كلمة شهر شعبان لعام 1425هـ

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله تعالى في علاه ، مُكوِّر الليل في النهار ومكوِّر النهار في الليل، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله ، وصفوته وخليله.. أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون .
 أما بعد: فإن المنهجَ الإلهي والهديَ النبوي قد تضمَّن لنا في المسلك اغتنام الأوقات وتخصيص الأيام والليالي بمزايا وفضائل من شأن ذلك تجديدُ معاني الصلة وابتعاثُ حقائق الهمة وتقوية الوجهة وتنشيط دواعي الإقبال على الحق جل جلاله وتعالى في علاه ، وإن من جملة ذلك ما ورد في السنة النبوية والأحاديث الشريفة من فضائل ليلة النصف من شعبان التي جاءت برواياتٍ متعددة وأسانيدَ كثيرة يقطع الناظرُ فيها بتخصيص تلك الليلة بخصوصية ومزية، وجاء فيها اعتناء سيدنا رسول الله  بالقيام وبالخروج إلى المقابر للزيارة والاستغفار والدعاء، وجاء عموم المغفرة في تلك الليلة من الله لأهل ملة الإسلام إلا أصنافًا يبلغون إلى خمسة عشر منهم: المنَّان بالصدقة والمُسبِل إزارَه خُيلاء، مع أرباب الكبائر من المشاحن وقاطع الرحم وعاق الوالدين إلى غير ذلك من الأوصاف، كل ذلك ليوقفَنا على تقويم المسلك وتصحيح المسار في اقتفاء أثرِ النبوة وفي ممشانا إلى تحصيل رضوان مَن خلَقنا وبرانا جل جلاله وتعالى في علاه، وليكون ذلك تهيئةً لاستقبال الشهر العظيم الكريم شهر رمضان لنكون فيه محلاًّ للتكريم من الحق الملك العظيم جل جلاله وتعالى في علاه .. فجديرٌ بأهل الإسلام أن لا يغفلوا في هذا الشهر الذي حذر  من الغفلة فيه ودعا إلى التيقُّظِ حين سئل عن كثرة صومه في شعبان فقال: ( إنه شهرٌ يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان) .. وإن من إبعادِ تلك الغفلة الوقوف على تصحيح المسار وقد أشرنا في بداية الذين يُستثنَون من المغفرة إلى صنفين يتعلق ذنبُهما بشانٍ قلبي في التطاول والتكبُّر من هذا الإنسان: المُسبل إزاره خيلاء الذي لا يُراعي في مسألة اللباس شرَّ الالتباس بدواعي الخنَّاس التي تُمِدُّ القلبَ بتقويةِ مرضِ الترفُّع والتكبُّر وهو الداء الوبيل المُفضي إلى الخيبة والخزي والصَّغار عند الله تبارك وتعالى.
 فليكن من همَّة المؤمن في شعبان حسنُ التنقِّي عن هذه الأدران، كما أنه يتصل بذلك المعنى الخفي نسيانُ منَّةِ المنان والمنُّ بالصدقة مِن المتصدِّق فهو وقد قطع شوطًا في إخراجِ الصدقة إلا أن علاقتَه بالمرض القلبي حجبَه عن قبولِ الصدقة ولم يقتصر الأمرُ على ذلك بل جعله من الذين يُحرمون المغفرة ويأتي الوعيد في شأنهم..
فالحذر الحذر ولتقوَ رواسخُ وثوابت الصِّلات بين الأرحام والجيران والمؤمنين عموما، ولنتطهَّر عن التَّشاحن والكبرِ وشهود المنَّة لأنفسنا، ولنستعد بذلك لاستقبالِ شهرٍ أولهُ رحمة، وأوسطهُ مغفرة، وآخرهُ عتقٌ من النار..
اللهم فرِّج كروبَ المسلمين، وحوِّل الأحوال إلى أحسنِها، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين ، والحمد لله رب العالمين .