أمانة الرسالة وعظيم منهاجها في العلائق بين الخلائق وحراسة الدماء والأعراض والأموال من كل أذى

للاستماع إلى الخطبة

 خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، في مسجد الملك عبدالله، في عمّان، الأردن، 19 جمادى الأولى 1448هـ بعنوان:

أمانة الرسالة وعظيم منهاجها في العلائق بين الخلائق وحراسة الدماء والأعراض والأموال من كل أذى

لتحميل الخطبة pdf

تضمنت الخطبة:

  •  بيان عظمة منهج الإسلام في حفظ الحقوق وصيانة النفوس والدماء.
  •  التحذير الشديد من قتل النفس بغير حق، وأن الرضا بالقتل مشاركة في الإثم.
  •  الدين أمانة لا يخضع للأغراض السياسية أو الأهواء الشخصية.
  •  حقوق غير المسلمين، ووجوب البر والقسط وحفظ حق الجوار والمواطنة.
  •  استنكار الاعتداء الذي وقع ومواساة أهالي الضحايا والمصابين.
  •  الدعوة إلى ضبط الغضب بميزان الكتاب والسنة، ونبذ الغِل والحقد والشحناء.

 

نص الخطبة:

    الحمد لله رب العالمين، القويّ القادر القاهر المتين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، جامع الأولين والآخرين، ليفصل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون يوم الدين. 

يُنادي مُناديه: أنا الله الحَكَم العَدْل، الذي لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعنده مَظْلَمة لأحدٍ من أهل النار حتى اللطمة فما فوقها حتى آخُذها منه، ولا ينبغي لرجل من أهل النار أن يدخل النار وعندهُ مَظْلَمة لأحد من أهل الجنة حتى اللطمة فما فوقها حتى آخُذها منه، سبحانه من حكيمٍ عَدلٍ خبيرٍ، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.

   وأشهدُ أن سيدنا ونبينا وقرّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، البشير النذير والسراج المنير، المؤتمَن من قِبَل حضرة الله الخالق على هُدَى الخلائق، وإبلاغ الرسالة إليهم صافيةً كاملةً على خير الوجوه، فبلّغَ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغُمَّة، وجلا الظُّلْمة، وترك أمته على مَحَجَّة بيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، جنَّبنا الله الأسواء والمهالك.

    اللهم أدِم صلواتك على عبدك الهادي إليك والدالّ عليك، والمُبيّن لحكمك ومنهجك في البرية، محمدٍ ذي الرتبة السنيّة، وعلى آله وصحبه ومن سارَ في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

   أما بعد، عباد الله، فإني أوصيكم وإياي بتقوى الله عالم السر والنجوى، في كل حركة وسكون، في الظهور وفي البطون، فما مُهِمَّة الإيمان إلا أن ينطلق القلب والجوارح والأعضاء في تقوى الرحمن، والاستقامة على ما أحبّ في السر والإعلان.

منهج الله في رعاية الحقوق:

    أيها المؤمنون، وإنّ من أمانة هذا الدين، وأعظم الأُسُس التي جاء بها خاتم النبيين، بيانَ منهج الله تبارك وتعالى في رعاية الحقوق: للصغير والكبير، والذكر والأنثى، والجار والبعيد والقريب مِن المسلمين، ومن أنواع وأصناف الكافرين، بل وحقوق الحيوانات والنباتات والجمادات، في منهاجٍ إلهيٍّ ربانيٍّ مِن عالم السر والنجوى، من العليم بكُلِّ شيء والقادر على كل شيء.

إنه الله، جعل في عبادهِ هذا المنهاج الذي لا يمكن لشعبٍ ولا لدولةٍ في الشرق والغرب على مدى القرون أن يأتوا بمنهج أبْيَنَ منه ولا أحسن ولا أقوَم في تقويم العلاقة بين الناس والتعايش بينهم. 

وأن يعيشوا على ظهر الأرض:

  • في صلاحٍ وفي هُدًى 
  • وفي تعاونٍ على ما ينفع، 
  • وفي كفٍّ عن الظلم والعدوان والسوء والشر بأصنافه وأنواعه. 

لا نظام ولا قانون خيرٌ من منهج الله ونظام الله وبلاغ رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

فكانت تلك الأمانة التي حملها خاتم الأنبياء، ووعاها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وقاموا بها أحسن القيام، عليهم رضوان ربنا جل جلاله وتعالى في علاه.

خطر إزهاق النفوس بغير حق:

وإن أعلى وأجَلّ ما في هذه الأمانة ما يتعلّق بالدماء والنفوس، وخطر إزهاقها بلا حُجّة من المَلِك القدوس، والأذى بغير حقٍّ ولو لحيوان يؤاخَذ عليه المؤمن في عقيدته، ويجزم أن الله خالق ذلك الحيوان سيأخذ حقهُ يوم يُقتصُّ حتى بين الحيوانات وهي غير مكلّفة، فكيف بمن كُلِّف من الإنس والجن؟

أيحسَبُ إنسيٌّ أو جنيٌّ أن يفعل ما بدا وحلا له ودعتهُ إليه نفسه من أذى مخلوقٍ، ثم يغفل الخالق عنه، أو يهمله أو يُضيّعه؟

 إنه الخالق الذي لا يُضيّع شيئًا من خلقه، ولو دابة ولو حيوانًا، جل جلاله.

وإن من الناس -كما صحّ في الحديث- من يُبطَح على حجارة من نار، فيرفسه الحيوان الذي آذاه بغير حق، بل الحيوان الذي قتله بغير حق، حتى يُقضى بين الخلائق. 

إنه الخالق الكبير المُتعال، العدل الذي لا يُظلم عنده أحد جل جلاله، والقائل: "أنا الظالم إن لم أنتقم من الظالم"، (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ).

من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا:

   أيها المؤمنون وفي ذلك جاء في أمانة الرسالة: (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) نفس واحدة! (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).

ثم يقول صاحب الرسالة: "لا تُقتَلُ نَفسٌ ظُلمًا إلَّا كانَ على ابنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفلٌ مِن دَمِها؛ لأنَّه كانَ أوَّلَ مَن سَنَّ القَتلَ". 

قابيل بن آدم لصُلبه قتل أخاه هابيل، فكانت البداية في الانحراف والانجراف وراء الأنفس والأهواء على غير بصيرة من الله، لاستحلال الدماء إرضاءً لشغف النفس وهواها، وشيء من مراداتها أو حسدها أو غِلّها.

قَتل نفسًا واحدة، فبالله عليكم كم قُتل بعده على مدى القرون من أنفس ظلمًا؟ كيف يُشارك في إثمها كلها؟ 

ما أشدّ ما ابتُلي به! ما أخطر ما وقع فيه! بقتل أخيه صار مشاركًا في قتل كل نفس ظلمًا إلى أن تقوم الساعة، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

الرضا بالقتل مشاركة في الإثم:

وكم تُقتَل وتُزهق من النفوس في غزة أو في الضفة أو في الخليل أو في القدس أو في غيرها من بقاع الأرض، شامًا ويمنًا وشرقًا وغربًا، بغير حقٍّ، ويشارك هذا الذي أردى نفسه فيها، والعياذ بالله. 

بل كل من رضي ذلك دخل في المشاركة في الإثم، ولو أنّ نفسًا قُتلت بغير حق في أقصى المشرق فارتضاها رجل بالمغرب كان شريكًا لأصحابها، كان شريكًا لأولئك القتلة، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

لا يرضى المؤمن بسفك دم ولو لحيوان بغير حق، فكيف بالمسلمين؟ فكيف بالجيران؟ فكيف بأهل الذمة؟ فكيف بالمواطنين؟

أمر الدين أمانة لا أغراض سياسية:

أيها المؤمنون، إن أمر الدين أمانة، ليس عُرضة للأغراض السياسية، ولا للمرادات النفسية، ولا للشهوات، ولا لإرضاء النفوس بشيء، يحكُم على الأمير والمأمور منا، والصغير والكبير.

وبذلك جاءت سيرة البشير النذير والسراج المنير، ووعى عنه ما تلاه عليهم من أقوال الله، وهو يقول تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ)، من هو؟ الله (ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).

(لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ): تدركون عظمة الأمر وخطره، وشدة الحساب فيه، والمؤاخذة عليه يوم الوقوف بين يدي الحاكم العادل، الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.

هكذا، حتى جاءنا في الحديث: "لا يزالُ المرءُ في فُسْحَةٍ من دينِهِ ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا"، فإذا أصاب الدم الحرام ضيَّق على نفسه، ضيَّق مجيء رحمة الله، ضيَّق على نفسه التعرض لمغفرة الله بقتل النفس المحرّمة، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، يقول جل جلاله وتعالى في علاه.

وبذلك، وبما يضمن للناس أن يعيشوا على ظهر الأرض في أمنٍ وطمأنينة، وكَفٍّ لشر بعضهم عن بعض، وانبعاثٍ لنفع بعضهم البعض، جاءتنا الآيات الصريحات والأحاديث الكريمات عن المؤتمن على إبلاغ رسالة رب الأرض والسماوات صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وفاء النبي ﷺ لمطعم بن عدي:

ويقول في هذه الرعايات: "لو كان مُطعِم بن عديّ حيًّا"، بعد غزوة بدر، غزوةٍ فيها صناديد المضادّين المعاندين المفسدين المنكرين المشركين، قاتلوا رسول الله، وفيها سبعون من الأسرى، يقول: "لو كان مطعم حيًّا وسألني في هؤلاء لأعطيتهم إياه"، وهو كافر! مقابلةً لمعروفٍ فعله، معروفٍ فعله هذا الكافر، يوم دخل ﷺ إلى مكة المكرمة بعد أن رجع من الطائف بعد تلك الشدة، فلم يقدر أن يدخل إلا في ذمّة أحد، وبعث إلى رجل فاعتذر، والآخر فاعتذر، وأدخله هذا في ذمّته إلى بلده، إلى مكة المكرمة.

وكان مِمّن سعى في نقض الصحيفة الجاهلية التي حُصِر فيها رسول الله وبنو هاشم جميعًا في شِعب بني هاشم بمكة المكرمة، ومُنِعوا من أن يُشترى منهم أو يُباع عليهم، وأُقيم عليهم ذلك الحصار الذي هو مسلك الكفار من ذلك الوقت إلى أيامنا هذه، وحاصروهم لا يرضون أن يدخل إليهم دواء ولا غذاء ولا شيء مما ينفعهم، وصبر ﷺ ومعه القبيلة كلها، مؤمنهم وكافرهم، ثلاث سنوات حتى فرّج الله عليهم.

وكان ممن سعى في نقض الصحيفة، فقال ﷺ لو كان حيًّا وسألني في السبعين كلهم -الأسرى- لأعطيتهم إياه، إكرامًا له على ما فعل. 

يحمل رسول الله حُسْن أداء المعروف وردّهُ لمن فعله ولو كان كافرًا مشركًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

مقابلة المعروف بسفك الدم:

فكيف تأتي لنا الأخبار بالتعدّي على من له معروف، ومن له إحسان، ومن له مجاورة، ومن له مواطنة، إلى غير ذلك؟ 

كيف يُقرأ عن الأردن أنه يحلّ فيه التعدي على طبيب مسيحي اسمه محمد، اسمه محمد، كان لتقديمه المعروف اشتهر بين قومه وجماعته أنه طبيب الفقراء، طبيب الفقراء؟ يُقابَل المعروف بالتجرّي وسفك الدم والقتل!

ويُؤتى للطبيب الآخر الذي تخرّج، ويُؤتى للصيدلاني، ويُؤتى للقانوني، ويُؤتى لهؤلاء في جنازة لهم فيُقتلون بغير حق! بأي عقل؟ بأي ديانة؟ بأي نفس؟ بأي قلب؟ بأي معنى؟

إنه التناقض مع أمانة الكتاب والسنة، إنه التناقض مع هدي محمد وما جاء به صلى الله عليه وآله وسلم.

هدي النبي ﷺ والخلفاء في القتال:

وقد تعددت الروايات عندنا في كتب السنن أنه إذا أراد أن يُرسل مقاتلين من الذين يقاتلون المقاتلين من الكفار، سريةً يبعثها، قال لهم: "اغزُوا في سبيلِ اللهِ، قاتلوا مَن كفَر باللهِ، لا تغُلُّوا.. ولا تقتُلوا وليدًا.."، كما جاء في صحيح مسلم، ثم في غيره من كتب السنة، وفيها زيادات في الهدي النبوي والإرشاد، مضى عليه الخلفاء من بعد.

وروى الإمام مالك في موطَّئه عليه رضوان الله تبارك وتعالى، ما كان من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقد رأى ذميًّا يهوديًّا يسأل على أبواب المساجد، قال: ما لك؟ قال: كبرتُ وضعفتُ عن العمل، وأنا أدفع الجزية، فقال أمير المؤمنين، المربّى بتربية النبي الأمين: ما أنصفناكَ إن أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم أضعناك في كِبَرك! ارجع حيث أنت، أسقطتُ عنك الجزية، وأجريتُ لك من بيت المال ما يكفيك.. ارجع وعِش في شبيبتك وفي شيخوختك، وخذ من بيت مال المسلمين ما يكفيك.

شدة موزونة بميزان الكتاب والسنة:

هذا عمر، الشديد على أعداء الله، لكنها شدة موزونة بميزان الكتاب، بميزان السنة؛ لا شدةٌ لها غرض سياسي، ولا شدةٌ لها مطمع دنيوي، ولا شدةٌ لها دافع نفسي.

 إنها الشدة الموزونة بميزان كتاب الله وسنة رسوله، إنها الشدة الموزونة بنظر القرآن الكريم: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، كما قال جل جلاله في وَصفهم.

فما كان من شدتهم على الكفار أن يُضيّعوا كافرًا بينهم مضت له السنون، أبى أن يُسلم وأن يدخل دين الحق، وظلَّ على كفره وباطله، ولكنه إنسان يرعونَ حرمته ويرعونَ حقوقه.

 من أين جاء بهذا عمر؟ لو كان على حاله في الجاهلية لكان الأمر آخر، لكنه تهذيب الكتاب المُنزَل، وتأديب النبي المُرسَل، أدّب عمرَ بن الخطاب حتى حوّلَ شدته وغلظته إلى مكانها وإلى ميزانها.

وهكذا كان الصِّدّيق عليه رضوان الله، إذا أرسل شيئًا من السرايا يقول لهم: "لا تقتلوا وليدًا، ولا امرأةً، ولا شيخًا كبيرًا، وإنكم ستجدون أقوامًا اعتزلوا في بِيَعِهم أو في أماكن عباداتهم"، قال: "فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له"، دعوهم وما حبسوا أنفسهم له،  ليسوا بمقاتلين، وليسوا بمضادّين.

وجاء الميزان القرآني يقول: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا)، ما جعل الله لكم عليهم سبيلًا.. فمن أين جاء السبيل؟ الله ما جعل سبيلًا لمن ليس مواطنًا وليس مجاورًا في مكانه، لكنه اعتزل وألقى السلم ولم يؤذِ، قال الله: لا سبيل لإيذائه، لا سبيل لضُرّه. 

هذا صريح القرآن الكريم، وعليه مضى الخلفاء الراشدون، فكان عمر بن عبد العزيز عليه رضوان الله يكتب إلى أمُراءِه بكتاب أبي بكر الصديق، ويقول لهم: امتثلوا الأمر، وقوموا على هذا النسق والنهج والسنة النبوية الحميدة.

من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة:

    أيها المؤمنون بالله، يقول ﷺ كما روى الإمام البخاري في صحيحه: "مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لم يَرِحْ رائِحةَ الجَنَّةِ، وإنَّ ريحَها لَيوجَدُ مِن مَسيرةِ أربَعينَ عامًا"، لا يقرب مقدار أربعين عامًا من الجنة، ما يجد الريح، من قتل معاهدًا أو ذميًّا.

هكذا يقول في صحيح البخاري ﷺ، في أحد أصَحّ ما وصل إلى الأمة من الأسانيد، فكيف يقال له: اقتل لتدخل الجنة؟! ورسول الله يقول: "لم يَرِح رائحة الجنة"! 

فهل من فتاوى فوق فتاوى رسول الله؟ هل من حكم فوق حكم الله ورسوله ليتقمّص به دين، أو أيّ عذر من الأعذار يتذرّعون به؟ إنها المسألة الخطيرة، إنها الأمانة في دين الله يا أهل دين الله.

وما تُقتَل نفس ظلمًا إلا جاء صاحبها يوم القيامة تَشْخَب أوداجه، حاملًا رأسه، يقول: يا رب، اسأل هذا فِيمَ قتلني؟ ولِمَ قتلني؟ كذلك حتى الحيوان، فكيف الإنسان؟

وإذا كان هذا لأهل الذمة وللمعاهدين، فكيف بأهل المواطنة، ومن قامت بينهم حُسْن المجاورة والمعاملة من أيام الصحابة عليهم رضوان الله، ومن عهد سيدنا عمر إلى أيامنا هذه؟ إنها، إنها فجائع أيها المؤمنون!

وجزى الله سبحانه ملك البلاد خيرًا؛ إذ سارع وبادر إلى مواساة المصابين وجبر مصابهم، فناب عن شعب الأردن خاصة، وناب عن أهل الملة، ثم عن أهل الإنسانية في الأرض عامة.

    أيها المؤمنون، لا فوق نظام ربكم نظامٌ يحمي الأمة ويحفظ لها حقوقها، حتى حقوق غير الإنسان، فكيف بالإنسان؟

ألا فعظِّموا دين الله، وامتثلوا أمره، واتركوا ذَلِكُم الغِلّ والحقد والحسد والتصرُّف بغير بيّنة وبصيرة من دين الله.

الدعاء لأهل الأردن وجمع الشمل:

    اللهم اجعل هذه الحادثة التي حدثت سببًا لجمع أهل الأردن على ما تُحِب وترضى، وتعايشهم على المنهج الأقوى.

 اللهم ادفع السوء والبلوى، واجبر مُصاب هؤلاء المصابين، إخوان الوطن، وإخوان الجوار، وإخوان الإنسانية. 

اللهم اجبر مصابهم، وخفِّف الشدائد عنهم، وألهمهم الرشد في أحوالهم.

اللهم اجمع شمل أمة محمد، وهي الدعوة التي فارق عليها عثمان بن عفان هذه الحياة، اللهم اجمع شمل أمة محمد، اللهم اجمع شمل أمة محمد، وسِر بنا في المنهج الأرشد، وادفع عنا الأذى والبلاء في الدنيا ويوم غد.

يا حاكمًا بين الناس فيما فيه يختلفون، لا تعرّضنا لعقوبة يوم حكمك ويوم صدور أمرك، يوم لا تدع صغيرة ولا كبيرة إلا أبرزتها وأحصيتها، وقالوا: (يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)، اسلك بنا سبيل الهدى.

والله يقول وقوله الحق المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: 

(مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ).

اللهم اجعلنا من أهل جنتك، بارك لنا في القرآن العظيم، بارك لنا فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبّتنا على الصراط المستقيم، وأجِرنا من الخزي والعذاب الأليم، برحمتك يا أرحم الراحمين. 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

    الحمد لله رب كل شيء ومليكه، منه المبتدأ وإليه المرجع.

     وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، لم يضرب بيده رجلًا ولا امرأة ولا صبيًّا ولا مملوكًا إلا أن يجاهد في سبيل الله.

أدِم صلواتك على الرحمة المهداة والنعمة المسداة سيدنا محمد، وسِر بنا في سبيله، وارزقنا حُسْن متابعته في قوله وفعله، يا أرحم الراحمين، وأدِم صلواتك معه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وأنبيائك ورسلك، وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلينا معهم وفيهم.

حمل أمانة شرع الله وحفظ الجوار:

   أما بعد، عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله في حمل أمانة شرع الله في أنفسكم وأهاليكم، ولا تكونوا عناصر التجرئ على منهاج الله، ولا سبب البغضاء ولا الشحناء في قريب ولا بعيد.

واحفظوا حقّ الجوار، واصدقوا مع عالم الإسرار والإجهار جل جلاله وتعالى في علاه، وتضرّعوا إليه، واستكفوه، واستعينوه، يُعِنكم ويُلهمكم رشدكم.

وتفقّهوا في دين الله، واجعلوا هواكم تبَعًا لما جاء به رسول الله، ولا تجعلوا الدين والتفقُّه فيه حِرفة، حِرفةَ الأغراض والمرادات النفسية والأطماع بأصنافها.

 إنما الإسلام استسلام وانقياد وخضوع لأمر الله جل جلاله وتعالى في علاه.

حقيقة غلظة المؤمنين وشدتهم:

وما غلظة المؤمنين وشدتهم إلا محافظتهم على الدين، وألّا يرضوا بشيء من إضاعة أمر الله، ولا فعل المُحرمات، ولا يبيعون دين الله بالأرض وما فيها؛ تلك غلظتهم، وتلك شدّتهم.

 أما معاملتهم فما شرع الرحمن لهم: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)، بِرٌّ وقسط لكل من لم يحارب ولم يقاتل، (أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

فيا صاحب الغضب، ارفع مستوى غضبك ليكون لله لا لنفسك، ولا تُؤْذِ به المسلمين، وسَيِّره إلى هؤلاء الذين يقتلون المسلمين بغير حق ويعتدون عليهم، وفُكّ غضبك عليهم إن كنت ذا غضب لله تعالى، على المنهج المَرْضِيّ الذي لا تُحدِث به سوءًا فوق سوء، ولا تؤذي به أحدًا من أهل لا إله إلا الله.

اللهم أيقِظ قلوبنا، وطهِّر أفئدتنا، واغفر ذنوبنا والمؤمنين والمؤمنات.

الصلاة على النبي ﷺ والدعاء:

وأكثروا الصلاة والسلام على خير البريات؛ فإن ربّ العرش ابتدأ بنفسه لما أراد أن يأمركم بالصلاة على حبيبه، وثنّى بملائكته، وأيَّه بالمؤمنين من عباده تعميمًا، فقال مُخبرًا وآمرًا لهم تكريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

أكثروا الصلاة على سيد الوجود، واغنموا إدراك النجاة بـ (لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، ودَفع الأسواء بـ (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ).

اللهم أدِم صلواتك على خير البرية، وعلى الخليفة من بعده، مؤازرهِ في حالي السعة والضيق، خليفة رسول الله سيدنا أبي بكر الصديق،

 وعلى حليف المحراب، المنيب الأوّاب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب، 

وعلى الناصح لله في السر والإعلان، من استحيَت منه ملائكة الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان، 

وعلى أخ النبي المصطفى وابن عمه، ووَلِيّه وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.

وعلى الحسن والحسين، سيدَي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانة نبيك بنص السنة، وعلى أمهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وعلى خديجة الكبرى، وعائشة الرضا، وأمهات المؤمنين، وبنات المصطفى الأمين، ومريم وآسية، والحمزة والعباس، وأهل بيت نبيك الذين طهّرتهم من الدنس والأرجاس. 

وأهل بيعة العقبة، وأهل بدر، وأهل أُحُد، وأهل بيعة الرضوان، وأهل غزوة مؤتة، وجميع الصحب الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم فرِّج كروب المسلمين، اللهم ادفع البلاء عن المؤمنين، اللهم اجمع شمل أهل لا إله إلا الله على حقائق لا إله إلا الله.

اللهم فرِّج على المنكوبين والمظلومين بغزة والضفة وبيت المقدس، وفي شامنا ويمننا وشرقنا وغربنا، يا كاشف الكروب، يا دافع الخطوب، أصلِح القوالب والقلوب.

لا صرفتنا من جمعتنا إلا بإقبال عليك صادق، وحُسْن أداء للأمانة في كل ما أحدنا له فاعل أو به ناطق.

 اللهم سِر بنا مسار أهل خشيتك في الغيب والشهادة، وأسعِدنا بأعلى السعادة في الدنيا والآخرة، واجعلنا في أهل الوجوه الناضرة التي هي إليك ناظرة.

واغفر لمؤسس المسجد، ومن تقدّم فيه من أهل لا إله إلا الله، ولوالدينا ووالدي الحاضرين، وموتانا وموتاهم، وموتى المسلمين أجمعين.

يا غافر الذنوب اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، واكشف كروبنا، واجمع شمل أمة حبيبك محمد ﷺ، ولا تصرفنا إلا بقبول لديك، وحُسْن تذلُّل بين يديك، وإقبال صادق عليك، برحمتك يا أرحم الراحمين.

وخذ بيد ملك البلاد الملك عبد الله الثاني إلى ما تحب وترضاه، وبيد من معه ممن يعينه على البر والخير والتقوى، وأعِذنا وإياهم وأهل الأردن والمؤمنين من شرور الأنفُس وسيئات الأعمال، وشرّ كل ذي شر من الإنس والجن والخلائق أجمعين، وارزقنا المتابعة لحبيبك الأمين، واختم لنا بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين.

عباد الله، إن الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ).

 

تاريخ النشر الهجري

19 جمادى الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

30 أكتوبر 2026

اضافة إلى المفضلة