(639)
(489)
فوائد من محاضرة للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ، ضمن سلسلة «إرشادات السلوك» في دار المصطفى بتريم، بعنوان: «عجائب نور الهدى وامتداد آثاره في الأحوال إلى دار المآل وحيازة النجاة به والفوز الأكبر».
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
مِن لازم نور الهداية أن يتعلق القلب بنور الإيمان، وأن يطلبه في كل آن، وأن يواظب ويواصل الأعمال الصالحة، في تبعيّة الذي خاطبه الرب وقال له: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
يغتنم العمر القصير بمواصلة الأعمال الصالحة بكل ما استطاع، حتى لا يتعرض للحسرة في المعاد؛ ولا يتحسر أهل الجنة في الجنة على شيء إلا على ساعة لم يذكروا الله فيها.
ألزم الله قلوبنا ذكره، وجعلنا من أهل شكره، ووفقنا لحسن عبادته.
النعيم الكبير، والمُلك الكبير، والعطاء العظيم الوفير، في مرافقة النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين: ﴿وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾.
إنما يكون ذلك بحبال الاتصاف بصفاتهم، والتشبه بهم، والاقتداء بهم؛ فهذه أسباب الربط بهم، وأسباب المرافقة لهم: الموافقة.
من شرط المرافقة الموافقة؛ أن نوافقهم في استحسان ما استحسنوه، وألا نُبقي أنفسنا لأهوائنا وشهواتنا، ولا لسَقَطة من شرار خلق الله على ظهر الأرض، يُحسّنون القبيح ويُقبّحون الحسن. كذبوا وخابوا، وخاب من صدقهم، وخاب من اتبعهم.
رزقنا الله الإصغاء والاستماع لدعوته تعالى على لسان رسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.
حياة الهناء الأرفع، وحياة الذوق الأطيب، وحياة إدراك الحقيقة، وحياة القرب من الرب، وحياة ذوق حلاوة الإيمان، وحياة الاستعداد لأشرف درجات دار المعاد؛ هذه هي الحياة الكريمة.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، وهي الحياة الطيبة التي قال عنها: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾.
يقول الرحمن بلام التوكيد ونون التوكيد ونون العظمة: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾؛ قال: أنا سأتولى إحياءه حياة طيبة.
تطيب حياته في مختلف الظروف والأحوال، وفي أي زمان أو مكان عاش. وهو من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ذكراً كان أو أنثى، لا يعرف إلا الحياة الطيبة؛ لا يغلبه هوى ولا شهوة، ولا تلتبس الأمور عليه، ولا تلعب به تيارات يمين أو يسار.
إن كان الناس في حروب أو كروب أو خطوب، أو في أمن أو استقرار أو طمأنينة؛ فهذا حياته طيبة من هذا النوع العالي الرفيع.
تنوّر في باطنك بنور الهدى واتباع حبيب العالِم بما خفي وما بدا، محمد بن عبد الله ﷺ: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، جل جلاله.
أنت في أي جلسة تجلسها وأنت على سر اتباعه: أنت مرفوع القدر، وأنت مهيّأ للحياة الطيبة، وأنت مُرقّى في مراقي القرب. وإن صليت فكذلك.
ولو ذهبت إلى بيتك، فإن طريقة مسارك إن ارتبطت بالتبعية، فأنت في خطواتك لك حظوات، وكل خطوة حظوة.
وإن انقطعتَ انقطعتْ، وإن اتصلتَ فخذ على كل حركة، وخذ على كل سكون، من عطاء غير ممنون، بسر متابعة الأمين المأمون ﷺ.
﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾؛ أعظم مما يقول: يدخلكم الجنة، وأعظم مما يقول: يعطيكم العافية والصحة، وأعظم مما يقول: يهبكم الحور والقصور؛ ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾!
إذا أحبك، فماذا بقي؟ وما سيعطيك إياه من النعم والمنن والمواهب، إذا أحبك الذي بيده ملكوت كل شيء؟ ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
11 جمادى الأول 1448