خطبة مكتوبة بعنوان: ميزان تقوى القلب في الحب والبغض في الله والتحذير من لعب إبليس وجنده بذلك الميزان وآثاره على الواقع

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الإيمان بحارة عيديد، مدينة تريم، 12 محرم 1443هـ بعنوان:

ميزان تقوى القلب في الحب والبغض في الله والتحذير من لعب إبليس وجنده بذلك الميزان وآثاره على الواقع

الخطبة الأولى:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحمد لله القويِّ المتين، الواحدِ الأحدِ الحقِّ القيومِ المعين، وأشهدُ أن لَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له جامعُ الخلائقِ ليومِ الدين، فيحكمُ بينهم فيما كانوا فيه يختلفون ولا مُعَقِّبَ لحُكمِهِ ولا رادَّ لقضائه {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}، وأشهد أنَّ سيدَنا ونبيَّنا وقرةَ أعيُنِنا محمدًا عبدُه ورسولُه ونبيُّه وصفيُّه وحبيبُه الأمين. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وكرِّم على عبدِك الذي ختمتَ به النبيِّين، وجعلتَه سيِّدَ المرسلينَ وإمام المتقين، سيِّدِنا محمدٍ وعلى آلِه وأهل بيته الطاهرين، وأصحابِه الغُرِّ الميامين، وعلى مَن والاهم فيك واتَّبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعلى آبائه وإخوانِه مِن المرسلين والنبيين، وعلى آلِهم وصحبِهم وتابعيهم والملائكةِ المقرَّبين، وجميعِ عبادِك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

أما بعد عبادَ الله: فإني أوصيكم وإيَّايَ بتقوى الله.. تقوى الله التي لا يقبلُ غيرَها، ولا يرحمُ إلا أهلَها، ولا يُثِيبُ إلا عليها.

أيها المؤمنون بالله: إنَّ من أعلى معاني التقوى: استواءَ القلبِ في المحبةِ والبغضاءِ على ما شرعَ له عالمُ السرِّ والنجوى، ولقد كان نبيُّه المصطفى محمدٌ صلى الله عليه وسلم يقول: (نحب بحبِّك الناس ونعادي بعداوتِك مَن خالفكَ مِن خلقك) ويقول: (اللهم اجعلنا هادِين مهتدين غيرَ ضالِّين ولا مُضِلِّين حَرْبَاً لأعدائك وسِلْمَاً لأوليائك نُحِبُّ بحبِّك الناس ونُعَادِي بعداوتك مَن خالفك مِن خلقِك)، لقد استقامَ صلى الله عليه وسلم -وهو الأقوم- على الحقِّ المبين والصراطِ المستقيم على الحبِّ في الله والبغضِ في الله، فما كان أعظمَ منه ولا أرحمَ منه ولا أجودَ منه ولا أعظمَ غَيْرَةً على الله منه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وبذلك كان الأسوةَ والقدوةَ لكُلِّ مؤمنٍ ممن شَهِدَ أنه جاء بالحقِّ من الحقِّ جَلَّ جلاله وتعالى في علاه.

أيها المؤمنون بالله: لُعِبَ في شأن القلوب فيما تُحِبُّ وما تبغض لَعِبَاً كبيرا من قِبَلِ الأنفُسِ والأهواء والشهواتِ ومن إيحاءاتِ شياطينِ الإنسِ والجنِّ على ظهرِ الأرض، وحَبَّبُوا إلى الناسِ ما يجبُ أن يبغضوه مِن أجلِ الله وبَغَّضُوا إليهم ما يجبُ أن يُحَبُّ لأجلِ الله فاختلَّ الميزان.. اختلَّ الميزانُ فتغيَّرَ الحال وفَسَدَ الشأن في كثيرٍ مِن أحوال وشؤونِ الأمَّة أفراداً وأُسَرَاً وجماعات وشعوباً ودول.. حصلَ الخللُ وكَثُرَ الزَّلَل؛ لأن ميزانَ المحبة والبغضاء قد اختَل؛ فأُبغِضَ ما هو أجملُ وأفضلُ وأكملُ وأحبُّ إلى الرَّبِّ عزَّ وجل، وأُحِبَّ ما هو مكروهٌ بغيضٌ لمن خلَقَنا جلَّ جلاله وبإيجادنا تفرَّدَ واستقل.. لا إله إلا هو، ما كان لعبدٍ من عباده أن يميلَ إلى سوء ولا شرٍّ ولا فسادٍ ولا إلى ضُرٍّ.

 ولقد وصف اللهُ لنا رعيلَنا الأول مِن الذين أنعمَ عليهم وجعلَهم الأساسَ واللِّبناتِ الأولى في أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه وسلم، فقال جلَّ جلاله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ *  فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}

فالرَّشَادُ بتحبيبِ الإيمانِ إلى القلبِ وتزيِّينِه إلى القلب {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}، والرَّشَادُ بكراهةِ الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} كرَّه إليكم الكفر: الخروج عن مِلَّةِ الله وعن دينِ الله تبارك وتعالى باعتقادٍ أو فعلٍ أو قولٍ أو أيِّ مُخرِجٍ مِن المِلَّة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، والفسوق: وهو البدعة والذنوبُ الثقالُ الكبار، والعصيانُ عامة؛ فيحلُّ في القلب كراهةُ العصيان مِن أصله.. صغائرُ الذنوب وكبائرُها. بل على ارتقاءِ الإيمان يكرَه المكروهاتِ والشبهاتِ فضلاً عن المعاصي صغائرِها وكبائرِها؛ ذاكم علامة الرَّشَاد واغتنامِ العمر القصيرِ الذي يَسرُعُ الانقضاءُ له والنَّفاد.

أيها المؤمنون بالله: وبهذا التقويمِ للقلبِ يجبُ أن نستقبلُ أعوامَنا، ونستقبلُ سنواتِنا وأشهرِنا وأيامِنا فإنَّها مراحلُ أعمارِنا التي تنقضي بسرعة، وتنطوي علينا فنلقى ربَّنا الذي خلقَنا، فبأي قلبٍ تلقى هذا الإلهَ؟ إنه لن يشفعَ لك هيئةٌ ولا حزبٌ ولا شركةٌ ولا أفكارٌ مبثوثةٌ من قِبَلِ أهلِ الشرق والغرب تلعبُ بك في هذه الحياة.

قَوِّم قلبَك، أَحِبَّ ما أحبَّ ربُّك، وأولُ ما تُحِبُّه ربُّك، وأول ما تُعَظِّمُه ربُّك، وأول ما تُولِي له الولاء وتَدِينُ له بالخضوعِ ربُّك -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، ومِن أجلِه أَحِبَّ الأنبياءَ أَحِبَّ الملائكة؛ فالأنبياءُ والملائكةُ الإيمانُ بهم ركنانِ مِن أركانِ الإيمان بالله؛ فلا يؤمنُ بالله مَن لم يؤمِن بملائكتِه ولا يؤمنُ باللهِ مَن لم يؤمِنْ برُسله صلواتُ الله وسلامه عليهم، مَن كذَّبَ بنبوَّةِ واحدٍ من الأنبياء فهو كافرٌ مُخَلَّدٌ في النار -والعياذ بالله تعالى-. فمع الإيمان بهم هم أحِبَّ مَن تُحِبُّ مِن البريةِ والخلقِ عليهم صلوات الله، ثم مِن أجل الله تحبُّ المؤمنين عامَّة وخاصَّتَهم خاصَّة، تكرهُ الكفرَ والفسوقَ والعصيان في القلبِ والجَنان وبالأعضاء والأركان بالعينين وبالأذنين وباللسان وبالفرجِ وبالبطنِ وباليدين والرجلين.. تكرهُ العصيانَ بكلٍّ منها؛ لأنَّكَ إنما تعصي بها واهبَها لك وخالقَها ومالكَها الذي وهبكَ الانتفاعَ بها ومكَّنكَ منها وهو أخرجكَ مِن بطنِ أمِّك بعد تكوينٍ مِن نطفةٍ وعلقةٍ ومضغةٍ وعظامٍ كُسِيَت لحمًا، ثم نُفِخَ فيها الروح وخرجتَ مِن بطنِ أمِّك لا تعلمُ شيئا فجعلَ لك السمعَ والبصرَ والفؤادَ لتشكرَه جَلَّ جلاله لا لتعصيَه بهذه الأعضاء.

أيها المؤمنون بالله تبارك وتعالى: أحضِروا قلوبَكم، لَعِبُوا بنا في محبةِ مَن أحبَّ اللهُ مِن النبيِّين والملائكةِ المقرَّبين والمؤمنين عامَّة وخاصَّتهم خاصة. وخاصة المؤمنين بعد النبيين هم آل الأنبياء وأصحابهم والصدِّيقون منهم أهلُ اليقينِ والتمكين والعلماء العاملين.. هؤلاء أحقُّ مَن يُحَبُّ مِن أجل الله مِن خواصِّ المؤمنين. فكم لُعِبَ على قلوبِ رجالٍ ونساءٍ مِن المؤمنين ما تمكَّنَ فيهم حبُّ الله ورسوله ورسله وأنبيائه وملائكته ثم محبة خاصة المؤمنين بعد الأنبياء فضلًا عن عامَّة المؤمنين الذين فرضَ الله علينا أخوَّتَهم ومحبَّتَهم مِن أجله جَلَّ جلاله وتعالى في علاه، وقال لنا نبيُّه المصطفى: (الحبُّ في الله والبغضُ في الله مِن أوثقِ عُرَى الإيمان).

أحضِر قلبَكَ في هذه الجمعة، وقد استقبلتَ عامًاً جديدا هذه ثاني جمعة من جُمَعِ عامِك الهجريِّ الذي أقبل عليك؛ الثالث والأربعين بعد الأربع مائة والألف من هجرةِ نبيِّك المصطفى محمد.

وقد بيَّنَت لك الهجرةُ الحبَّ في الله والبغضَ في الله، وبيَّنَت لك مَسْلَكَ استقامةَ القلبِ على محبةِ الله ومَن يُحِب، وكراهةَ الكفرِ والفسوقِ والعصيان، ولا رشادَ لنا بغيرِ ذلك يا أيها المؤمنون بالله جَلَّ جلاله وتعالى في علاه، فلا يصادفُ قلبٌ خِفَّةَ المحبةِ لنبيٍّ أو صدِّيقٍ أو آلِ الأنبياءِ وأصحابِهم إلا مِن خللٍ وضعفٍ في الإيمان ونقصٍ في الإدراكِ والمعرفةِ واليقين.

أيها المؤمنون بالله: يَحِبُ أن تستقيمَ القلوبُ على محبَّةِ مَن أحبَّهم خالقُ هذه القلوب ومُقَلِّبُها.

اللهم حبِّب إلينا الإيمانَ وزيِّنه في قلوبِنا، وكرِّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيان، واجعلنا مِن الراشدين برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

وبمحبةِ مَن أحبَّهم الله جَلَّ جلاله يشعرُ القلبُ بمودَّتِهِم مِن أجل وينطلقُ في الثناءِ عليهم والفرحِ بذكرِ أخبارِهم وشؤونِهم {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ}.

أيها المؤمنون بالله: وفي هذه المسألة كانَ مِن لَعِبِ إبليسِ وجُندِه في هذه الأمةِ المحمديَّة اللعب بقلوبِهم فيما يتعلقُ بصحابةِ نبيِّنا وآلِ بيتِه عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، كما أنَّ الواجب في آلِ آدم وآلِ شيث بن آدم وآلِ إدريس وآلِ نوحٍ وآلِ هودٍ وآلِ صالحٍ وآلِ إبراهيمَ وآلِ إسماعيلَ وآلِ إسحاقَ وآلِ يعقوب، وأصحاب آدم وأصحاب شيث بن آدم وأصحاب نوحٍ عليه السلام وأصحاب هود وأصحاب صالح وأصحاب إبراهيم وموسى وعيسى، وأصحاب النبيِّين وآلهم؛ أن نُواليَهم ونحبَّهم مِن أجل الله تبارك وتعالى {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} ففي نبيِّنا على وجه الخصوص -وهو سيد الأنبياء- أوجب وآكَد علينا أن نُحِبَّ آلَه وصحابتَه، وتستقيم قلوبُنا على مودَّتِهم ومحبَّتِهم مِن أجلِ الله جَلَّ جلاله بمقتضَى عمومِ الإيمان، كيف والنَّصُّ في القرآنِ والنَّصُّ في السنَّة بعد ذلك يُحَتِّمُ علينا هذا الأمرَ، ونسمعُ الحقَّ يقول: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} ويقول: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} ويقول جَلَّ جلاله وتعالى في علاه: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} ويقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لا تسبُّوا أصحابي مِن بعدي) ويقول: (أُذَكِّركُم اللهَ في أهلِ بيتي) ويقول ربه: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.

ولُعِبَ بالمسألةِ حتى صارت سياسية، يَلعَبُ بها أهلُ السياسة في العالمِ لأجلِ الوصولِ إلى الأغراضِ والدَّنَايَا والمقاصد والأموالِ والحكمِ والسُّلُطَات، وهؤلاء يُثِيرُونَ قلوبَ طوائفَ مِن المؤمنين بالانتهاضِ لنُصرةِ الصحابة ومحبَّتهم -وأنعِم بها لكن على وجهِها-، وهؤلاء يُثِيرُونَ طوائفَ مِن المؤمنين لنصرةِ آلِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ومودَّتِهم -وأنعِم بها لكن على وجهِها- لا على لعبِ السياسة، ولا على إراداتِ الخساسَة، ولا على قصدِ السلطاتِ والحكمِ والاستبدادِ بالأموالِ والكراسيِّ على رقابِ الناس! بئس المسلكُ هؤلاء وهؤلاء!

ولن يكونَ مؤمنًا صادقًا مخلصًا إلا مُحِبَّاً لآلِ بيت محمد ومُحِبَّا لأصحابِ النبيِّ محمد والله، كما لا يكون مِن أهل السنة مَن أبغض واحدًا مِن الصحابة، فلا يكونُ مِن أهلِ السنة مَن أبغضَ واحدًا مِن آل بيتِ محمد، لا يكون مِن أهلِ السنة مَن أبغضَ صحابيَّاً ولا مَن أبغض واحدًا مِن آل بيتِ نبيِّنا. فَلتَستَقِمِ القلوبُ على ما أحبَّ منها مُقَلِّبُها في معرفةِ قدرِ الرعيلِ الأولِ وقدرِ أهلِ الالتصاقِ بجنابِ النبوةِ مِن الآلِ والصحابةِ رضي الله عنهم..

فذو القَدْحِ فيهم هَادِمٌ أَصْلَ دِينِهِ ** ومُقتَحِمٌ في لُجِّ زَيْغٍ وبِدعَةِ

أيها المؤمنون بالله جلَّ جلاله وتعالى في علاه: يجب أن نُدرِكَ الحقائق كما بيَّنها الخالقُ، وفصَّلها خيرُ الخلائق صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في محبَّةِ مَن نُحِب، وشأنِنا مع المؤمنين عامَّة وخاصَّتِهم خاصة، وموازينِ كراهةِ الكفرِ والفسوقِ والعصيان؛ هي التي يجبُ أن تتمَّ وهي التي يجبُ أن تقومَ على وجهِها، و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وقال تعالى في ذَمِّ طوائفِ أهلِ النفاقِ والزَّيغ.. يقول سبحانه وتعالى في من يتَّخذُ الكفارَ أولياء: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}.

يا عزيزُ له العِزَّةُ كلُّها أَعِزَّنا بتقواك، أَعِزَّنا برضاك، أَعِزَّنا بمحبَّتك ومحبةِ رُسلِك وأنبيائك وصالحِي عبادِك عامَّة وخاصتِهم خاصة، وأَعِزَّنا بكراهةِ الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ واجعلنا مِن الراشدين يا ربَّ العالمين.

والله يقولُ وقولُه الحقُّ المبين: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}

وقال تباركَ وتعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم}

أعوذ بالله مِن الشَّيطان الرَّجيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ * لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ *  إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * ۞ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}

باركَ الله لي ولكم في القُرآنِ العظيم، ونفعَنا بما فيه مِنَ الآياتِ والذكرِ الحكيم، وثبَّتَنا على الصراطِ المستقيم، وأجارَنا مِن خِزيهِ وعذابِه الأليم.

أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولوالدينا ولجميعِ المسلمين فاستَغفِروه، إنَّه هو الغفورُ الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله مُصلِحِ القلوبِ ومُطَهِّرها، وأشهدُ أن لَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له مُنَقِّ الأفئدةِ ومنوِّرُها، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وقرةَ أعينِنا ونورِ قلوبِنا محمدًا عبدُه ورسولُه، منقذُ الأمةِ مِن غيِّها وزيغِها وضلالِها وفسوقِها وكُفرِها. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك المصطفى سيدِنا محمد وعلى آلِه وأصحابِه وأهلِ ولائك وولائهم فيك ممَّن اقتفى هديَه واقتدى به، وعلى آبائه وإخوانه مِن أنبيائك ورسلِك وآلهم وأصحابِهم وتابعيهم، وعلى ملائكتِكَ المقرَّبين وجميعِ عبادِك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

أما بعد عباد الله: فإني أوصيكم وإيَّايَ بتقوى الله.. فاتقوا الله وأحسنوا استقبال العام بتقويم قلوبكم على ما أحبَّ منكم.

إنَّ مما لُعِبَ به في القلوب كراهةَ الكفرِ والفسوقِ والعصيان -وهي فريضةٌ على كلِّ مسلم- أن يكرهَ الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ كلَّه.. يكرَه كلَّ مخالفةٍ لشرعِ الله تعالى وإن مالَت نفسُه إليها وإن كان له فيها حظٌّ ومتاعٌ في هذه الدنيا فاللهُ أحبُّ إليه {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}.

وفي كراهةِ الكفرِ والفسوقِ والعصيان ذلكم الميزانُ الذي لا يُمَكَّنُ منه كافرٌ ولا فاسقٌ ولا عاصي أن يَعِيثَ في الأرض فسادًا وأن يَضُر وأن يؤذيَ وأن يَقضِيَ غرضَه الفاسقَ السيِّءَ على حسابِ شريعةٍ أو هدىً أو دينٍ أو إذلالِ مسلم أو ضُرٍّ بمسلم قَطُّ قَطُّ قَطّ، ثم بعد ذلك مفسوحٌ ومفتوحٌ بابُ دعوتِهم وإنقاذِهم وإرشادِهم وهدايتِهم ودلالتِهم على الحق، ومحبةِ أن يؤمنوا بدلَ الكفر، وأن يستقيموا بدلَ الفسق، وأن يصلحوا بدلَ العصيان، هكذا الميزان عندنا في شرعِ الله يجبُ أن يقومَ على وجهِه، ومِن الناسِ مَن يتَّخذُ مِن بُغضِ الكفر بغضًا عامَّاً للكفارِ على وجهٍ لا يحبُّ إسلامَهم ولا يُحسِن دعوتَهم للإسلامِ ولا حُسنَ عرضِ الإسلامِ عليهم.. فبئس ما اتَّجه له، وممَّن يجعلُ مِن المُحاسَنَةِ لهم أو تقريبهم إلى الدين ولاءَهم ومودَّتَهم على حسابِ فرائضَ أو شرائعَ أو سنن أو أخلاقِ للمسلمين وبئس ما اتَّجهوا إليه؛ فليس هذا بميزانِ اللهِ في بُغضِ الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ، ولكنْ ميزانُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي مضَى عليه، ولم يفسحْ للكفارِ أن يلعبوا بالدينِ ولا أن يكونوا أولياءَ في دينِ اللهِ ولا أهلَ مودة، وشرعَ أن نكونَ معهم أهلَ بِرٍّ وقسط {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ}، وقال: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا}  فالذي يأتي بعدَ ذلك ويقول قَتِّلوهم قَتِّلوهم ولو اعتزلُوا ولو ذهبوا.. مِن أين جئت بهذا؟! هديُ مَن هذا؟ طريقةُ محمد أم أبي بكر أم عمر أم عثمان أم علي أم السابقين ومَن بعدَهم؟ مِن أين جئتَ بهذا؟!

ومَن قال افسحوا لهم المجالَ ليتحكَّموا فينا وليلعبوا بأديانِنا وليُنَزِّلوا قراراتِهم.. مِن أين جئتَ بهذا؟ مِن أين استحللتَ هذا؟ مِن أين جوَّزتَ هذا؟!

دينُ الله لا هكذا ولا هكذا، ولكن دينُ الله: نبغضُهم مِن أجلِ الله وندعوهم إلى الله ونتمنَّى إسلامَهم ولا ُنُمَكِّن لهم أن يلعبوا بأديانِنا ولا بالمؤمنين فينا ونفسح لهم المجالَ في عرضِ الإسلامِ بصورِه الكريمةِ الجميلةِ وندعوهم إلى الله جَلَّ جلاله. كذلك مع أهلِ الفسوق، حتى مَن أقمنا عليه الحدَّ منهم، فنتمنَّى له الخيرَ ولا نكون عونَ الشيطانِ عليه، ولا نتساهل بتركِ الحدِّ وإقامتِه عليه؛ نُقِيمُ الحَدَّ عليه ونزجرُه ولا نَسُبُّه ولا نكونُ عونَ الشيطان عليه؛ ميزانٌ جاء به سيدُ الأكوان، يجبُ أن يتمَّ ويجبُ أن يقومَ على وجهِه.

ولمَّا ضُرِبَ مَن ضُرِبَ في شربِ الخمر وجُلِدَ أولا وثانيا وثالثا قال بعضُهم يَسُبُّه ويلعنه: ما أكثرَ ما يعود إليه! فالتفتَ النبي إليه يقول: (لا تكُن عونَ الشيطانِ على أخيك إنه يحبُّ اللهَ ورسولَه). وبصدقِ تلك المحبةِ تاب وأناب وأقلعَ عن ذلك العملِ السيِّء..

ميزانٌ قويمٌ، لا تساهلَ في إقامةِ الحد، وهو الذي يقول صلى الله عليه وسلم: (لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمد -حاشاها- سرَقت لأقمتُ الحدُّ عليها) وهي أحبُّ الخلقِ إليه، ومع ذلك لو وقعَت في حدٍّ مِن حدود الله (لأقمتُ الحدَّ عليها) ما أطهرَه وما أكملَه وما أجلَّ مسلكَه صلى الله عليه وسلم.

فأين محسوبياتُ الأحزابِ والاتِّجاهات وأهلِ الشعاراتِ الكثيرةِ على ظهرِ الأرض -والعياذُ بالله تبارك وتعالى-؛ ولكنَّ العدلَ عند محمد، والقسطَ عند محمد، والحقَّ عند محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. لا تساهلَ في زجرِهم وإقامةِ الحدود عليهم، ولا يجوزُ سبُّهم ولا أن نُعِينَ الشيطانَ عليهم، ولا أن نحكمَ عليهم بنارٍ فلا ندري الخواتيم ولا ندري العواقب، ولا ندري أحدنا أفضل أو أحد منهم؛ فإنَّ الأمرَ لله، والعاقبةَ لله، والأمر بالخواتيم.

أيها المؤمنون: موازين ممَّا لُعِبَ علينا فيها بعد ذلك أن يُحَبَّبَ إلينا الغناءُ الماجن! ويُحَبَّبُ إلينا الأزياءُ الخليعة! نربِّي عليها بناتِنا مِن الصغر وأبنائنا مِن الصغر.. مُحَجِّمَة كاشفة للعورات للرُّكَبِ للفخوذ! كُنَّا نصيح مِن السِّيقان وقد تجاوزوا ذلك! تَكَشَّفَت السيقان! ولعبوا بها لعباً، طلعوا إلى كشف الفخوذ اليوم في البنين والبنات! مَن حبَّب إلينا هذا؟ كيف يجوز أن نُقِرَّ هذا؟ كيف يجوز أن نرضَى بهذا!؟ أفاجر كافر خبيث عبدُ الشهوة يحكم أهلَ بيتي ويلعبُ عليّ! ونعيبُ على حُكَّامٍ والَوا الكفار وحكّموهم وأنت تُحَكِّمهم وسطَ دارِك! تحكِّمهم وسطَ بناتك! ولا تستشعر بالخجل! حكَّمتَهم بهذه الأزياء الخليعة الساقطة الهابطة! وأنت صاحب ديانة وصاحب مبدأ وصاحب حياء وصاحب حشمَة وصاحب حجاب وصاحب آداب! أين ذهبت؟! وتَحَكَّمَ فيك هؤلاء!

وإذا جاءَتكَ مناسبةٌ أحببتَ المجونَ وأحببتَ الكلامَ الخليعَ وأحببتَ الرقصاتِ الهابطة! ما هذا الميزان؟! {كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}! تقبيلاتٌ في الخدودِ في مناسباتِ العقود وغيرها! وعند ذلك الغناءِ الساقطِ الهابطِ الذي والله لا يجلب حقيقةَ سرور ولا أنس ولا حبور ولا بركة ولا سعادة ولكن يجلب نشواتٍ سوءُ عواقبِها بلاءٌ في الدنيا وعذابٌ في الآخرة!

وكم تهدَّمَت مِن وراء ذلك بيوت، وكم فَشِلَت نِكَاحَات وزواجات مِن هذه التقاليد وهذه العادات الخبيثاتِ السيئاتِ التي طرأت علينا!

أقيمُوا ميزان: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} اللهم اجعلنا مِن الراشدين {فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} يا مُتَفَضِّل يا مُنعِم أتمِم علينا النِّعمة وزِدنا تفضُّلًا منكَ يا كريم.

وأكثروا الصلاةَ والسلامَ على شوكةِ ميزانِكم في الاعتدالِ والاستقامة، سيدِ أهلِ الكرامة، مَن أنزلَ اللهُ عليه مُذَكِّراً بعظيم نعمةِ الصلاة عليه مُبتدئا بنفسِه ومُثَنِّيَّاً بملائكتِه ومُوَجِّهَاً لعمومِ المؤمنين فقالَ تعظيمًا وتكريما: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك المحبوب طِبِّ الأجسامِ والقلوبِ سيِّدِنا محمدٍ، وعلى الخليفةِ مِن بعدهِ المُختار، وصاحبهِ وأنيسهِ في الغار، مُؤازرِ رسولِ الله في حالَيِ السَّعةِ والضِّيق، خليفةِ رسولِ الله سيدِنا أبي بكر الصديق، وعلى النَّاطِقِ بالصواب، حليفِ المحراب، ناشرِ العَدْلِ في الآفَاقِ، أميرِ المؤمنين سيِّدِنا عمرِ بن الخطاب، وعلى مَنِ استحيَت منهُ ملائكةُ الرَّحمن،  مُحيِي الليالي بتلاوةِ القرآن، المُنفِقِ في سبيلِ الرحمن، أمير المؤمنين ذي النُّورَين سيدِنا عُثمانَ بنِ عفَّان، وعلى أخِ النَّبيِّ المصطفى وابنِ عمِّه، ووليِّهِ وبابِ مدينةِ علمِه، إمام أهلِ المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.

وعلى الحَسَنِ والحُسينِ سيِّدَي شبابِ أهلِ الجنَّة في الجنة، وريحانتَي نبيِّك بِنَصِّ السُّنة، وعلى أمِّهِما الحَوراءِ فاطمةَ البَتولِ الزَّهراء، وعلى خديجةَ الكُبرى وعائشةَ الرِّضَا، وعلى الحمزةَ والعبَّاس، وسائر أهل بيتِ نبيِّكَ الذين طهَّرتَهم مِن الدَّنسِ والأرجاس، وعلى أهلِ بدرٍ وأهلِ أُحدٍ وأهلِ بيعةِ الرِّضوان، وعلى سائرِ أصحاب نبيك الكريم، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمين.

اللهم أيقِظ قلوبَ المسلمين، اللهم صَفِّ قلوبَ المسلمين، اللهم نَقِّ قلوبَ المسلمين، اللهم نَوِّر قلوبَ المسلمين، اللهم أقِم فيها ميزانَ تقواك ظاهرٍا وباطنٍا يا أكرمَ الأكرمين، اللهم فرِّج الكروبات عنَّا وعن أهل "لا إلهَ إلا الله"، واجعل العامَ الذي أقبلَ علينا مِن أبركِ الأعوامِ على المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، تنشر فيه أنوارَ الهدايات وتُحَبِّب إلينا الإيمانَ وتُزَيِّنه في قلوبِنا وتُكَرِّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ وتجعلنا مِن الراشدين فضلاً منك ونعمةً يا متفضِّل يا مُنعِم يا أكرمَ الأكرمين.

اللهم فرِّج كروبَ أمَّة النبيِّ محمد، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم اعصِم أعراضَهم، اللهم صُن أموالَهم، اللهم احرُسهم بحراستِك وادفع عنهم سلطةَ أعدائك وأصلح شؤونَهم يا أرحمَ الراحمين.

اللهم أعزَّ الإسلامَ وانصُرِ المسلمين، وأَذِلَّ الشركَ والمشركين، وأعلِ كلمةَ المؤمنين، واجعل الحقَّ والهدى والدينَ والشريعةَ منصورةً في ديارِنا ومنازلِنا وفي مسالِكنا وفي أزيائنا وفي مُجرَيَاتِ عاداتنا وعباداتِنا يا أكرمَ الأكرمين.

اللهم عجِّل بتفريجِ كروبِ الأمَّة واكشفِ الغُمَّة وارحم موتانا وأحيانا بأوسعِ الرحمة، يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر لنا ووالدينا ومشائخنا وذوي الحقوقِ علينا والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات مغفرةً واسعةً لا تغادِر ذنبًا ولا حَوْبَاً ولا سيئةً ولا معصيةً ولا خطيئةً برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

نسألكَ لنا ولهم مِن خيرِ ما سألك منه عبدُك ونبيُّك سيدُنا محمد، ونعوذُ بك مما استعاذكَ منه عبدُك ونبيُّك سيدُنا محمد، وأنتَ المستعان وعليك البلاغُ ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العليِّ العظيم.

عبادَ الله: إنَّ اللهَ أمرَ بثلاث، ونهى عن ثلاث:

{إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}

فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكُرْكُم، واشكروه على نعمِه يَزِدْكُم، ولذِكرُ اللهِ أكبر.

للاستماع إلى الخطبة: