درس السيرة النبوية - رُسُل رسول الله ﷺ: أبي موسى الأشعري - 3

للاستماع إلى الدرس

من دروس السيرة النبوية التي يلقيها العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، ضمن دروس الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية، رُسُل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أبي موسى الأشعري - 3

عصر يوم الجمعة: 24 صفر 1448هـ

يتضمن الدرس مواصلة سيرة الصحابي أبي موسى الأشعري، وولايته على مناطق في اليمن، ووصية النبي ﷺ له ولمعاذ بن جبل رضي الله عنهما، كما ذكر علاقتهما الأخوية، وتفقهه في الدين، ومشاركته في حجة الوداع، بالإضافة إلى إنجازاته في كولايته على البصرة، وتطويرها عمرانياً واقتصادياً، واعتماده على منهج الشورى، ودوره في اقتراح وتأسيس التاريخ الهجري..

نص الدرس:

​نظَر الله إلينا وإليكم، وبارك في أوقاتنا وأقواتنا، وعلومنا وأعمالنا، وتعلُّمنا وتعليمنا، وحركاتنا وسكناتنا، أوسع البركة، وبارك لنا في ذكر رسل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وجعلنا من أنصار شريعته وسنته وهديه وملته ودينه، وأهل بيته وصحابته وأمته، وخَدَمتهم في لطف وعافية، الحمد لله.

​ولاية أبي موسى الأشعري في اليمن

الحمد لله، و​تقدَّم معنا بعض أخبار سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، ويتعلق بذكر ما ولّاه ﷺ عليه من الأماكن في اليمن، وكذلك ما تولى بعده ﷺ في عهد سيدنا عمر بن الخطاب وسيدنا عثمان بن عفان عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

​وكان سيدنا أبو موسى عامل النبي محمد ﷺ -يعني القائم عنه بالولاية- على زَبِيد وعدن وسواحل اليمن، فاستعمله ﷺ على زَبِيد وعدن وأعمالهما، أي: ما حواليهما من القرى. 

يقول: ولّى أبا موسى الأشعري زَبِيد ورِمَع وعدن والساحل (رِمَع ناحية في ناحية قومه الأشعريين من اليمن)، فولاه النبي بلاد قومه وما يليها من التهايم والساحل عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

​منهج النبي ﷺ في تولي الإمارة

​وكانت توليته له عندما قدم معه رجلان من قومه كما جاء في الصحيحين، قال أحد الرجلين: أمِّرنا يا رسول الله، وقال الآخر مثله، يطلبون يتولون إمارة في شيء من المناطق، وما أعجب  النبي ﷺ هذا؛ وكان لا يحب طلب الإمارة، قال لهم: إنّا لا نولي هذا مَن سأله ولا مَن حرص عليه.، في لفظ قال: لن نستعمل، أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ثم قال: أبي موسى: أنت الوالي، وبعثه هناك، هذا لم يسأل ولم يحرص.

​قال له: أنت، وأتبعه بعد ذلك بسيدنا معاذ يساعده على بعض المناطق، فكان سيدنا معاذ وسيدنا أبو موسى على نواحي اليمن في عهده ﷺ، وكما أرسل إلى حضرموت زياد بن لبيد، وتولى في عهده ﷺ، ثم في عهد أبي بكر الصديق.

​وصايا النبي ﷺ لمعاذ وأبي موسى

​ولما ولّى سيدنا أبا موسى وسيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنهما، قال لهما عليه الصلاة والسلام: "يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا"، فكانت هذه وصاياه الجامعة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لمن يقوم بخدمة الإسلام والمسلمين: أن يبنوا أمورهم على التيسير ويبعدوا عن التعسير، وأن يبنوا أمورهم على التبشير ويبعدوا عن التنفير، وأن يتقنوا التطاوع بينهم والتعاون والتكامل والتكافل؛ فبذلك تصلح الخدمة للدين، وتصح خدمة الشريعة والهدى الذي بُعِث به نبي الهدى ﷺ.

​أما مع الجنوح إلى جانب التعسير، فما يحصل من التنفير والتكدير أكثر، ولا يتبيّن وجه الجمال في الإسلام والدين والشريعة إلا بما أراد الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) كما قال جل جلاله وتعالى في علاه. 

  نحمد الله على الخير الكثير  ** نعمة التوحيد والدين اليسير

الحمد لله رب العالمين، أي: اليسر، وقال: "يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرا". ذكِّروا الناس بفضل الله وبثواب أعمالهم الصالحة وبواسع رحمته "ولا تُنفِّرا". 

​ضوابط التيسير والتبشير

​ومن غير شك أن كُلاً من التيسير والتبشير محكوم بزمام الانضباط والاعتدال، والذي ليس فيه تجرئة على مخالفة، ولا إهمال لواجب، ولا تساهُل بشرع، ولكن مُكتَنَف بما يحافظ على الأصل والأساس؛ فتيسير وتبشير يكتنفه نباهة ومحافظة على الأُسُس والأصول، واعتدال وانضباط.

"يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا". وهذا أساس في النصرة لمن يخدم دين الله تبارك وتعالى؛ أن يتطاوعوا، وأن يرجعوا أمرهم إلى كُبرائهم وصُلحائهم وذوي العقل والتقوى فيهم، يرجع أمرهم إليهم، وبذلك يستقيم الأمر ويصلح. 

وأما إذا تضاربت الأهواء وكُلٌّ يريد رأيه، تبطل الخدمة للدين، ويبعد النصر، ويحصل الفشل، قال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) أي: نصركم وجمعيتكم وبهاؤكم وقوتكم.. تذهب إذا تنازعتم (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ).

​بل يرجع الأقل إلى رأي الأكثر، ويرجع الكل إلى رأي الأمير أو رأي العالِم التقي الواعي، فيرجعون إلى آرائهم ويتخلون عن آراء أنفسهم، ويجتمعون ويتطاوعون ولا يختلفون، بذلك يحصل الخير. 

قال الله تعالى في عموم نصرة هذا الدين، يقول لنبيه: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) فما أَيَّده بمؤمنين متنازعين ولا متخالفين، لكن أَيَّده بمؤمنين ألَّف بين قلوبهم، وذكَّرهُ نعمة الألفة، وقال: (لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، جل جلاله.

نسأل الله أن يؤلِّف بين قلوبنا وقلوب أهل التعلُّم والتعليم فينا وأهل الدعوة إلى الله منا ومن المسلمين؛ حتى يجتمعوا على ما يحب ربهم منهم، ويبعد التنازع والفشل (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ).

 قال لهم ﷺ: "يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا". فهو منهج كامل لمن أرادوا أن يخدموا الدين وينشروا الدعوة وينصروا الشريعة المطهرة، ثبَّتنا الله على هذا القَدَم.

​العلاقة الطيبة بين أبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما

​وجاء عن ما يذكر أبو بُردة قال: كان كل واحد منهما إذا سار في أرضه فقَرُب من حدود أرض صاحبه دخل يسلم عليه ويزوره، أحْدَث عهداً به، فكانوا هكذا. فإذا وصل أبو موسى الأشعري إلى شيء من الحدود التي فيها سيدنا معاذ، يدخل إلى المِخْلاف الذي فيه سيدنا معاذ ويُسلِّم عليه ويزوره ويرجع، وإذا وصل لشيء من الحاجات سيدنا معاذ إلى قريب من زَبِيد، وكان سيدنا أبو موسى يدخل إلى عنده ويُسلِّم عليه، وهكذا.

​قال: وسار معاذ في أرض قريباً من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، صادفه في وقت إقامة حد على واحد ارتد والعياذ بالله تبارك وتعالى، واستتابوه فلم يرضَ أن يتُب فقدَّموه للقتل. فإذا بالرجل جُمِعَتْ يداه إلى عنقه، فقال له معاذ -بعد أن سلم على سيدنا أبي موسى وردّ عليه السلام- قال له: ما هذا؟ أيّما هذا؟، قال: رجل كفر بعد إسلامه، قال: إذن أقيموا عليه الحد، لا أنزل حتى يُقتل. قال: إنما جئنا به لذاك -ما جئنا به إلى هنا إلا بعد ما عرضنا عليه التوبة وأبى وأصر، ونقيم عليه الحد-، قال: ولا أنزل حتى تقيموا أمر الله، فأمِر به فقُتِل، ثم نزل. 

قال: يا عبد الله، كيف تقرأ القرآن؟ -مخاطبات خدام الشريعة وأنصار الحق ورسوله، كلامهم الذي يدور بينهم- كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفَوَّقُه تَفَوُّقاً -يعني أقرأه شيئاً بعد شيء في الليل والنهار حتى أختمه وهكذا-، فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيتُ جُزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسِب نومتي كما أحتسب قَوْمتي.. هكذا جاء في صحيح البخاري عنه.

أي: ينام بمقدار الحاجة والضرورة ليتقوّى على القيام، فقال: فأنا أرجو أن أُحَصِّل من الثواب في المنام ما أُحَصِّله أيضاً في القيام؛ لأنه عَوني على القيام، ولا يسترسل فيه وإنما يأخذ بمقدار الضرورة عليه رضوان الله تبارك وتعالى، وهكذا.

​تفقه أبي موسى وتحريه للحلال والحرام

​جاء أيضاً عن سيدنا أبي موسى الأشعري تحرّيه في الأمور، وسؤاله النبي ﷺ عما يدور في أحوال الناس، ومن ذلك ما انتشرَ من بعض الأشرِبة في اليمن، فيسأله يقول له: أشربة تُصنَع في اليمن ما حكمها؟ قال له ﷺ: ما هي؟ قال: البِتْع والمِزْر. (البِتْع: نبيذ العسل، يضعون الماء في العسل يوماً أو يومين ثم يشربونه، والمِزْر: نبيذ الشعير)، قال ﷺ: كل مسكر حرام. كل ما وصل لحد الإسكار حرام، خمر ما يجوز، قل لهم ما يشربون، ووقَّت لهم أن لا يزيد على يومين، إذا زاد على يومين ما يشربونه؛ لأنه يكون بدأ يتغيّر. قال: "كل مسكر حرام". 

فالخمر في عُرف الشرع: كل ما أذهب عقل الإنسان وحِسَّه فهو خمر وهو حرام. فقال لهم فنبّهه على هذا، وهكذا كان تفقُّه سيدنا أبي موسى وسؤاله النبي ﷺ.

​حجة الوداع وتوافق إحرام أبي موسى مع إحرام النبي ﷺ

​ولما حج ﷺ حجة الوداع وسيدنا أبو موسى في اليمن، أقبل يحجّ مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما سيدنا معاذ ففي آخر مرة أرسله إلى اليمن، مشى معه ﷺ في الطريق وقال له: "لعلّك لا تلقاني بعد هذا"، وأخبره وقال له: فلا تنس أن تزورنا، يعني: يزور قبره الشريف، فذهب، فكان في تلك الحجة وهو في اليمن وكان مشغولاً ببعض الأمور.

فجاء سيدنا أبو موسى وتوفي ﷺ ومعاذ في اليمن، جاء بعد وفاته، دخل الحجرة الشريفة وأَكَبَّ على القبر الشريف يبكي عليه رضوان الله تبارك وتعالى.. قال له: "لعلّك لا تلقاني بعد هذا"، خرج يودّعه إلى الطريق ﷺ. 

سيدنا أبو موسى وَفَدَ إلى حجّة الوداع، وكانت قصته مثل قصة سيدنا علي في الإحرام، ولما وصل قَدِمَ على النبي ﷺ مُنيخاً بالبطحاء، يقول: "بِمَ أهْلَلْتَ؟" -كيف كان إحرامك، بعمرة متمتع وإلا مفرد بحج وإلا قارن؟- قال له سيدنا أبو موسى: أهْلَلْتُ بإهلال كإهلال النبي. -أنا قلت: يا رب أحرمتُ بما أحرم به نبيك، الذي أنت أحرمت به أنا وراك ﷺ-

كان شدة حرص الصحابة على أن يوافقوه ﷺ في إحرامهم ليكونوا مثله. قال: أهْلَلْتُ بإهلال كإهلال النبي، قال له: هل سُقْتَ من هَدْي؟ -هل معك هدي تهديه للحرم-، قال: لا. قال: طُفْ بالبيت والصفا والمروة ثم حِلّ، ثم أحرم بعد ذلك للحج عند ذهابك.

 

​وبقي هو ﷺ على إحرامه بسبب أن عنده الهدي، سيدنا علي لما وَرَدَ أيضاً قال له: كيف أهْلَلْتَ؟ قال: أهْلَلْتُ بما أهَلَّ به رسول الله، قال: سُقْتَ الهدي؟ قال: نعم، -معه هديه- قال: فابْقَ على إحرامك، انتظر حتى نُكْمِل حجتنا، فلما قال له هكذا وجد السيدة فاطمة قد حَلَّت بأمر نبيها، فأنكر عليها، قال: كيف تجيئني للحج ما تنتظريني؟ قالت: أمرني بذلك أبي. فرجع إليه، قال له: نعم، أنا أمرتُ مَن لم يَسُق الهدي من الصحابة أن يحِلّوا، يُكملوا العمرة ويحلوا ويبقوا ينتظرون وقت الحج، ومَن معه الهدي ابقَ معه، وهو بَقِيَ على إحرامه ﷺ حتى انتهى من الحج صلوات ربي وسلامه عليه.

​قال: فَطُفْتُ بالبيت وبالصفا والمروة ثم أتيتُ امرأة من قومي مَشَّطَتْني وغسلتْ رأسي، بَقِيَ أبو موسى رضي الله عنه على عمله باليمن حتى قُبِض صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الله أكبر!

 ولم يزل بعد وفاة نبينا على المنهج الذي عَلَّمَه نبينا، وأشهدَه نبينا يهتدي ويقتدي ويؤدّي المهمات والواجبات، ويفي بالعهد حتى لقي الله جل جلاله وتعالى في علاه.

​ولاية أبي موسى على البصرة والكوفة وفتوحات الشام

​شَهِدَ بعض فتوح الشام، وبعدها وُلِّي البصرة في أيام سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفتح الله على يديه عدداً من البلدان، ثم في أيام سيدنا عثمان وُلِّيَ الكوفة. 

فذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق أن سيدنا أبا موسى قَدِمَ الشام وشَهِدَ بعض فتوحها، وحضر وفاة أمين هذه الأمة سيدنا أبي عبيدة في عام اسمه (طاعون عمواس) يسمّونه، ماتوا فيه كثير تلك الأيام، من جُملتهم سيدنا أبو عبيدة عامر بن الجراح، والذي اختار الله قبره هنا الآن على الحدود التي مَدَّ أعداء الله أيديهم إليها إلى حدود الأردن، فهو على الحد قائم، كأنه على الثغر في بعد وفاته كما كان في حياته عليه رضوان الله مُجاهداً في سبيل الله، فسيدنا أبو موسى عليه رضوان الله تبارك وتعالى، حضر وفاة أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه سنة ثمانية عشر من الهجرة النبوية. الله أكبر!

​وكان تَولية سيدنا عمر لسيدنا أبي موسى على البصرة؛ كان سيدنا عمر بالشام، يقول سيدنا عمر: بالشام أربعون رجلاً ما منهم رجل كان يلي أمر الأمة إلا أجزأه، فأرسل إليهم، جاء رَهْط فيهم سيدنا أبو موسى، الأربعين الذين يختارهم، من الذين تفرّقوا في الشام أتقياء، يصلحون للإمارة والقيام بخدمة الدين على الوجه الصحيح. 

قال سيدنا عمر لأبي موسى: "إني أرسلك إلى قوم عسكر الشيطان بين أظهرهم". قال: فلا تُرسِل، -لِمَ توديني؟- قال: "إن بها جهاداً ورباطاً" ، -قال مرحبا سنجاهد ونرابط وكذا.. ونصبر عليهم وعلى ما عندهم، فأرسله إلى البصرة عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

​وشَهِدَ أبو بكر ونافع بن الحارث وشِبْل بن معبد وزياد على المغيرة بن شعبة، فعَزَله عمر عن البصرة ووَلَّاها أبا موسى الأشعري.

مع أنه جَلَدَ هؤلاء حَدَّ القذف الذين شَهِدُوا. ولكن أبعد المغيرة من الولاية بعد هذه الشهادة عليه، ووَلَّاها سيدنا أبا موسى عليه رضوان الله تبارك وتعالى. 

وأمره أن لا يُحِل عُقْدَة حتى يُشْخِص إليها المغيرة والشهود، فَقَدِمَ أبو موسى البصرة، فلم يَحُلَّ رِحاله ثلاثاً حتى أنفذ أمر عمر، وجّه عمر معه جماعة من الصحابة، منهم سيدنا أنس بن مالك، البراء بن مالك -أخو سيدنا أنس-، عمران بن حصين رضي الله عنهم، يساعدون سيدنا أبا موسى في القيام بالأمر هناك.

​رسالة سيدنا عمر التوجيهية في الحكم

​ولما وَلَّاه كتب إليه كتاباً، يقول لمن قبله كان والياً في البصرة، المغيرة بن شعبة، يقول له: "أما بعد، فإني قد بعثت إليكم عبد الله بن قيس أميراً، ليأخذ لضعيفكم من قويّكم، وليقاتل بكم عدوكم، وليدفع عن ذمّتكم، وليُحْصي في فيئكم ثم ليَقْسِمَه بينكم، وليُنَقِّي لكم طُرقكم"، فهذا كتبه لأهل البصرة وسيدنا أبي موسى الأشعري لمّا ولّاه على البصرة، بَيَّن فيه مهمة الأمراء في الإسلام، مهمة الأمير والحاكم في أي منطقة، قال لهم: "ليأخذ لضعيفكم من قويّكم، وليقاتل بكم عدوكم -في الجهاد في سبيل الله-، وليدفع عن ذمتكم، وليُحْصي فيئكم ثم يقسمه بينكم، وليُنَقِّيَ لكم طرقكم" -يقوم بمصالحكم- عليه رضوان الله تعالى، أربع كلمات.

​منهج الشورى في إدارة أبي موسى

​وكان أبو موسى عليه رضوان الله مِمَّن يستعين في أموره وشؤونه في الولاية والأمر بأهل الفضل وأهل الصلاح مِمَّن لهم السابقة من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الله أكبر! فيستعين في عمله بأهل الفضل والسابقة عليه رضوان الله، وبذلك تصلح الأمور وتستقيم.

 وهكذا جَعَلَ الله البركة في الشورى والرجوع إلى الأفاضل والأكابر، وجاء عند الطبراني أنّ سيدنا أبا موسى استعان بـ 29 رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ، فيهم أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر وغيرهم. قال: "وجدتهم -يقول سيدنا أبو موسى- في هذه الأمة وهذه الأعمال كالملح، لا يصلح الطعام إلا به".

​ووصّاه سيدنا عمر يُدني منه الأحنف بن قيس ويشاوره، كتب إليه: "أن أَدْنِ الأحنف بن قيس وشاوره واسمع منه"، فهكذا كانوا يتواصون بالشورى وتراجع الأمر والرأي بينهم، ليظفروا بأداء الأمانة وما ينفع الناس، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، الله أكبر!

​إنجازات أبي موسى العمرانية والاقتصادية

​وكان من مُهِمّاته في البصرة أن بنى جامع البصرة عليه رضوان الله تبارك وتعالى، ودار الإمارة باللَّبِن والطين وسقفهما بالعُشْب، وحَوَّل البصرة إلى مِصْر من الأمصار، واستقرأ كُوَر دجلة، وأمر بمساحتها ووضع الخراج على قَدْر الاحتمال. 

ولما شكوا إليه أهل البصرة بُعدهم عن الماء العذب، كتب عمر إليه أن يَحْفِر لهم نهراً، فحفر "نهر الأُبُلَّة" حتى أجراه إلى البصرة. وهكذا أرسل إليه سيدنا عمر يُلْحِق ذراريهم بالعطاء من بيت المال، وفي طريق البصرة أيضاً موضع يقال له حَفَر أبي موسى، لأنه احتفر فيه ركايا للمارة، عليه رضوان الله تبارك وتعالى، فله آثار كثيرة.

​دور أبي موسى في تأسيس التاريخ الهجري

​وكان مُن مآثره وضع التاريخ هذا، كان لمّا وَلَّاه سيدنا عمر كتب إليه، قال أرسل إليه سيدنا أبو موسى يقول له: "يا أمير المؤمنين، إنه تأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فما ندري متى كان قولك لها وكيف وضعها؟" فجمع الناس سيدنا عمر للمشورة، لأنه كانوا آخر شيء يؤرخون بعام الفيل، فلما اجتمعوا قالوا: نريد تاريخاً الآن في الإسلام. فتشاوروا بينهم حتى ذكروا الهجرة، قال: "أرى هذا، فإن الله يقول لنبيه عند خروجه إلى الهجرة: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ)، فنجعل التاريخ من الأول، هذا هو الأول، أول سنة نعدها عندنا أول يوم، فنجعل تاريخنا. قالوا: هو هو، فجعلوا التاريخ العام الهجري، وأرّخوه بالهجرة، فصارت السنة الأولى والثانية عشر في حياته ﷺ، والحادية عشر توفي فيها، وكانت الثانية عشر والثالثة عشر في خلافة سيدنا أبي بكر والرابعة عشر توفي فيها، والخامسة عشر ابتدأت ولاية سيدنا عمر بن الخطاب، والسابعة عشر إلى أن أكْمَل 25 من الهجرة رضوان الله تبارك وتعالى فتوفي، وأخذ سيدنا عثمان، فاستمر التاريخ الهجري.

​فسببه أبو موسى لمّا قال له كتبك تجيء بلا تاريخ، اعمل لنا تاريخ، فجمع مَن عنده من الصحابة في المدينة وتشاوروا فأسَّسوا التاريخ الهجري. فكان هؤلاء هم الآن من حين هاجر نبينا ﷺ، ثمانية وأربعين وأربعمائة وألف من السنين، ولهم ما هم من حين بدأوا في تأسيس ذلك، بحدود خمسة وثلاثين سنة وأربعمائة وألف من الهجرة.

​الدعاء والختام

​ملأنا الله بمحبة المحبوبين لديه، ورزقنا مُتابعة أحب محبوب له زين الوجود في الأقوال والأفعال، ونظر إلينا نظرة يُبارك لنا بها في بقية أيام دورتنا هذه، حتى لا تنقضي الدورة إلا وقد ظفرنا بالنظرة، ودخلنا في الدائرة مع أهل القلوب الحاضرة النقية الطاهرة، وهيأنا الله لكريم الشهود، وأسعدنا بأعلى الصدق معه في الغيب والشهود والوفاء بالعهود، إنه الكريم الودود.

​بسر الفاتحة إلى حضرة النبي محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، (الفاتحة).

 

تاريخ النشر الهجري

15 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

28 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام