تفسير سورة إبراهيم - 10 - من قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ..)، الآية: 28
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة إبراهيم، من قوله تعالى:
(۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ(29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30) قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31))
ضمن جلسات الإثنين الأسبوعية بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية
من أبرز ما جاء في الدرس:
- حقيقة تبديل النعمة بالكفر.
- أثر أئمة الضلال ومصير أتباعهم.
- التحذير من تبديل نعم الله في واقع الحياة.
- ضلال اتخاذ الأنداد ومصير أهله.
- منهاج عباد الله المؤمنين: إقامة الصلاة والإنفاق.
- حقيقة الأخلاء يوم القيامة.
نص الدرس مكتوب:
الحمدلله مُكرِمنا بتنزيله، وبيانه على لسان خاتم إرساله، عبده ورسوله سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه وأهل محبته ومتابعته والإقتداء به، وعلى آبائه وإخوانه من أنبياء الله ورسله، وآلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى الملائكة المُقرَّبين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد،،
تفسير قوله تعالى: (۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28))
فإنَّنا في نعمة تدبُّرنا لكلام الله وتأمُّلنا لخطابه وتوجيهه وتعليمه وإرشاده، على لسان عبده المصطفى محمد ﷺ، وصلنا في سورة سيدنا إبراهيم إلى قوله تبارك وتعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29))، يُبيِّن لنا حقيقة المُنحرِفين عن منهج الهدى على ظهر الأرض؛ يبدلُّون نِعمة الله كفرا:
- كقوم الكفر من أهل مكة من قريش، جعلهم الله من نَسلِ إسماعيل بن إبراهيم، وجعل لهم البيت الحرام، فكانوا سَدنتهُ وعُمَّارَهُ وحُجَّابَهُ والقائمين بمصالحه.
- وكان لهم بذلك حُرمة بين قبائل العرب وتقدير، وتُمِّمَت النعمة عليهم ببروز البشير النذير من بين أظهُرِهم، ومجيء المصطفى محمد إليهم يحوزون به الشرف الأفخر والعِزَّ الأكبر.
فبدَّلوا كل ذلك كفرًا، بدَّلوا الشكر على هذه النِعم بالكفر عليها، وبدَّلوا هذه النِعم الموجبة للقرب من الله وحيازة السعادة ونيل النعيم في الدار الآخرة، بدَّلوها كفرًا، أي ذهب عنهم؛
- نعيم الإيمان.
- ونِعَم الارتباط بسيد الأكوان.
- ونِعَم المرافقة له في دار القرار، خير مقر.
نِعَم كلها تحوَّلت إلى كفر يوجب الغضب من الله، والبعد منه، والطرد عن رحمته، والحلول في دار نِقمته: (بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) -والعياذ بالله تبارك وتعالى-؛ فسُلِبَ عنهم حقائق تلك النِّعَم لإيثارهم الكفر، وآثروا الكفر ورضوا بالكفر واستخاروا الكفر واختاروه.
الكفر: هو التغطية للحقيقة، الستر على الحق، الكفر بالله وآياته هو السبب لأسوأ، الدارين، ومصائب الدارين، وشدائد الدارين وشقاوة الدارين.
(بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا)، فكان لهذا مظاهر تشمُلُ كُل من قابل شكر النِعمة بكفرها، وعلى هذا المضمار على وجه الخصوص، ما روى الإمام البخاري في تاريخه وغيره، عن سيدنا عمر بن الخطاب، أن من مظاهر معنى هذه الآية قال: الأفجرانِ؛ يعني ذوي الفجور والكفر من بني مُغيرة وبني أمية، قال: فأما بنومغيرة فقد كُفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمُتِّعوا إلى حين.
تفسير قوله تعالى: (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29))
قال سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ)، كل من أطاعهم، وكل من مشى وراءهم وسلك سبيلهم، أحلوه معهم (دَارَ الْبَوَارِ) -دار الهلاك- (دَارَ الْبَوَارِ (28)) -النار- (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29))، بئس العاقبة، بئس المستقبل، بئس النهاية لهم، أن يحلُّوا في دار البوار في النار، أن يحلُّوا في النار -والعياذ بالله- (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ)، اللهم أجرنا من النار.
وهكذا كل من واجهته النعمة فبدل شكرها كفرانًا، يكون ومن اتَّبعه، ومن رضي بفِكره وتصويره للأمور ودعوته إلى هذا الإهمال للنعمة أو الكفران بها، يحلُّ وإياهم دار البوار -والعياذ بالله-؛ يكون سبباً للقرب من النار والحلول في النار -والعياذ بالله تعالى- على قدر الكفران بالنعمة، وعلى قدر تلك النعمة.
ومن تيسَّر له استبيان الطريق والاهتداء إلى حُسن السير إلى الرب بواسطة ما خلَّف فينا رسول الله، ومع وجود رجال التربية والتزكية، فمن لم يشكر ذلك فينتهج ويسلُك ويتزكَّى؛ بَدّلَ ذلك كفراً، ربما أساء الظن أو سب أو شتم أو عارض أو عاند؛ فقد بدَّل نعمة الله كفراً -والعياذ بالله تبارك و تعالى-.
والموجودون معنا على ظهر الأرض، وقد:
- أوتوا من الله أسماعًا وأبصارًا وعقولاً.
- وأوتوا بلاغ الدعوة النبوية المحمدية ووصولها إليهم.
- وأوتوا القدرة على أن يؤمنوا وأن يُصدِّقوا.
- وإمكانيات كثيرة لأنواعٍ من البذل والعطاء والتضحية النافعة المُفيدة المُنطوية تحت تلبية نداء الرب.
فأعرضوا عن كل ذلك وتولوا عنه، إما:
- إيثارًا للَّهثِ في وراء السلطات.
- أو لجمع الأموال والاستكثار منها.
- أو للاشتغال بالشهوات والإصغاء إلى أراجيف المُبطلين المُفسدين على ظهر الأرض، المُغْرين بفعل المحرَّمات واكتساب الخطيئات.
كل هؤلاء بدَّلوا نعمة الله كفرًا، وكل من أطاعهم ومضى وراءهم، فيحلُّ حيث يحلُّون. إذًا فالمسألة خطيرة، انظر أنت تتَّبع مَنْ؟ ويقنعك طَرحُ مَنْ؟ وفِكرُ مَنْ؟ وتميل نفسك إلى دعوة مَنْ؟ فإن:
- فإن لله دعوة يحملها الأنبياء وخلفاؤهم على ظهر الأرض.
- ولإبليس دعوة يحملها المُضادون للأنبياء من شياطين الإنس والجن.
فتستمع إلى دعوة مَنْ؟ تتأثر بطرحِ مَنْ؟ وتُصغي إلى إلقاء مَنْ؟
فإن للصاحب تأثير: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا)، بمصاحبتهم لهم وقربهم منهم ورضاهم بما يطرحون، أحلُّوهم النار؛ تسببوا في دخولهم النار، فكأنهم أدخلوهم النار.
(وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28))، كما قال الله في فرعون: (يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ) [هود:98]؛ لأنه في الدنيا أوردهم النار:
- الاستهزاء بموسى عليه السلام، هذه كانت النار المربوطة بتلك النار، الاستهزاء بموسى: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) [الزخرف:52-53]، (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الزخرف:51].
- أوردهم النار في الدنيا بتكذيب موسى والاستهزاء به والكفر به، واتخاذه إلهًا من دون الله -جلَّ جلاله- فيوردهم النار يوم القيامة، قد أوردهم النار، قال: (فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) [هود:98-99].
وهذا فرعون وحده؟! كل ضال مُضل، كل خارج عن أمر الخالق، كل داعٍ إلى مُعاندة الأنبياء والرسل، كل مُخالِفٍ لمنهج محمد ﷺ على ظهر الأرض هذا حالهم، ومن تبعهم؛ فسيُحلِّونه دار البوار، حقيقة ونهاية حتمية لابُّد منها.
- فانظر التبعيَّة وانظر الصحبة وانظر الارتباط لا تهبط، لا تهبط بنفسك، وتُصدِّق هذه الأطروحات من قِبَل الكفار من أهل الشرق والغرب وتصوراتهم عن الكون والوجود والحياة.. من هم؟ ومن تصوراتهم؟
- إنَّ موجدهم وموجدنا وموجد كل ما حوالينا من الكائنات؛ قد أرسل وقد بيَّن وقد دعا وأرسل إلينا أنبياءه ورسله -صلوات الله عليهم- وختمهم بنبينا محمد وأبقى فينا بعده خلفاء له على الأثر؛ ورثة له يهدون الخلائق إلى مسلكه الأغر.
فاقتدِ بهؤلاء واتبعهم فإن صحبة هؤلاء تؤدي:
- إلى ظل العرش.
- وإلى الوصول تحت لواء الحمد.
- وإلى الورود على الحوض المورود.
- وإلى النجاة عند وضع الميزان.
- وعند نصب الصِراط.
- وساعة الوقوف بين يدي الإله الذي خلق وقت عرضك عليه.
تلبية دعوة هؤلاء ومحبة هؤلاء ومرافقتهم؛ سبب لكل هذه النجاة وهذا الفوز، وسبب لدخول الجنة.
وإن طاعة ما ضادّ هؤلاء؛ من جميع دعاة الفجار والكفار والعصاة والمُفسدين على ظهر الأرض، هي السبب في حقائق الشقاء ودخول النار، والبُعد عن الإله الجبار.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ..(28))، فلا تبدل نعمة الله كفرًا، وإذا هَيَأَ لك إدراك رمضان فهو نعمة فلا تبدِّلها كفرًا:
- تُقاطِع فيها الأرحام.
- تعق فيها الوالدين.
- تؤذي فيها جار.
- تُشاحن فيها مسلم.
- تهوي بنفسك أو تهمل ولدك؛
- ليكون في رمضان مُتعلِّق بصديق خبيث يعطيه حبوب مُخدِرات.
- فكأنك أنت شربت المُخدِرات لأنك أهملت هذا الولد وعليك مثل إثمه -والعياذ بالله-.
لا تُبدِّل نِعمة الله كفرًا..
- وإذا هيأ لك مجالس خير ومواطن هدى ودروس نور وحلقات ذكر.
- لا تُبدِّل نعمة الله كفرًا، سارع أُقرُب شارك انهض اغنم.
لا تُبدِّل نعمة الله كفرًا؛ عافية أعطاك الله إياها، تمضيها في غفلات؟ أو مكروهات؟ أو محرمات؟ تُبدِّل نِعمة الله كفرًا، عافية وصحة تكسب بها الحسنات ترتقي بها في الدرجات، يزيد إيمانك ويقينك يعلو قدرك عند ربك، تصرفها في نظر حرام؟ تصرفها في كلام ساقِط هابِط؟ هكذا تستعمل النِعمة؟!
لا تبدل نعمة الله كفرًا..
- اشكر المُنعِم، واغتنم النعمة.
- واغتنم الأيام، واغتنم الليال، واغتنم العمر القصير.
- واحذر ممن ذمهم الله في وحيه وتنزيله، وتَعَجَّبَ فيما لم ترَ.
ألم تنظر إلى هؤلاء كيف رضوا لأنفسهم بهذا الهلاك والشقاء الأبدي؟
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28)):
- (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا) يدخلونها، يُشْوَوْن فيها، يصلونها، يصالون سعيرها وحرارتها وحرقها الجلود، (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) [النساء:56]، ويطعمون أليم لسعات عقاربها وحيَّاتها.
- (يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29))؛ شرُّ قرار يستقر فيه أحد من البشر والجن، هذه النار الموقدة.
- (وَبِئْسَ الْقَرَارُ)، فهذه غايات الكذّابين بخدمة المستقبل والاستعداد للمستقبل هذا مستقبلهم.
- (وَبِئْسَ الْقَرَارُ)، (وَبِئْسَ الْقَرَارُ)، شر مستقر، شر مقر تستقر فيه.
تفسير قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30))
(جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ(29))؛ فلهم في هذه الحياة:
- (جَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا) أشباهًا وأشكالًا، ولا شِبه ولا مُشاكِلَ له ولا إله معه غيره ولا شريك.
- (جَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا)، حق الطاعة المطلقة للإله:
- صرفوها لمؤسسات وهيئات واتجاهات وأفكار بشر.
- ينقادون وراءهم ويطيعونهم كأنهم خلقوهم وكأنهم آلهتهم.
- يثقون بما يلقون إليهم ولو كان كذب الكذب، يتمسكون بما يلقون إليهم ولو كان فساد الفساد -والعياذ بالله تعالى-.
ما هذا؟! تجعل معه ند؟! تجعل معه شريك؟!
الذي خلقك وحده هو الذي يستحق هذه الطاعة المطلقة منك، الذي خلقك هو الذي يستحق هذا.
- (جَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا): شركاء وأشباهًا وأمثال، أعطوهم طاعتهم بدل طاعة الله -جلَّ جلاله وتعالى وفي علاه- يأمر الله بأمر ويأمرون هؤلاء بضده، فيلوون وراء هؤلاء ويميلون إليهم، تجعلهم ند لربك؟
- (جَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا)، وكل من استقر في هذه المصيبة فاعتقدَ أن مع الله إلهاً أو أعطى حق الألوهية لغير الله، كائن من كان:
- هواه أو نفسه وشهوته أو حزبه أو حكومته أو أي اتجاه على ظهر الأرض جعل لله ندًا، هذا الأبله البليد هذا المُستَأسَر المُستعبد لغير الخالق الذي خلقه جلَّ جلاله.
ولا ينفعه أنه يسمى مُفَكِّر أو مُنَظِّر أو مُتَحَرِّر لا ينفعه شيء من هذا، له خالق، نسي الخالق وحقه في العبادة والانقياد، صرفه إلى شيءٍ مما ذكرنا من هواه فما دونه من خلق الله -تبارك وتعالى-. جعل لله ندا فويل له، ثم ويل له، ثم ويل له. ما أسفهه! وما أتفهه!
- (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ) [البقرة:130]؛ هؤلاء هم السفهاء.
- وإن سَمّوا أهل الحق سفهاء: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ) [البقرة:13].
- وسيعلمون؛ (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء:227]، إلى بئس القرار.
(جَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا):
- قرأ ابن كثير وأبو عَمْرو: (ليَضِّلوا عن سبيله) -بفتح الياء- أي لتكون نهايتهم ضلال عن سبيل الحق والهدى.
- وقرأ له: (لِّيُضِلُّواْ) -بضم الياء- ليُضلوا غيرهم، ليُضلوا عن سبيله، أي كل من اتخذ ندًا من دون الله، فما يقع له إلا أن يضل في نفسه ويضل غيره، فلا يعيش على ظهر الأرض إلا ضالًا مضلًا.
(وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ)، كلُ من تبِعهم وكلُ من صدَّقهم.
(لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ)، الله يقول هذا الصنف من هؤلاء الخلائق من أمتك في زمنك أو يأتي بعدك إلى آخر الدنيا، قل لهم يا محمد (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا) [الزمر:8]، (قُلْ)، يقول لهؤلاء يضلوا عن سبيله:
- (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30))، قل تمتعوا باغتراركم وكذبكم وفسادكم وضلالكم مدة الأيام القصيرة؛ لكن اعلموا أن نتيجة هذا وعاقبته وغايته، حلولٌ في نارٍ موقدة تطلع على الأفئدة، لا طاقة لكم بها.
- (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)، كما قال الإله:
- (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ * أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر:8-9].
- (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)، (لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) -اللهم اجعلنا ممن اتقاك- (لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ) [آل عمران:196-198].
لك الحمد يا من جعلتنا مسلمين مؤمنين مقتدين بالنبيِّ الأمين، فثبتنا على دربه وقَدَمِهِ وسُنته، وتوفنا على ذلك واحشرنا في زمرته، وزدنا إيمانًا ويقينا يا ربنا.
يقولُ: (وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا) بأهوائكم وغروركم وفسادكم وضلالكم وإضاعتكم للحقيقة وتشبثكم بالظن والخيال والوهم، (تَمَتَّعُواْ) -تهديد- (فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30))، (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) [الكهف:29]:
- الجنة حق والنار حق؛ مُقْبلة، إن آمنَ مَنْ آمن وإن كفرَ مَنْ كفر، لا يغيِّرون شيء، كما خلقهم من دون أن يشاور أحدًا منهم، فسيؤولون إلى هذا المصير من دون رأي أحد منهم، لا رأي لأحد.
- الله الذي خلق وابتدأ وإليه المرجع، هو الذي أخبر بهذا فهو الحق والمصير، هناك الجنة حق والنار حق.
ويا فوز من مصيره الجنة -اللهم اجعلنا منهم- ويا ويل من مصيره النار، ولا تنفعهم سلطاتهم ولا أسلحتهم ولا أجهزتهم ولا تقدماتهم ولا تطوراتهم ولا .. ولا .. ولا .. وكل ما عندهم، بل سنراهم في الدنيا قبل الآخرة، سيذوقون ويلات تقدمهم وتطورهم ورجوع بعضهم على بعض، وذلهم في الدنيا قبل الآخرة، والآخرة أمامهم أعظم وأكبر وأشد، فيا رب ثبتنا على نعمة الإسلام، وارزقنا شكرها ونعوذ بك أن نكفر بأي نعمة من نعمك، "اللَّهمَّ ما أمسى بنا من نِعمةٍ أو بأحدٍ من خلقِك فمنكَ وحدَك، لا شريكَ لَك، فلَك الحمدُ، ولَك الشُّكرُ على ذلك".
ولما عَظُمَ شأنُ هذه النعمة، وقف الواقف في عرفةَ في أيام الحج، وتأمل نعمة الله عليه:
- بالإسلام وإدراك الحقيقة والعبودية.
- والخروج:
- من شر الشهوات وأسرها.
- ومن النفس الأمارة.
- ومن الهوى إلى اتباع محمدٍ.
فقال: "الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها من نعمة"، ومَرَّ له عام وحضر في عرفةَ، ونظر الى الموقف وتذكر النعم بذاك الفكر الراقي، من ذلك الحاضرِ القلب مع الله، فَهَمَّ أن يقول الكلمة وإذا بالحقِ يُسْمِعُهُ من حواليه، ملائكة يأتون يقولون: "يا هذا إن من العام الماضي نكتب ثواب كلمتك ما أنهيناها، وأنت تقولها مرة أخرى!"، فليقلها وعند الله جزاءُ مَنْ شكره، "الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها من نعمة".
تفسير قوله تعالى: (قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31))
يقول: (قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ)، اتركوا فكرَ هؤلاء ومسلكهم، ومسلككم معلوم مُبَيَّن بيّنته لكم:
- اغنموا حياتكم وما أعطيتكم، بالصلة بي والإنفاق في سبيلي.
- قوموا في محرابِ عبوديتكم، عبادةً لي.
- وأَدُّوا ما رزقتكم وما آتيتكم من رزقٍ في سبيل مرضاتي.
(قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) فهذا مسلككم.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ) [الأنفال:36]:
- لينشروا الفساد، لينشروا الإلحاد، لينشروا التبرج.
- لينشروا اختلاط الرجال بالنساء لغير مصلحةٍ لا للرجال ولا للنساء، لا دنيوية ولا أخروية.
- لينشروا التفرج على المنظورات المحرم النظر إليها.
- لينشروا المسكرات والمخدرات؛ (يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ).
- لينشروا الفتنة بين الناس، ليثيروا الناس على بعضهم البعض.
(يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُواإِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا) [الأنفال:36-37]؛ ملحد ومضاد ومعاند وفاسق، وعابد صنم، وعابد آلهة، ومدّع ألوهية للأنبياء ولغير الأنبياء، وكل أصناف الملحدين الكفار.
- (يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)، أي ليكن هذا مقصد المؤمن بالله على ظهر الأرض، أن يبذل جهده حتى لا تكون فتنة، فليس هو مِمنْ يبعثُ الفتنة، ولا من يفتح أبوابها.
- بل هو من يسد ثغراتها: (حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَة وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ*وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ)، إن قالوا لكم عندنا وعندنا وورانا، قولوا: الله مولانا، قولوا لهم: الله مولانا، (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الأنفال: 37-40]، جلَّ جلاله وتعالى في علاه، تولَّنا وانصرنا يا رب.
يقول:
- (قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ)، سماهم عباده ونسبهم إليه، فكم طَرِبت أرواحهم، وانتشت من "الياءِ" في هذه النسبة التشريفية: (لِّعِبَادِيَ).
- (قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ)، -الله أكبر- لم يستعبدوا لِهَوًا ولا لشهوةٍ ولا لصنمٍ ولا لإنسيٍّ ولا لجنيٍّ ولا لحزبٍ ولا لجماعةٍ ولا لطائفةٍ ولا لأرض ولا لسماء، هم عبيد لله وحده.
حتى قال له: يا محمد أنت قل لهم، فقط تجدهم مستجيبين مباشرة..
- (قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ)؛ يُقيموا، قل لهم أقيموا، يقيموا، مباشرة، لأنهم خُلَّص لي، ما تنازعهم شهوات ولا آفات ولا أهواء، بمجرد ما تأمرهم؛ يا نائبًا عني، يا آمرًا بأمري، يا مختارًا مِنْ قِبَلي، سينقادون مباشرة.
- (قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ)؛ يُقيموا الصلاة وينفقوا -على طول- ما يترددون ولا يتراجعون، سيقيمون الصلاة بأمرك لهم بإقامة الصلاة، قل لهم أنفقوا فسينفقون.
- (قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ)، يعني إذا أمرتهم بإقامتها، (وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ)، الله أكبر!
- ما قال قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا وأنفقوا، جعل الجزمَ هنا في الفعلِ جوابًا، يعني قل لهم: أقيموا؛ يقيموا، قل لهم: أنفقوا؛ ينفقوا، فهم على استعدادٍ على طاعتك.
- لأنهم علِموا أنك عبدنا الذي لا تأمر بنفسك ولا لنفسك، ولكن عن أمرنا تأمر، فلا يقدمون على أمرك أمر أحد، بمجرد ما تأمرهم سيأتمرون.
(قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ..(31))، أنت قل لهم فقط وهم سيعملون ذلك:
- (يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً)، وفي المعنى الآخر من جهةِ اللغةِ كذلك، قل لهم: ليقيموا أي أن أقيموا، ليقموا الصلاة على الأمر، والوجه الأول أبلغُ وأعظمُ فيه شهادة الله للمؤمنين أنهم أهل الإنقياد الفوري التام والطاعة الكلية عند أمر خير الأنام:
- كما قال: (لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا) [النساء:65].
- وقال: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) [النور:51].
- وكما قال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب:36]. قل لهم أن ينقادوا.
- (قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ)، الذين تحرروا من الرِّقِ لغيري وتشرفوا بالعبودية لي، فإنهم سيطيعونك،
- قل لهم: أقيموا الصلاة، (يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ)، قل لهم: ينفقوا مما رزقناهم، (يُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً).
- يفعلون ذلك في الحياة القصيرة استعداداً (مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)).
(يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً)، أي مُستغرقًا لهم ذلك؛
- في السر وفي العلانية يُصلُّون، في السر وفي العلانية ينفقون؛ لأنهم تعلقوا بذلك فاستغرقهم؛ فأخذ منهم السر والعلانية
- وهم في مثل الفرائض وما شُرِع فيه الجماعة من مثل قيام رمضان أو الوترِ في رمضان، يعلنون ذلك، وهم لهم نوافلُ يُسِرونها.
- وإنفاقهم ما أوجبنا عليهم من زكاةٍ يعلنونها. والمخلصون منهم الذين لا يراؤون ممن يُقتدى بهم، يعلنون أنواعًا من نفقاتٍ، ويُسرون نفقاتٍ أخرى، لا يطَّلع الناس عليها،
- كما قال: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) [البقرة:274]، -الله أكبر-
(يُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً)، في السر وفي العلانية (مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ)، فالآن ينفع الإنفاق، بعد ذلك تريد أن تشتري لا يوجد بيع، لو معك الأرض كلها وما فيها، لا يوجد بيع، لا يوجد بيع، تشتري شي ينفعك؟
- لا يمكن، فالآن يمكنك بمالِكَ هذا أن تكتسب، وأن تُرفعُ درجاتك عند ربك.
- فهذا شأننا إقامُ الصلاة والإنفاق مما رُزقنا سرًا وعلانية.
(مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31))، قل لهم:
- أن يُخاللوا أحبابي وأصفيائي ما داموا في الدنيا، فإن المخالّةَ غير تلك؛ لا تنفع يوم القيامة ليس شيء فيها نافع، لا يوجد فيها خِلال؛ مُصادقة مُصاحبة الصديق والشقيق والرفيق؛ لا ينفع، يعاديك يلعنك يسبك ما ينقذك ما يشفع لك.
- خذ لك خليل طيب من أجله، تقصد به وجهه، تتحاب أنت وإياه في الله، أما غير ذلك هذا الخلَّة بين الناس ما تفيدهم ما تنفعهم، حلفاء حلفاء حلفاؤنا أصدقاؤنا أصحابنا.
وماذا بعد ذلك؟
كلٌ يلعن الآخر، (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67]، (إِلَّا الْمُتَّقِينَ):
- أخِلّاء من أجل الله على منهج محمد، نِعْمَ الإخِلّاء في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.
- "المتحابونَ فِيَّ على منابرَ مِنْ نورٍ"، لكن الأخِلّاء الآخرين بعضهم لبعض عدو.
هذه نهاية المخالَـلة والمصادقة: (مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31))، إنما هي المكاسب والأعمال، ومن أقام الصلاة وأنفق هو الذي يرضى عنه من خَلَق، ويعطيه ما لا يُكَيَّفُ ولا يُعَبَّرُ عنه ولا بحقيقته يُنطق، مما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر.
اجعلنا في ذلك اليوم من الفائزين في زمرة حبيبك الأمين، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين ارزقنا الاستجابة لندائك ودعوتك على لسانِ خاتم أنبيائك. اللهم لا تخذل منا رجلاً ولا امرأة ولا صغيراً ولا كبيراً، وأسعدنا بأعلى السعادة، وأصلح لنا الغيب والشهادة، وتولنا بما توَّليت به محبوبيك والمقربين إليك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم بارك لنا في بقية ليالي شعبان وبلغنا رمضان واعنا على الصيامِ والقيام، احفظنا من جميع الذنوب والآثام، اجعلنا من الفائزين في رمضان شاكري نعمتك بإدراك رمضان، اجعلنا ندركه و نشكر نعمتك في إدراكه، واجعلنا يا مولانا نَصِلُه و نشكر نعمتك في وصوله، واجعلنا من أهله القائمين والصائمين إيمانًا واحتسابًا، والصادقين معك والظافرين بشرف العبودية لك المتحررين من العبودية لمن سواك، برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
25 شَعبان 1443