إلَّا الدُّعاءُ"، "إنَّ البلاءَ لينزل فيتلقَّاهُ الدُّعاءُ فَيعتلِجانِ إلى يومِ القيامةِ"، وهكذا كم حصل من آثارٍ فيما أصاب الأمة من بلاءٍ وآفاتٍ حصلت وأسموها لكم بالكورونا، ونوَّعوها وعددَّوها؛ ثم أخذوا يُطالِعونكم الآن، أول ما بدأ الناس يشعرون برفع كابوس وشدِّة ومحنة الكورونا بما يُسمَّونه بجُدري القرود، -جدري القردة- وعلى كل الأحوال فمحوِّل الأحوال ملجأ من آمن به، ومن صدق في تصديق ما أنزله وبعث به نبيه ﷺ، وعليهم أن يستدفعوا البلاء والسوء:
- بمحض الدعاء والإخلاص لوجه العلي الأعلى.
- وبالصدّقات للفقراء وذوي الحاجة، وبتطهير القلوب.
- والبُعد عن الرذائل في الأعمال والأقوال والصفات.
وكان هذا الدعاء من سيدنا الخليل عليه السلام وختْمه بطلب المغفرة، فإن أهم ما يهُمُّ المؤمنين ذنوبهم؛ لأن الخوف منها عليهم؛ لأن الجبّار سبحانه وتعالى الذي بيده الأمر؛ إنما يُعاقِب على الذنوب والسيئات والمعاصي والمخالفات.
وهؤلاء المعصومون عن الذنوب يطلبون المغفرة، ويقول الخليل:
- (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي) وبدأ بنفسه.
- (وَلِوَالِدَيَّ) أي أبي وأمي.
وقلنا؛ علِمْناَ بذلك أن أباه غير آزر الذي يُسمَّى، أيضًا أبوه -وهو عمه- والذي دعاه إلى الإيمان فأبى، وأن أباه وأمه كانا مسلمين، وأما آزر -أباه- هو عمه الذي دعاه فأبى؛ تبيَّن له أنّهُ عدو لله فتبرأ منه (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) [التوبة:114].
قال: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، وفيه الاهتمام بشأن من آمن بهذا الإله، فالإله يحب ممن آمن به، أن يقدِّر المؤمنين به، أن يوالي المؤمنين به، أن يدعو المؤمنين به، أن يُلاحِظ مصْلحْة ومنْفعْة المؤمنين به:
- فعلى قدر الإيمان تحب المؤمنين بالله.
- على قدر الإيمان توالي المؤمنين بالله.
- على قدر الإيمان تدعو للمؤمنين.
ولذا نَدَبنا ﷺ إلى الاستغفار للمؤمنين وللمؤمنات، بعد أن أمره الله بذلك وندبهُ إليه فقال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) [محمد:19].
وقال لنا؛ فيما روى الطبراني بسند حسن عنه ﷺ: "مَنِ استغفَرَ لِلمؤمِنينَ و المُؤمِناتِ كلَّ يومٍ سبعًا وعِشْرِينَ مرةً، كان من الَّذِينَ يُستجابُ لَهُم، و يُرزقُ بِهم أهلُ الأرضِ -ويمطرون-"، من استغفر الله للمؤمنين والمؤمنات كل يوم "سبع وعشرين مرة"، وهذا الخليل إبراهيم يقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)، (يَقُومُ الْحِسَابُ) يثبتُ، ويقوم بمعنى ينفذُ ويحصل لا مفرَّ منه، (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)، وأن المغفرة في ذلك اليوم التي أشار إليها بقوله في الدعاء في الآيات الأخرى: "رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي يَومَ الدِّينِ" و(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41))، المغفرة في يوم القيامة شاملة، وما بعدها إلا الجنة والنعيم والفضل والأمان من كل عذاب، فنحتاج إلى المغفرة دائما وعند الموت أكثر، وعند الحساب أكثر، و في يوم القيامة أكثر، نحتاج إلى المغفرة، فالله يغفر لنا في الآخرة والأولى، قال: (وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ).
تفسير قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42))
يقول الله، بعد عرض هذا الدعاء من الخليل إبراهيم مُخاطبًا لنا في ذات نبيه الأكرم ليبلِّغنا: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)، (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ)، لا تظن ولا يخطر على بالك أن الله غافِل عن ظُلم الظالمين ومكر الماكرين وتحيُّل المُتحيِّلين؛ من قريب وبعيد، من إنسي ومن جني؛ صغُر أو كبر، أفراد وجماعات، كلهم تحت عين القادر القوي، اختبرهم وامتحنهم؛ فمن اختار لنفسه -مُغترًا- أن يمكر وأن يؤذي وأن يظلم وأن يبسط يده بالظلم على أفراد وعلى جماعات على صغار وعلى كبار، ظلمًا قليلًا أو كثيرًا فكل ذلك محسوب غير مغفول عنه؛ سيصل إليه جزاؤه وستأتي إليه نهايته، يكون فرداً أو جماعة من الشعوب أو من الدول؛ فجزاء ما ظلموا لابد أن يأتيهم، وليس الجبار بغافل عن ذرة من ظلمهم.
(وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)، كائنين من كانوا، وهو مع ما يُقدِّم لهم من آثار ظلمهم من شدائد الدنيا وبلاياها، ولكن عظمة الجزاء وتمامه وحقيقته يجعله في يوم الحكم؛ يوم المحكمة، يوم القضاء، يوم الجزاء، يوم الدين (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين:6].
يقول: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ)، أي يؤخِّر إكمال الجزاء و المؤاخذة والمُحاسبة والمُعاقبة، وأخذ النتيجة لِما ظلموا:
- في يوم (تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42))، تُحدِق، تنفتح من الهول، من الشدِّة.
- (لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)، من شدة الهول، لا أحد يستطيع أن يغمض-عينه- وتبقى مُنفتحة عينيه.
(إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42))، تحدِق ومُنفتحة من شدِّة ما تلاقيه، ومن عظمة ما يُنازِلُها؛ لا تجد إلا الإشخاص -العيون محدقة-، ولا تجد من البداية في عظمة الموت وهولهِ؛ تشخص الأبصار؛ فلا تجد غالب من يموت إلا وعيناه مفتوحتان وشاخصتان، تتبعان روحه، وتتعجب فيما كان غائبًا عنها مما تشهده الآن.
قال الإمام الغزالي وكما قال غيره: مهما كان؛ من أعلم العلماء وأعرف الحكماء؛ عند موته يُعاين، ويُنازل ما لم يخطر على باله، ولم يتخيَّله بخياله فيما مضى قط، فإنه انتقال إلى عالم آخر، وإلى حكْم آخر يحكم الله فيه؛ بأن ينكشف الغِطاء والسِتارة، ويشاهدون الغيوب ويشاهدون ما يشاهدون مما كانت غيوبا عنهم في الحياة الدنيا ويقال لهم: (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق:22]، (تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42))، وهكذا، ولو كنتَ أمام الشدة والهول لوجدتَ بصرك شاخصًا.
تفسير قوله تعالى: (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43))
قال كذلك: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ)، يعني مُسرعين إلى إجابة المُنادي (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ ۖ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلً * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ) -ذلَّت وخضعت- (لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) [طه:108-111]:
- (مُهْطِعِينَ): مسرعين إلى إجابة المُنادي، والمنادي من فوق؛ فأبصارهم إلى فوق.
- (مُقۡنِعِي)، مرفِّعي رؤوسهم من شدِّة الهول ومن أغلال أهل الغل، فهناك أغلال على الأعناق.
فإذا بالناس في الحشر ووقت المحشر عامتهم بهذا الحال، رافعين رؤوسهم مثلَ: رفع الجَمَل رأسه إذا أراد أن يتناول من شجرة مُرتفعة عالية؛ يرفع رقبته هكذا، الناس كلهم هكذا رقابهم، وفيهم أهل الأغلال من شدِّة الهول، لا أحد منهم يستطيع أن يرفع أو يخفض رأسه ولا ينظر من في يمينه ولا شماله.
ثم ذكر النبي ﷺ حشر الخلق في القيامة وهم حفاة عراة، قالت: يا رسول الله حفاة عراة، الرجال مع النساء؟!. قال ﷺ: "الأمر أكبر من أن يهمهم ذلك، يا عائشة"، الأمر أكبر من أن يهمهم؛ كل واحد رافع رأسه لا يلتفت يمين ولا يسار من شدة الهول، الأمر أكبر من أن يهمهم ذلك، الله أكبر.
(مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ)، رافعيها (لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ)، مفتوح على طول، ولا طرْفة واحدة. (لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ)، من شدة الهول لا يرجع الجفن أبداً ليلتصق بالجفن الآخر، يفتّح فتحة واحدة؛ فإن لم يكن من أهل اللطف بهم وأهل المغفرة ؛ فإلى أن يُقضى بين الناس، وهو في هذا الحال -والعياذ بالله تعالى-.
(مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43))، فاضية خالية من معلوماتها، من مدارِكها، لا تحس بشيء؛ (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ..(2)) [الحج:2]،
- (أَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ): قلوبهم فارِغة، لا تحمل أي إدراك، ولا علم، ولا وعي، ولا أساس، إلا بالشدِّة التي هم فيها فقط، كأنه سكران (تَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ) [الحج:2].
- (وأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ)، حتى أنه من الشدة، يرتفع القلب هذا الحسي إلى عند الحنجرة ويرجع.
كما قال سبحانه وتعالى في الآية الأخرى، يشير إلى هذه العظمة في ذلك اليوم والهول المهول، أجارنا الله من عذاب يوم القيامة، أجارنا الله من عذاب الطامة، يقول جلَّ جلاله -وتعالى في علاه، الله أكبر-: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ) [غافر:18]، ترتفع (أَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43))، (كَاظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر:18] -الله أكبر-.
تفسير قوله تعالى: (وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44))
يقول سبحانه: (لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنذِرِ النَّاسَ)، يقول الله لحبيبه محمد: هذه وقائع مُقبِلون عليها يا وَيْل المُكذِّبين، يا وَيْل العُصاة؛ لا يغنيهم ولا ينجيهم ولا ينفعهم أن كانوا رؤساء، أو كانوا ملوك، أو كانوا مليونيرات، أو كانوا أصحاب أجهزة، أو كانوا ما كانوا في الدنيا، إذا أقبلوا على هذه الأهوال.
ما الذي يفيدهم؟ ما الذي ينفعهم؟
- (وَأَنذِرِ النَّاسَ)، قل لهم: احسبوا الحساب الصحيح لأنفسكم، قبل أن تأتي الشدة، قبل أن يأتي يوم العرض على الجبَّار والجزاء والحساب.
- (وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ)، خوِّفهم باليوم الذي يأتيهم فيه العذاب لكل من لم يغفر الله له، ولكل من لم يقبل الله توبته.
(يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا) بالكفر والفسوق والعصيان وتكذيب الأنبياء ومُخالفتهم.
(فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا)، يعني؟ رُدَّنا إلى الدنيا قليل، أرجعنا كما ذكر في الآيات الأُخر؛ (أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ)، قليل من الوقت أعطنا فرصة نرجع إلى الدنيا، (إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ)..
- ماذا سنعمل إذا عدنا إلى الدنيا؟ سنهتم بتطوير الأسلحة إذا رجعنا إلى الدنيا!!
- ماذا سيقولون إذا رجعنا إلى الدنيا؟ سنمدُّ أيدينا على أراضي خلق الله!!
- ماذا سيفعلون؟ ما قصدهم سيرجعون إلى الدنيا؟
(نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ)، فقط هذه الفائدة التي في الدنيا! هذا الخير الذي في الدنيا! هذا الخير، غيره لا يوجد، (نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ)، رجعنا هذه المرة، نبصر كذا الطريق، غيركم أجاب الدعوة واتبعوا الرسل ففازوا، وانتم انتهت الفرصة عليكم؛ لا ينفع (أَخِّرْنَا) .. (أَخِّرْنَا)!.. أعدنا! فهم لن يرجعوا، ماذا طلبوا في الدنيا؟ لأجل نكثِّر طائرات مسيّرة من دون طيار؟! لأجل نطوّر التكنولوجيا، نرجع للدنيا!!
(نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ)؛ هذا الخير الذي في الدنيا، هذه الفائدة التي في الدنيا، هذا الصلاح، هذه السعادة، هذا خير ما يكسب من الدنيا؛ إجابة دعوة الرحمن واتباع الرسل الكرام -أكرمنا بذلك يا رب- (نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ)، (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ* رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [ال عمران:193-194].
فهؤلاء العُتاة؛ من كان منهم مُلحد، ومن كان منهم يهودي، ومن كان منهم مجوسي، ومن كان منهم نصراني، ومن كان منهم هندوسي، ومن كان منهم بوذي، ومن كان منهم مُكذِّب؛ كلهم يقولون هذا الكلام: (أَخِّرْنَا)، كل الذين ظلموا: (أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ)، وتجيب عليهم الملائكة ويقولون: أنتم الذين كنتم تقولون ما لنا من زوال، وتقولون للمُكذِّبين منهم بالحشر، وتقولون أنكم أبناء الله وأحباؤه مثل اليهود والنصارى؛ أنتم الذين كنتم تقولون هذا؟! وتُقْسِمون ما لكم من زوال؟ مثل الذين أقسموا من الكفار؛ (لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ) [النحل:38]، (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ) [النحل:38]، أنتم الذين كنتم تقولوا هذا، الآن تقولون (أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ).
(أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ..(44))، و حلفتم ما لكم من زوال، وقلتم أفكارنا وخططنا ومبادئنا إلى الأبد، كم قال هذا منهم؟ كم من الذين ماتوا ممن قال هذا؟ فصار كل واحد منهم عِبرة لكل عابر؛ هنا أتعجب للذين من بعدهم يأتون ويقولون نفس الكلام؟ مجانيين؛ ليس فيهم عقول! -قد قالها الذين قبلكم، وانظروا مصيرهم وأين راحوا!! يتعذَّبون الآن في قبورهم، لو رأيتم عذاب الواحد منهم لأنقذتم أنفسكم، وكم تكررون نفس الكلام؟ ونفس الخطة التي ساروا فيها- (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44))، وحتى المشركين والمُكذِّبين قالوا لو رجعنا للبعث هناك عندنا أموال، وعندنا؛ بنعطي (لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدً)، (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا * كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ)، نجازيه على قوله هذا؛ (وَيَأْتِينَا) -يوم القيامة- (فَرْدًا) [مريم:77-80].
تفسير قوله تعالى: (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45))
يقول سبحانه: (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ)، نفس البقع والبلدان التي فيها طغى من قبلكم، وظلمَ من قبلكم وأهلكناهم و أنتم جيئتم من بعدهم (وَسَكَنتُمْ فِي) مساكنهم، قوم نوح، قوم عاد، وقوم ثمود، الذين جاءوا من بعدهم أمم .. أمم .. أمم، فما بالك في الأمة الأخيرة هذه، (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ)، من حقكم أن تعتبِروا وأن تتذكَّروا ولا تغتروا وتخضعوا لجبروت الجبّار وجلال القهّار وتتَّبعوا المختار؛ هذا حقكم، أمّا جيئتم بطغيانكم وغيّكم وكِبركم وتقسمون مالكم من زوال؛ وأنتم ساكنين (فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ) من قبلكم، وقد أهلكناهم من قبلكم:
- منهم من أرسلنا عليه الريح.
- ومنهم من خسفنا به الأرض.
- ومنهم من أغرقنا.
- ومنهم ومنهم؛ انتهوا -لا إله إلا الله-.
(وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ)، توضَّح ما فعلنا بهم (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ..(45))، من الهلاك والدمار (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) [الزخرف:46]، يقول جلَّ جلاله -وتعالى في علاه- في ذكر ارسال سيدنا موسى بن عمران صلى الله على نبينا وعلى آله وصحبه وسلم: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا * فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا * وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ۖ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ۖ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) [الفرقان:35-39].
فماذا يُفكِّر فيه هؤلاء؟
- ويصل بعضهم إلى تفكير ساقِط، هابِط، سيء في هذه الدنيا؛ من اغتراره، يقول المهم فقط المليارين في العالم والبقيَّة يهلكون -يمتون- ماعدا أهل الديانة الفلانية، والبلاد الفلانية فقط؛ يُهلكون بإسم أمراض، أو بإسم حروب أو بغيره اترك الخلق يموتون كلهم، من دون مُبالاة؛ سَقَطة في أفكارهم، سَقَطة في مشاعرهم وأحاسيسهم، يعيشون بهذه العيشة.
- صلوات الله على الأنبياء جاءوا بالرحمة وجاءوا بالخير للقريب والبعيد ويتمنَّوا، وهذا ليس عندهم! يموت من يموت؛ القصد -غرضي- الفلانية فقط، أنت ستموت وغرضك سيفوت، وسيبقى الذين تحب أن يموتوا بعدك، وستجتمعون الكل بعد ذلك، ولا أحد سيبقى على ظهر الأرض، لكن هم سيبقون من بعدك.
قال سبحانه وتعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ) [إبراهيم:13-14]، وهؤلاء المُخططين لنشر الحروب، ونشر الأمراض في الناس، من أجل هلاك الناس؛ لينالوا هم مرادهم؛ الذين قصدوهم أن يموتوا، سيرثون أراضيهم وأماكنهم، وسيقوم دين الله -تبارك وتعالى- في محلاتهم ووسط ديارهم ومساكنهم ـ وإن أبواـ لأن إباءهم ليس له قيمة عندما يأبى الله؛ (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [التوبة:32]، (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبه:33].
يقول سبحانه وتعالى: (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45))، فيما قص نبينا عليكم، مَثل بعد مَثل، فمن حقكم أن تتَّعِظوا، وأن تدركوا، وأن تفهموا وأن تعووا، وأن تتداركوا أنفسكم (وَضَرَبْنَا لَكُمُ).
تفسير قوله تعالى: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46))
(وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ)، وكلهم استعملوا المكر؛ (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) يقتلونه، وكل أمة همّت لتقتل النبي المرسَل لها. (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ)، قال الله: (فَأَخَذْتُهُمْ)، قال هم سيأخذون أنبيائنا!! فأنا أخذتهم (فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ)، وكذلك عِقاب، كيف تمَّ وهم في الدنيا؟ (وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) [غافر:5-6] اللهم أجرنا من النار.
تفسير قوله تعالى: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47))
قال:(وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ)، أحاط به عِلمًا وعنده من القدرة والعظمة، ما لا يساوي مكرهم أمامه شيء وسيجزيهم، عنده العلم بمكرهم، والجزاء على مكرهم، والإحاطة بمكرهم، وعنده ما لا يعلمون ولا يخطر لهم على بال؛ عند الله مكرهم، عنده -سبحانه- علمه وجزاؤه وإحاطتهم به، لا يخرجون عن قبضته. فأين يُريدون بمكرهم كله! مهما عظم مكرهم، (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46))، معنيان:
- المعنى الأول: إن عظُم مكرهم حتى كاد أن يُزيل الجبال؛ فكل ذلك لا يساوي شيء عند مكر الجبّار-جلَّ جلاله- الذي ينصر رُسُله، (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ).
- المعنى الثاني: عليه أكثر المُفسرين (إِنْ) بمعنى ما النافية، يعني مكرهم هذا مهما وصلوا فيه لأيِّ حدود لا يقدرون أن يزيِّلوا الجبال، وأي جبال؟ الجبال الظاهرة هذه الدنيوية لا يقدرون هم انهاء واحد منها
- ولكن الجبال: هي شرائع الأنبياء ومبادئهم التي بعثهم الله بها، جبال. (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47)).
(وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)) فمهما مكروا؛ فلن يُخرِّبوا الجبال الظاهِرة، ولن يهدِّوا الجبال الأعظم؛ جبال شرائع الأنبياء ومناهجهم وما جاءوا به عن الله، يُقال له كما قال الشاعر لمن يتكلف ما لا طاقة له به:
يا ناطح الجبلَ العالي ليَكْرمَه *** أَشفق على الرأسِ لا تُشْفِق على الجبلِ
تنطح الجبل من أجل أن تكسره!! رأسك سينكسر وليس الجبل! الجبل لن ينكسر، رأسك الذي سينكسر وليس الجبل! وكل من يناطح شريعة محمد قل له: أشفِقْ على رأسك،
- الشريعة لن تنهار بكيدك؛ وإن نشرتَ المُخدرات، و إن نشرت المؤذيات، وإن نشرت البغضاء، و إن نشرت الأسلحة.
- الشريعة لن تهدم، ولن تنهار من أجلك، ولا من مكرك؛
(وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ)، وعد المرسلين بنصر وتمكين في الدنيا (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر:51]، قال: هذا وعد مني، لا يظن ظان أنه سيتخلف؛ أنا القادر، أنا الصادق، أنا القوي؛ قولي الحق،
- (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ)، لا الاول منهم ولا الآخر، حتى الدجال الخبيث أعظم فتنة:
- يا دجال لا تحسب أن الله مُخلف وعده رسله، فيما قُدِّر لك تنشر فتنتك.
- وسيأتي يوم تُتذاوب أمام عيسى بن مريم ويقتلك.
- (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ)، لا الدجال ولا من قبله، ولا يا جوج وما جوج من بعده، كلهم سينتهون:
- ويبقى الدين منصور، ومحمد منصور صلّى الله عليه وصحبه وسلم.
- وذكره مشهور، وعَلَمه منشور وفي كل بيت مذكور: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) [الشرح:4].
كل بيت سيدخله دين النبي محمد؛ قلَّت أو كثرت في أي مكان، سبحان الله هذا في الدنيا، والنصر الكبير بعد ذلك:
- "أنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ، وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ، ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ".
- (عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء:79] ﷺ.
- (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر:51].
الأفكار التي نشروها حتى ضببوا وعتَّموا على عقول كثير من المسلمين فظنوا ظنون، هذه الأفكار أيضًا ستضمحل من عقول الذين تضرروا بها، والكثير منهم سيعودون ويرجعون إلى اليقين بالحقيقة، وهكذا لا يزال (مَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) [فاطر:10]، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال:30].
يقول: (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ)، لا يُقدر عليه، لا يمكن أن ينال أحد أذاه ولا ضُرَّه، " يا عِبَادِي! إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يا عِبَادِي! لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ؛ ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي! لوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا"، لا إله إلا الله.
(إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ)، عزيز، الله، الله أكبر، لا مثيل له، لا نظير له، لا كُفء له، قادر على كل شيء، مُحيط بكل شيء، عالِم بكل شيء؛ عزيز.
(إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ)، ممن أوصل إليه دعوته وبلاغ رسله فاستكبر وعاند واغتر بشهوته أو هواه أو مظاهر دنياه، ينتقم منه (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47))، ونقمته لا تُطاق؛ (فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ)، فويل للغافلين ويا فوز أهل اليقين والطمأنينة (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر:25-30]، وهكذا يُبيِّن لنا الحق ويختم سبحانه السورة بذكرِ حقائق فيما يحصل ذلك اليوم ويقول لنا: (هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ.) [إبراهيم:52].
وقد وصلنا البلاغ؛ يا ربِّ فاجعلنا من خير من أناب واستجاب، واتَّبع من أنزلتَ عليه الكتاب، وشرَّفته بالرقي فوق قوس قاب، اللهم يا من جعلت منزلة عبدك المصطفى (أو أدنى)، صلِّ عليه واسقنا من شرابه الأهنى، وتولَّنا يا مولانا به وبمحبتك له حسًا ومعنى، وتدارك أمته وفرِّج كروبهم، وادفع البلايا والآفات عنهم، واجمع شملهم بعد الشتات يا حي يا قيوم، وادفع عنَّا وعنهم العلل والأمراض والأسقام والألام الظاهرة والباطنة، واجعلنا في حصونك الحصينة وحروزك المتينة ورد كيد أعدائك في نحورهم، واكفِ المسلمين جميع شرورهم برحمتك ياأرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
24 شوّال 1443